Menu
حضارة

عنجهية نتنياهو وخلل إسرائيل البنيوي

علي جرادات

عندما أُجبِر شامير على المشاركة في «مؤتمر مدريد»، 1991، لم يرفض وقْف الاستيطان، فحسب، بل وتوعد بـ»مفاوضة الفلسطينيين عشرين عاماً».

ورابين الذي وقع «اتفاق أوسلو»، وبشر بالتوصل إلى «اتفاق نهائي» خلال خمس سنوات، رفض بدوره وقف الاستيطان وأعلن أن «لا مواعيد مقدسة».

أما نتنياهو فيطلب استئناف التفاوض لـ»تحديد حدود المستوطنات». هذا يعني أن حكومة نتنياهو الجديدة لا ترفض وقْف الاستيطان وتحديد سقف زمني للتفاوض، فقط، بل تريد تحديد مساحة إضافية للتوسع الاستيطاني.

أما المساحة المطلوبة فيشي بها أن وفد نتنياهو لآخر جولة من المفاوضات استثنى القدس والمستوطنات القائمة، عدا منطقة الأغوار، (قرابة ثلث مساحة الضفة)، من البحث، ناهيك أن برنامج حزب الليكود يطالب صراحة بـ»سيادة واحدة من البحر إلى النهر»، كمطلب تتبناه الأحزاب الصهيونية القومية المتطرفة والدينية المحافظة المتحالفة مع الليكود في الحكومة الجديدة.

وعلينا ألا ننسى أيضاً أنه، ورغم أن حزب العمل وحزب الليكود يجمعهما رفْض تحديد سقف زمني للتفاوض ورفْض وقف الاستيطان باعتبار أن «الاستيطان جوهر الصهيونية»، إلا أن الليكود، سواء بقيادة شامير سابقاً أو بقيادة خلفه نتنياهو، رفض ولا يزال يرفض تمييز رابين بين «المستوطنات السياسية والمستوطنات الأمنية»، ورفض مقاربته للاحتفاظ بـ»المستوطنات الأمنية»، فقط.

ناهيك عن أن نتنياهو الذي يقود حكومة مستوطنين ترفض التوقيع على أي اتفاق لا يتضمن الاعتراف بإسرائيل «دولة للشعب اليهودي»، وتفوق في تطرفها وعنجهيتها حكوماته الثلاث السابقة، بل وحكومات إسرائيل منذ إنشائها. ما يعني أن الفلسطينيين، بمن فيهم فلسطينيو الضفة والقطاع، ليسوا على «مرمى حجر» من الاستقلال الوطني، طالما استمر ميزان القوى الراهن على حاله بالمعنى الشامل للكلمة. وهذا يوجب التخلص من تمنيات أن ثمة حلاً سياسياً قريباً، سواء أكان وطنيا يعيد الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، أم «استسلامياً» تسعى لفرضه حكومة الاحتلال والاستيطان والتهويد الجديدة، ولا يمكن أن تقبله قيادة فلسطينية، براغماتية كانت أو مبدئية.

لقد كشفت دعوة نتنياهو لاستئناف التفاوض لـ»تحديد حدود المستوطنات» الخلل الكبير الذي ترتب على القبول الفلسطيني والعربي بمبدأ «تبادل الأراضي»، وعلى التمديد الواقعي للتفاوض بعد انتهاء العمر الزمني لاتفاق أوسلو في أيار 1999،  وعلى تجاهل أن عدوانية إسرائيل وتوسعيتها متجذرة في بنية مجتمعية عنصرية تتاخم الفاشية، وأن حكوماتها ترفض التسويات السياسية بفعل نظام سياسي استيطاني إقصائي يقتضي الحروب والتمسك بلاءات معلنة تُبرزها اليوم حكومة نتنياهو بصورة أكثر وقاحة وتطرفاً وعنجهية، هي: لا لحق اللاجئين في العودة، لا للانسحاب إلى حدود 67، لا لوقف الاستيطان وتفكيك الكتل الاستيطانية، لا لتقسيم القدس، ولا لرفع الحصار عن قطاع غزة أو وقف العدوان عليه قبل تجريد المقاومة فيه من سلاحها.

وبداهة أن عنجهية مطلب حكومة نتنياهو استئناف التفاوض لـ»تحديد حدود المستوطنات»، إنما تعكس الاطمئنان إلى الرعاية الأميركية الثابتة التي تحول دون أي شكل فعلي لمساءلة إسرائيل أو الضغط عليها لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالصراع. وبداهة أيضاً أن عنجهية حكومة نتنياهو تعكس ارتياحا إسرائيليا غير مسبوق بفعل القائم من إرهاب تكفيري يفتك بالوطن العربي دولاً وجيوشاً ونسيجاً وطنياً ومجتمعياً، وبفعل الانقسام الفلسطيني العمودي المدمر الذي لا تتوافر إرادة سياسية جادة لإنهائه.

لذلك كله علينا ألا نستغرب إذا أقدمت واشنطن على امتداح حكومة نتنياهو ومكافأتها على قبولها لمبدأ التفاوض، إذ ألم تقم واشنطن هذه، (مثلاً)، بمكافأة حكومة شامير العام 1991 على قبولها المشاركة في «مؤتمر مدريد»، حيث ضغطت ونجحت إدارة بوش آنذاك في إلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتبار أن «الصهيونية شكل من أشكال العنصرية».

وهي المكافأة التي، ربما، لم يحلم قادة إسرائيل في حينه بالحصول عليها بسهولة ومجاناً ولمجرد قبولهم الشكلي بالتفاوض.

على أية حال، أن تتمادى حكومة نتنياهو لدرجة الأمل في انتزاع اتفاق يتضمن تشريع الزحف الاستيطاني والتهام ما تبقى من أرض فلسطين خارج قبضة إسرائيل التي باتت تسيطر، بصيغ مختلفة، على 85% منها، حسب مركز الإحصاء الفلسطيني، ذلك يعني أننا بتنا أكثر من أي وقت مضى أمام استحقاقات مراجعة سياسية جدية وشاملة أولا لفرضية أن إسرائيل في وارد تسوية الصراع، وثانيا لفرضية أن سياسة الولايات المتحدة يمكن أن تكون أكثر توازناً، كفرضية أنجبت الرهان، عربياً وفلسطينياً، على ضغط أميركي يلزم إسرائيل بقبول أدنى الحقوق العربية والفلسطينية المكفولة بقرارات الشرعية.

لقد آن أوان مراجعة رهانات هاتين الفرضيتين، كرهانات فاشلة لم تأخذ بعين الاعتبار «اختلال العالم» الناجم عن نظام «القطب الواحد». وهو الاختلال الذي تجلى أكثر ما تجلى في زيادة الدعم الأميركي الشامل وغير المحدود لتمادي قادة إسرائيل، المعبر عنه اليوم في الهجوم السياسي والميداني لحكومة نتنياهو لدرجة المطالبة باستئناف التفاوض لا لإنهاء الاحتلال بمظاهره السياسية والعسكرية والاستيطانية والأمنية، إنما لـ»تحديد حدود المستوطنات»، أي لتشريع مواصلة الزحف الاستيطاني.

لكن، رغم عنجهية حكومة نتنياهو، بل وبفضلها أيضاً، فإن إسرائيل تواجه اليوم كما لم تواجه من قبل، خللها البنيوي الناجم عن التناقض بين فائض الغطرسة والعربدة والطموح وبين تآكل عوامل القوة اللازمة، وهو التآكل الذي كنت أبرزته بإسهاب في مقالة سابقة، وأعيد التشديد عليه بتكثيف وإيجاز شديديْن في النقاط التالية:

1: جيش إسرائيل، أي عماد قوتها، لم يعد منذ عقد ونصف العقد قادراً على تحقيق نصر سريع حاسم مبهر واضح، ذلك كي لا نقول إنه لم يحقق مثل هذا النصر سوى في عدوان العام 1967. هنا ثمة تغير نوعي يقر به حتى بعض القيادات العسكرية والأمنية والسياسية الإسرائيلية.  

2: تواجه إسرائيل اليوم عداء شعبياً عالميا متناميا وغير مسبوق، خاصة بين الشعوب «الغربية» التي أيقظتها بشاعة جرائم إسرائيل المتواصلة، لدرجة أن تحظى إسرائيل بوصف «أخطر دولة على أمن العالم واستقراره»، حسب استطلاعات الرأي «الغربية».

هنا ثمة انقلاب في الوعي يخشاه قادة إسرائيل أكثر من خشية البشر للطاعون، خاصة بعد تنامي واتساع حملات المقاطعة السياسية الاقتصادية والأكاديمية للاحتلال ولمستوطناته خصوصاً. 

3: باستثناء الولايات المتحدة لم يعد الدعم السياسي والدبلوماسي «الغربي» لإسرائيل مطلقاً، بل بات مشروطاً بتخليها عن الأراضي التي احتلتها في العام 1967. فالدفاع عن إسرائيل كما يريدها نتنياهو لم يعد ممكناً، حتى لدى دول أوروبية ساهمت في إنشاء إسرائيل والاعتراف بها دولة في هيئة الأمم المتحدة.

4: لم تعد قيادات إسرائيل محط ثقة مواطنيها بعدما صار من النادر أن تجد بينها قائداً غير فاسد، أو تحوم حوله شبهة الفساد، بما في ذلك رؤساء، ورؤساء حكومة، ووزراء دفاع، ورؤساء أركان، وقادة أحزاب....الخ ناهيك عن ارتفاع منسوب التعبير عن تفاقم معضلات الفقر والبطالة وانعدام فرص السكن ومظاهر التمييز العنصري والتناقضات بين المتدينين والعلمانيين، بين اليهود «الشرقيين» واليهود «الغربيين».

وكل ذلك دون أن ننسى تفاقم معضلة إسرائيل الأساسية، أي المعضلة الديموغرافية، حيث «لم يعد اليهود أغلبية سكانية بين البحر والنهر»، حسب كبار الديموغرافيين الإسرائيليين.  


نقلاً عن: الأيام