على مدار الساعة
أخبار » منشورات

أفكار في الهوية

21 نيسان / مارس 2018
  • تعبيـرية
  • تعبيـرية

د. ساسين عساف

سؤال الهويّة سؤال مصيري في عالم تسوده الفوضى وتقوده جدلية الالتحام والتشظّي.

بشأنها يدور جدل سياسي/ فكري تحت عنوان التفتيش عن الذات أو إعادة بناء الذات لدى مجموعات ليست لها دول كما لدى مجموعات دولها لا تلبّي طموحاتها (الهويات المقموعة وغير المعترف بحقّها في تقرير المصير).

سؤال الهوية مصيري لأنّها معطى متحوّل في التاريخ. مكوّناتها غير ثابتة بما فيها الأشدّ ثباتاً كالمكوّن الديني أو اللغوي فكيف بالمنظومة المعرفية والمنظومة القيمية وأنماط السلوك!

إذا كان فعل الكينونة قد ثبّتها في وحدة التاريخ بمعنى التراث والذاكرة وفي وحدة الجغرافيا بمعنى الحيّز والمناخ وفي وحدة اللغة بالمعنى الثقافي وفي وحدة الدين بالمعنى اللاهوتي أو الفقهي والطقسي أو العبادي وفي وحدة القوم بالمعنى السلالي/ الجيني فهناك عوامل من فعل الصيرورة فاعلة في تحوّلات الهوية فتجعلها خارج مفاعيل الثبوت في الكينونة.

من هذه العوامل:

- الفكر الفلسفي/ الإيديولوجي/ السياسي/ الاقتصادي/ الاجتماعي/ الديني- التأويلي (فقه اللحظة أو لاهوت اللحظة)

- البحوث العلمية والتكنولوجية في حقولهما كافة بخاصة حقل الهندسة الجينية

- الثورة المعلوماتية في الإعلام والتواصل (من أقوى وسائل صنع الهويات وتبديلها)

- ثقافة العولمة (القرية الكونية، المواطن العالمي، التفاعل مع الآخر ومنجزاته الحضارية ومنظوماته القيمية والسلوكية وإبداعاته الفكرية والمعرفية...)

- العلاقات الدولية والقوانين الناظمة (سيادة القانون الدولي على القانون الوطني أو المحلّي، عولمة القوانين والمحاكم والقضاء)

- علوم الإنسان بخاصة الأنتروبولوجية والإتنولوجية

- التفاعلات المناخية، (التصحّر، التلوّث البيئي، شحّ الثروات الطبيعية..)

- الهجرات والنزوح الجماعي الطوعي والقسري (جماعات الحقائب الجاهزة للرحيل أو دياسبورا الهويات، التجنيس..)

- الوحدات والاتحادات القارّية (المواطنة في أوروبا ائتلاف هويات)

قانون التحوّل هو الموجّه الفعلي لمسار الهويات وصيرورتها ومآلاتها.

هنا تطرح إشكالية المرجع أو التمركز الذاتي بمعنى الإقفال على الذات.

إشكالية المرجع تثير إشكالية البعد في الهوية لجهة الأصول والروافد والمصبّات.

الهوية لا تقوم على أحادية البعد أو المكوّن بل على تعدّديته.

المرجع الأحادي المكوّن للهويّة (الدين مثلاً أو الإتنية أو اللغة أو الأرض) يوقعها في "الكليانية الجامدة أو القاصرة" وفي الراديكالية أو الجذرية النابذة لما يخالف طبيعتها فتقع في شرك العنصرية.

الهويات العنصرية لا تجدّد مرجعياتها.

العولمة في الزمن المعاصر توفّر للهوية مرجعيات متعددة تسعفها في تجديد مرجعياتها الذاتية.

* الهوية والعولمة

العولمة نظام متكامل أمني وسياسي واقتصادي وثقافي وقضائي، يتّسم بالشمولية ويستهدف السيطرة على هويات الشعوب ومحوها، بالأمن عبر الفتن والمحاصرة والحروب والفتن الداخلية، بالاقتصاد عبر الشركات المتعددة رأس المال وسياسات البنك الدولي، بالثقافة عبر مؤسسات التربية والإعلام ومراكز الإنتاج المعرفي والعلمي والتكتولوجي، بالقضاء عبر القوانين والمحاكم الدولية..

سياسات السيطرة وإجراءاتها تترك تداعياتها على الهويّة فإمّا أن تدفعها إلى التصلّب والمقاومة فتصنّف "هويات عاصية"، وإمّا أن تدفعها إلى الانصياع والتحلّل فتصنّف "هويات مندمجة".

من صياغات سياسات السيطرة أو استلاب الهوية ما يلي:

- هويّة أصبحت من الماضي خارج التاريخ أو في الجهة الخطأ من التاريخ.

- هوية تراثية متحفية لا تصلح للمستقبل ولا دور لها فيه.

- هوية قومية مريضة أو معتلّة أو طوباوية عاجزة عن الإسهام في البنيان الحضاري الإنساني والثقافة العالمية.

- هوية دينية أصولية متخلفة ومتوحّشة إرهابية.

- هوية لغة ميتة تجافي التطوّر العلمي والتكنولوجي وعاجزة عن استيعاب صياغاته.

- هوية تنتمي إلى صنف الهويات المأزومة بسبب الهزائم المتتالية.

هذه الصياغات تحاول إقناع الشعوب المستضعفة والمستغلّة بأنّ التخلّي عن هوياتهم هو الحلّ لكلّ مشاكلهم والمخرج لكلّ مآزقهم التاريخية واستعصاءاتهم الوجودية.

بالمقابل ثمّة من تستفزّهم هذه الصياغات فلا يجدون سوى ثقافة المقاومة حفاظاً على الهويّة وتشبّثاً بالخصوصية.

هويات الشعوب وخصوصياتها تصادم عالماً يتحوّل إلى كيان واحد. في الثقافة مثلاً بدأت تتشكّل ثقافة عالمية بفعل الثورة التكنولوجية في الاتصالات والمعلوماتية ما يطرح على الشعوب الصغيرة والمستضعفة والمستغلّة والمهمّشة سؤالاً وجودياً يحتمل إجابتين:

- إمّا الاندماج والتماهي في ثقافة العولمة، وهذا ما يضعف خصوصيات الهوية.

- إمّا القطيعة والمقاومة وهذا ما يفضي إلى قطيعة معرفية مع العالم ومنجزاته.

هذا والقطيعة في المبدأ غير ممكنة فالصوت والصورة يدخلان إلى حياة الشعوب عبر الفضاء المفتوح وينتهكان سيادتها على منظومة معارفها وقيمها وأخلاقياتها وانميازاتها السلوكية والمعيشية.

التحوّلات المتسارعة في عالم مترابط تضع الهويات في مواجهة الوافد إليها من خارج حدود الخصوصية ليجعل منها هويات مشدودة إلى شبكة معارف وقيم ومعتقدات وأذواق وأفكار تتحكّم بمسارها وتصنع مصيرها. لذلك نقول:

سيادة الشعوب على هوياتها أصبحت من الاستعصاءات التي فرضتها عليها العولمة بقوّة الاقتصاد الرأسمالي المتوحّش مدفوعة بقوّة العلم والتكنولوجيا وقوّة السلاح وقوّة الإعلام. وعليه،

هويات الشعوب لم تعد قادرة على رسم مصائرها بالانفراد عن الهويات الأخرى.

لقد تعمّق الوعي بوحدة العالم وعالمية الهوية الإنسانية.

عالمية الهوية تبطل مفاعيل الخصوصية وتفرض على الهويات قوانينها.

من تلك المفاعيل الانتماء الذي هو رباط ذهني ونفسي وجسدي وشعوري يشدّ الإنسان إلى خصوصية نموّه داخل هويّة ثقافية مميّزة.

عالمية الهويّة تكسر الوعي أو الشعور بالانتماء ما يدفع في اتّجاه البحث عن "الهويات المصطنعة".

* الهويّة والبحث عن "الهويات المصطنعة"

البحث عن "الهويات المصطنعة" يبدأ بالتخلّي عن "اللغة الأم" فمصير الهويات من مصير لغاتها، فاللغة مكوّن أساس من مكوّنات الهويّة، واللغة الأم عامل تكويني في شخصية الفرد والجماعة. أمّا اللغات الأجنبية فعامل تمكيني للهويّة فهي تضاعف من مكنتها التواصلية بهدف إغنائها. ولكنّها، بالمقابل، قد تتحوّل من لغة تواصل وإغناء إلى لغة سيطرة وإفناء أي إفراغ الهوية من أهمّ خصوصياتها، تحديداً الخصوصية التعبيرية.

الولايات المتّحدة الأميركية سيطرت على الإعلام العالمي باللغة فنشرت ثقافة القيم الأميركية وأفرغت العديد من هويات الشعوب من خصوصية التعبير.

الثورة المعلوماتية حوّلت اللغة الإنكليزية إلى لغة عالمية إعلامية وإعلانية ومكّنتها من صياغة وعي الشعوب وحسّها ومزاجها وفق أنماطها التعبيرية صياغة أدخلتها في هويات ليست لها.

للهويات مضامين مادية عمرانية وأخرى معنوية ثقافية. اللغة الأم هي خطّ الدفاع الأوّل عن المضامين المعنوية في صراع الهويات.

هذا الصراع يؤدي إلى انهزام هوية وانتصار أخرى. والهوية المنهزمة تكون تلك التي انهزمت لغتها معرفياً وعلمياً وتكنولوجياً وقاربت حدود تصنيفها بين اللغات الميتة..

اللغة الميتة في الحقول المعرفية والعلمية والتكنولوجية دليل انعدام الحيوية في الهويّة. انهزام اللغة مؤشّر انهزام الهوية بمضامينها المعنوية ما يحدو أبناءها على التماهي مع هويات المنتصرين.

لذلك نقول: بين اللغة الأمّ والهوية ما هو تكويني/ عضوي أو كياني وجودي. حين تعجز اللغة الأم عن تأكيد حضورها في مجالات الإبداع والتطوير كافة عندها يتمّ استحضار هويّة الآخر بمنجزاتها وآليات سيطرتها فتصاب الهويّة الأصلية بالانفصام.

* الهويّة والانفصام الثقافي

الانفصام الثقافي مرض يصيب الهويات التي تمرّ في مأزق الانشداد أو الخصومة بين الخصوصية الثقافية (الأصالة) والاغتيار الثقافي (إيثار ثقافة الغير والتماهي معه) أو الاستلاب الثقافي.

هذا الانشداد بين أصالة الهويّة واغتيارها له تداعيات على النظر إلى الذات (إنكار وتبخيس) وإلى الغير (اعتراف وتثمين) والعكس صحيح ما يعني أنّ الانفصام الثقافي يعمل في اتجاهين متعاكسين:

- التغوّر في الأصول شأن الهويات السلفية (تثمين الذات وتبخيس الآخر)

- الإيغال في التغرّب عن الذات شأن الهويات المستتبعة (تثمين الآخر وتبخيس الذات)

وهذا ما يقود حتماً إمّا إلى مواجهة أو مساكنة غير متكافئة بين هويتين في هوية واحدة لا تلتقيان في المنظومات المعرفية والقيمة والسلوكية أو ليستا منها على سويّة واحدة ما ينعكس سلباً على نمّو الهويّة نموّاً سويّاً في مسار التجدّد الحضاري الذاتي الذي يخضع لجدلية الاكتساب والتخلّي أو جدلية التحدّي والاستجابة.

* الهوية والتجدّد الحضاري

التجدّد من الحتميات المادية والمعنوية التي تتحكّم بالهويات في مسارها التاريخي، فالهوية حالة تاريخية متحوّلة في منظوماتنها الفكرية والقيمية والسلوكية لأنّها محكومة بقاعدة التحدّي والاستجابة.

المنجزات الحضارية الجديدة تطرح عليها تحديات جديدة من خارج مألوفها التاريخي ومن خارج منظوماتها الموروثة وتفرض عليها استجابات تفاعلية تخرجها من الثابت إلى المتحوّل.

- التفاعل الإيجابي يسهم في تجدّدها الحضاري، أمّا السلبي فيبقيها أسيرة مآويها البدائية وهي تعاني عسف الإكراهات التي تمارسها عليها سلطات القهر التاريخي ومنها التعلّق الأبدي بالأسطورة الأولى (الأصل التكويني للهوية) التي كثيراً ما تكون فكرة أو عقيدة هلامية تلازمها وتنأى بها عن محطات التحوّل في الزمان وفي المكان.

- التفاعل الإيجابي يعزّز وظائف العقل الحرّ الفاعلة في القضايا الفكرية أو العقدية أو القيمية كافة خصوصاً في قضايا الفكر الديني والسياسي والاجتماعي.

حركات التجدّد الديني، مثلاً، ينتجها عقل حرّ متنوّر. مثالنا إليها حركة الإصلاح الديني المسيحي في أوروبا عصر الأنوار وحركة الإصلاح الديني الإسلامي في عصر النهضة العربية.

- التفاعل الإيجابي مع المنجز الحضاري الجديد في زمن التواصل بين الشعوب خصوصاً في مستوى النخب الفكرية والعلمية يعمّق الأساس المعرفي بالذات وبالآخر ويقوّي العلاقة بين الهويات يبلور متحرّكة للتاريخ، وفي سياقه، بالطبع، تاريخ الهويّة..

إنّ منطق السير مع التاريخ المتحوّل أقوى من منطق التعلّق بالثابت في التاريخ (وهو ثابت وهمي غير واقعي ومنطق التعلّق به هو منطق الهويات المنفصمة أو الملتبسة أو البائدة) وهو منطق يفرض مواجهة مع "الهويات العاصية على التحوّل".

مواجهة "الهويات المتجمّدة" بمنطق السير مع التاريخ المتحوّل من أشدّ المواجهات الحضارية المتّصفة بأخلاقيات الواجب المعرفي لأنّها تؤسّس لمعرفتها وانكشافها بعد تفكيك المتجمّد فيها وإبراز لا تاريخانيته ولا واقعيته وانعدام فاعليته.

إنّ تفكيك الهويّة شرط رئيس، شرط ضرورة، لتجدّدها الحضاري.

"المقدّس" في الهويّة من أشدّ "مقدّساتها" تعقيداً وصعوبة في عمليات تفكيكها. فالمقدّس موروث إلهي محتجز في دائرة اللاّمفكّر فيه (Impense).

هذا المقدّس الديني، في مثل هذه الحال، يتحوّل إلى "مقدّس وثني" (Idolatrie) إلى قوّة إكراه واحتجاز الهويّة وخنقها في حدود المغلق على أيّ تجدّد حضاري لا بل يقيم بينها والحضارة عداوة مطلقة فتعتريها شهوة التدمير(داعش وتدمير الحضارة في العراق وسوريا، وقبل داعش طالبان وتدمير تماثيل بوذا في أفغانستان)

أعداء الحضارة أعداء "الآخر المختلف" وأعداء أنفسهم (هويتهم) في آن. فالهوية صيرورة متواصلة، حالة متحوّلة مفتوحة على الآتي وهي تحمل في جريانها التاريخي الاستعداد الدائم للتصالح والتفاعل مع "الكوني" (Cosmique) لذلك نقول:

الهوية تتجدّد حضارياً بفعل خارجي ومن داخل بنيتها أساساً. التفاعل مع "الكوني" يسهم في إحداث تحوّلات الهويّة أمّا الأساس فهو التحوّل من داخل البنية الذاتية، من داخل خصوصيات الهويّة.

ديناميات التحوّل كامنة في البنية الذاتية وهي تتحرّك وتنشط على قاعدة "التحدّي والاستجابة" التي يثبّتها، في كلّ لحظة وفي كلّ ميدان، التطوّر الحضاري. لا تنمية حضارية للهويات ما لم تتفاعل مع الجانب النافع من هذا التطوّر (عادة ما يكون الجانب الإنساني والعلمي والتكنولوجي) مشفوعاً بالتفاعل مع الجانب النافع من إرثها التاريخي ما يؤمّن التجدّد مع الاحتفاظ بالخصوصية.

عدم إنكار الذات شرط لازم للتجدّد الحضاري. التثاقف (Acculturation) أمر ضروري لتنمية الهوية حضارياً (هنا يكون الاتّجاه صوب الخارج Extrinseque) يقابله "التأصيل" أو وعي الذات بالعودة إلى مكوّناتها الأصلية (هنا يكون الاتّجاه صوب الداخل Intrinseque) وهذا ما يعرف بالاستبطان المعرفي (Introspection) أو الاستكناة (Exploration) أي معرفة كنه الشيء أو جوهره وهو أمر ضروري كذلك لتنمية الهوية حضارياً.

التجدّد الحضاري إذاً يبدأ بمعرفة جوهر التراث الخاص بهوية ما.. نعني بتراث الهوية حقولها المعرفية وأنماطها السلوكية، أي إنتاجها الفكري وإنتاجها المادي. فالثقافة منظومة معرفية قوامها العلم والدين والاجتماع والاقتصاد والأخلاق والقيم والآداب والفنون واللغة والفلسفة والأمثال والأساطير... وهي كذلك، في المفهوم الأنتروبولوجي والسوسيولوجي وربّما البيولوجي، ظاهرة حياة قوامها العادات والتقاليد والطقوس والعبادات والفولكلور والأعياد والمواسم والمآكل والمشارب والأزياء...

معرفة الإنتاج الفكري والإنتاج المادي تستتبع بالضرورة إجراء مصالحة تاريخية بين الهوية والتراث شرطاً لازماً لتجدّدها الحضاري وإلاّ نهشتها ثقافة الاستلاب والتهميش (Alienation, Marginalisation)

من تداعيات المصالحة التاريخية بين الهوية والتراث تطوير الجوهر الثابت بالاجتهاد على الأصل وإعادة تكوين البنية بعد تفكيكها.. وعليه،

إعادة تكوين الوعي بالهوية بدءً بعدم إنكارها شرط بديهي لتجدّدها الحضاري.

متعلقات
انشر عبر