Menu
حضارة

معضلة الجامعات العربية

تعبيرية

د.إدريس لكريني

تشير التقارير والمعطيات الإحصائية إلى عدد من الاختلالات التي تعتري المنظومة التعليمية في مختلف البلدان العربية، سواء تعلق الأمر منها بالمناهج والمضامين أو المخرجات، وهو ما تعكسه وتترجمه المراتب المتدنية لعدد من الجامعات في المنطقة ضمن التصنيفات الدولية ذات الصلة. 

تبرز التجارب الدّولية الرائدة أن تقدّم الأمم يقوم في جزء أساسي منه على امتلاك المعرفة والعلم، واستحضارهما في صناعة القرارات الاستراتيجية بما يدعم عقلنتها، وإيلاء الاهتمام للمؤسسات التعليمية ومراكز البحث العلمي وجعلها في صلب الأولويات عبر توفير الإمكانات والتشريعات والبنيات اللازمة في هذا الخصوص.

وتتزايد أهمية العلم والمعرفة في عالم اليوم بإشكالاته وتحدياته الكبرى العابرة للحدود، فالعلم هو مدخل ناجع وفعّال لمواجهة الأزمات والمخاطر في أبعادها الاجتماعية والأمنية والبيئية والاقتصادية، وفق أساليب عقلانية واستراتيجية.

ولا تقاس أهمية التعليم بحجم الإمكانات المالية والتقنية المرصودة له من كلا القطاعين، العام والخاص فقط، بل تتصل هذه الأهمية أيضاً بمخرجات المؤسسات التعليمية، وبمواكبتها للتحولات والإشكالات المجتمعية، وجودتها من جهة، وانفتاح صانعي القرار على ما تقدمه هذه المؤسسات من إسهامات واختراعات ونقاشات بنّاءة.

ويحتل الأستاذ الجامعي موقعاً متميزاً ضمن بقية مكونات الجامعة الأخرى (الطالب والإدارة والمادة والمنهج العلميين)، وضمن العملية التعليمية بشكل عام؛ فهو المعلم، والمؤطر، والمربي، والباحث المنتج، والمواكب لتحولات المجتمع، والمساهم في تنويره وتنشئته. ولا تخفى أهمية إسهاماته في الخصوص، على مستوى دعم وتجويد المخرجات التعليمية، وكسب رهاناتها في عالم متغير.

إن استئثار الأستاذ بمكانة لائقة داخل المنظومة التعليمية، وضمن محيطه المجتمعي، يتوقّف على توافر شروط ومقومات ذاتية، وأخرى موضوعية. فالأولى تحيل إلى الكفاءة العلمية، وتحمّل المسؤولية في التأطير والبحث والتحلّي بأخلاقيات البحث العلمي؛ بما تحيل إليه من موضوعية، وتواضع، وترسيخ للعمل الجماعي، ولحرية الفكر والتعبير؛ واحترام شروط الأمانة العلمية.. والثانية؛ تتعلق بتوفير البنى التحتية والتشريعات والإمكانات والشروط اللازمة للعمل بشكل سليم وبنّاء، وبما يدعم استقلالية الجامعات ومقوّمات الحرّية الأكاديمية العلمية والفضاء العام المحفز على الاجتهاد والإبداع. 

وفي هذا السياق، شاركت أخيراً إلى جانب عدد من الباحثين والمفكرين من تونس والمغرب والجزائر وليبيا، في الملتقى المغاربي الثالث الذي نظمته جمعية البحوث والدراسات المغاربية في تونس، حول راهن جودة الأداء التدريسي للمدرّس في البلدان المغاربية، وإمكانات التطوير.

وسعى المشاركون في هذا اللقاء العلمي إلى رصد واقع الأداء التدريسي للمعلّم والأستاذ الجامعي بمؤسسات التعليم المغاربية المختلفة، ومحاولة طرح معايير مرجعية على مستوى تقويم جودة مهارات التدريس ضمن نظم التعليم في المنطقة، وتسليط الضوء على واقع الأستاذ الجامعي من حيث علاقاته بالهيئات العلمية والبحثية في دول المنطقة، وتقييم أدائه في مختلف الأقطار المغاربية في ضوء التجارب المقارنة من حيث الإنتاج المعرفي، والتأطير العلمي، ومدى استخدامه للتكنولوجيا الحديثة في مهامه التأطيرية والبحثية، وطرح مجموعة من الخلاصات والتوصيات الكفيلة بإعادة الاعتبار إلى الأستاذ، وإلى قطاع التعليم بشكل عام، وتعزيز الجودة في هذا الفضاء التعليمي والتربوي، بما يعزّز من فرص الانفتاح على المحيط المجتمعي، ويسهم في حلّ عدد من الإشكالات والمعضلات في أبعادها ومظاهرها المختلفة.

وأتاح الملتقى طرح العديد من التجارب التعليمية المغاربية في الأقسام الأساسية والجامعية، كما مكّن من الوقوف على كثير من الإشكالات التي تؤثر بالسلب في أداء الأستاذ، وفي جودة العملية التعليمية برمّتها، في ارتباط ذلك بالمناهج المتجاوزة والمضامين التي تظلّ بحاجة إلى تعميق ومواكبة لتحولات المحيطين الداخلي والدولي، وضعف الإمكانات البحثية المتاحة.

ونوّه المشاركون أيضاً بأن كسب رهان الجودة يتطلب توفير الشروط الموضوعية اللازمة، إضافة إلى انخراط الباحثين أنفسهم بصورة جدّية في هذا الطريق. واعتبر الباحثون والخبراء أن تقدم تكنولوجيا الحديثة في الوقت الراهن، يوفّر فرصاً حقيقية لتطوير المنظومة التعليمية على شتى المستويات، وهو ما تؤكده الكثير من التجارب الدولية الرائدة في هذا الصدد، منوهين بأن التعليم عن بعد أضحى أحد التقنيات والخيارات الداعمة للجودة في العملية التعليمية، وحوكمتها، فعلاوة على ما يتيحه الأمر من ترشيد تجاوز لعدد من الصعوبات والإكراهات الناتجة عن ضعف الإمكانات ووجود اكتظاظ في أوساط الطلاب بسبب نقص البنيات التحتية والطاقم التأطيري، فهو أصبح معياراً أساسياً لتقدم وانفتاح المنظومة التعليمية، ومقياساً لدرجة تطورها وجودة مخرجاتها..

وعلى امتداد يومين من المداخلات والنقاشات المستفيضة، تم طرح عدد مهم من التوصيات، فعلى مستوى التواصل والنشر، تمّت الدعوة إلى وضع قاعدة بيانات للطاقات والكفاءات العلميّة المغاربيّة، تسهّل التّواصل وتبادل الخبرات، وإحداث لجنة تؤسّس لمجمع لغوي علمي مشترك لتوحيد المصطلحات والمعايير، مع ضرورة إيلاء الاهتمام للتّعليم عن بُعد كسبيل لتطوير المنظومة التّعليميّة.

أما في ما يتعلق بمهام مراكز البحث، فقد أكد المشاركون على أهمية توحيد المناهج التعليمية داخل الدول المغاربيّة، ولو نسبيّا، في مراحل التّعليم الأساسي.

وعلى المستوى الإجرائي، تمت الدعوة إلى إحداث رابطة مغاربية للأساتذة الجامعيين، مع التأكيد على أهمية تنظيم ملتقيات تعنى بقضايا المنطقة داخل مختلف الجامعات المغاربية، بما يعزّز التعاون والتنسيق العلميين خدمة لشعوب المنطقة.