Menu
حضارة

مراجعة استراتيجيات الحركة الوطنية الفلسطينية.. أين أخطأنا؟

كايد الغول

كايد الغول

تنشر بوابة الهدف ورقة مقدمة إلى المؤتمر السنوي لمركز الأبحاث الفلسطيني (2018)، الذي عقد في رام الله، بتاريخ 21 – 22 آذار 2018، بعنوان:"مراجعة استراتيجيات الحركة الوطنية الفلسطينية أين أخطأنا؟"، والتي أعدها الأستاذ كايد الغول، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بتاريخ: 15/7/2015، بناء على طلب المركز في حينه.

تكمن أهمية الورقة في أنها تأتي بروحية نقدية للأخطاء والإخفاقات التي وقعت فيها الحركة الوطنية الفلسطينية، وعليه قد تضع أمام المهتمين في الشأن الفلسطيني، مقدمات أساسية للبناء عليها في نقد الحالة الفلسطينية، وتفتح الأبواب لمراجعة وطنية حقيقية، على قاعدة الخروج من الأزمة الوطنية الشاملة، بما يصحح الوضع الفلسطيني، ويؤهلنا لإدارة صحيحة لأوضاعنا الداخلية من جهة، وللصراع مع العدو الصهيوني من جهة أخرى).

"مراجعة استراتيجيات الحركة الوطنية الفلسطينية أين أخطأنا" - بقلم: كايد الغول

الأخطاء الإستراتيجية

1. تناقض الحركة الوطنية الفلسطينية وفكرها بين الرفض المطلق للمشروع الصهيوني، وبين السعي للتعاون مع بريطانيا راعية المشروع وصاحبة "وعد بلفور". وقد تجسد ذلك في محاولة إقناع بريطانيا آنذاك بأن مصالحها تتحقق من خلال تعاون العرب معها وليس اليهود. وقد انطوى هذا على منهج في الفكر والممارسة أدى إلى تبديد الوقت والقوى في ما لا طائل فيه.

 لقد أعاد التاريخ نفسه مجدداً في تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في العصر الحديث من خلال الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية لتحقيق "تسوية عادلة" تنهي "الصراع" الفلسطيني – الإسرائيلي بما يستجيب للمصالح والآمال والأهداف الفلسطينية في حدها الأدنى، حيث ثبت خطأ ذلك قديماً وحديثاً. يعود ذلك في جزء كبير منه، إلى غياب الرؤية الشاملة والمتكاملة للصراع مع الكيان الصهيوني باعتباره تجسيداً لغزوة استعمارية وظيفتها تهديد كياننا الوطني والقومي، تؤكده الوقائع منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا ويجد الإسناد والدعم المطلق من القوى الاستعمارية والرأسمالية راهنًا، والتي ولا تزال تلعب ذات الدور. 

2. ارتباط الحركة الوطنية الفلسطينية في ظل الانتداب بالزعامات ومكانتهم الاجتماعية، وبالتالي عجزها عن إدراك أهمية وجود صيغة تمثيلية موحدة تدير الصراع مع المشروع الصهيوني، وتتصدى لتمثيل البلاد بأسرها، بعربها ويهودها، الذين أقرت لهم في حينه بحق المواطنة الفلسطينية، فضلاً عمّا تضمنته الأدبيات السياسية من تأكيد على المساواة بين هؤلاء اليهود وبين العرب في الحقوق والواجبات: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا".

3. قصور الوعي عن إدراك أهمية عقد تحالفات مع التيارات اليهودية المناوئة للصهيونية خارج البلاد أو الماضية في مسارات لا يجمعها جامع بالمشروع الصهيوني. لقد ثبت القصور الكبير والفكر المغلق، خاصة حين انسحب الأمر على التحالفات اللازمة مع القوى الديمقراطية التي تعارض الصهيونية مثال: الحركة الشيوعية العالمية والاتحاد السوفيتي، وهذا يمكن سحبه على التجربة الفلسطينية الحديثة من زاوية أنها لم تحدد معسكري الأعداء والأصدقاء ارتباطاً بطبيعة المشروع الصهيوني وبناء التحالفات على هذا الأساس.

4. عدم سعي الحركة الوطنية الفلسطينية بعد عام 1948م، إلى تأكيد سيادتها على المناطق التي لم تحتل في حينه، وبناء الكيان الفلسطيني الخاص وتركيز دعائمه، والرضوخ لمطالب الدول العربية وصولاً لتأكيده في الميثاق القومي الفلسطيني بالنص: أن منظمة التحرير الفلسطينية "لا تمارس أية سيادة إقليمية على الضفة الغربية في المملكة الأردنية الهاشمية وقطاع غزة ولا الحمة". لذلك لم تكن حكومة عموم فلسطين سوى حكومة شكلية، وعبرت عن استمرار للعقلية والذهنية التي قادت الحركة الوطنية قبل النكبة/الهزيمة. ولذلك لم تعمر طويلاً ولم تترك أثراً يذكر.

5. عدم الربط بين الوطني والقومي بشكلٍ محكم في إطار الصراع مع الكيان الصهيوني الذي هو بالأساس صراع عربي – صهيوني، حيث طغى البعد القومي على الوطني منذ خمسينيات القرن المنصرم وصولاً لهزيمة 1967م، فيما طغى البعد الوطني بعد ذلك التاريخ تحت شعارات "يا وحدنا" و"القرار الوطني المستقل" الذي حرر الأنظمة العربية من مسؤولياتها في الصراع، وحمّل الفلسطينيين مسؤولية النتائج التي وصلت إليها القضية الوطنية، فضلاً عن أن هذا الشعار لم تكن هناك رغبة أو قدرة على تجسيده في إطار العلاقات بالنظام الرسمي العربي والامبريالي العالمي وفي مقدمته الولايات المتحدة الأمريكية، بل أصبح هناك مراعاة إن لم يكن تغليب أكثر مما يجب لمواقف هذه الأطراف عند اتخاذ المواقف أو المبادرات السياسية.

6. عدم القدرة على بناء علاقات مشتركة وبناء تحالفات وثيقة مع القوى والأحزاب الشعبية العربية، فيما قبل أعوام التسعينيات من القرن المنصرم، بل ومصادرة دورها إلى حدٍ كبير في البلدان التي تواجدت بها الثورة، وتركيز العلاقات بالأغلب مع الأنظمة الرسمية العربية، ولعل في تجربتي الأردن ولبنان نموذج واضح على ذلك.

7. تغليب التكتيكي على الاستراتيجي بحيث أضحى الأول هو المحدد للسياسة اليومية، وللمشروع السياسي بشكلٍ عام، وهو ما قاد إلى إضعاف أو ضرب الفكرة التوحيدية التي يُجمع عليها الفلسطينيين (الهدف الاستراتيجي بتحرير فلسطين)، واستبداله/ها بالهدف التكتيكي "المرحلي"، الدولة وتقرير المصير، وصولاً إلى توقيع اتفاق "إعلان المبادئ" أوسلو، وبدلاً من أن يكون الهدف المرحلي سبيلاً للوصول إلى الهدف الاستراتيجي، تحوّل الهدف المرحلي إلى  ميدان للمساومة على مكوناته، بحيث بات الجهد الدولي يركّز على الدولة الفلسطينية المقيّدة بالشروط الإسرائيلية والأمريكية دون غيرها كتجسيد للحقوق الفلسطينية كافة، وبدأت تطرح صيغ تبديد حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وفق القرار 194 .

مقابل هذا المسعى لتفكيك الهدف المرحلي الفلسطيني، تمسّك الكيان الصهيوني بتأكيد كل ما هو استراتيجي في مشروعه سواء كان ذلك بالمواقف والتصريحات، أو في ممارساته الميدانية من خلال توسيع الاستيطان، وتهويد القدس ، ورفض الانسحاب وحق العودة، وأي شكل من أشكال السيادة الفلسطينية، وسن القوانين والتشريعات التي تُشرّع ذلك، فضلاً عن الإصرار على الاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة.

هذا الموقف والسلوك الإسرائيلي، كان ولا يزال يفرض على الفلسطينيين مواجهته باستحضار حقوقهم التاريخية وطرحها على طاولة البحث، وعدم قبول أي مساومة على مكونات الهدف المرحلي بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وطرح بديل الدولة الديمقراطية على كامل فلسطين في حال انغلاق أفق إقامة الدولة الفلسطينية على كامل الأراضي المحتلة عام 1967م بما فيها القدس، وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم.

8. الخطأ التاريخي الأكبر هو توقيع اتفاق أوسلو، الذي أسس لضرب مرتكزات وأسس الصراع مع العدو الصهيوني التي عبرت عنها منظمة التحرير الفلسطينية، وفتح الباب واسعاً لتطبيع العلاقات الاسرائيلية مع بعض الأنظمة العربية، وأدخل الحركة الوطنية الفلسطينية في مأزق عميق من خلال الاعتراف بشرعية ووجود الكيان الصهيوني في فلسطين دون اعترافها بحقوقنا الوطنية أو ضمان تحقيقها في الحل النهائي، والنص على أن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م هي أراضٍ متنازع عليها، مما مكّن الكيان الصهيوني بأن يكون الطرف المقرر عملياً في حسم تبعيتها لمصلحته من خلال الاستيطان، وتهويد القدس، وجدار الفصل  العنصري، والإجراءات الأمنية وشق الطرق وغيرها من الإجراءات التي مكنته من الاستيلاء على الأرض، والعمل على تمزيق وحدة الشعب والأرض.

ومن جانب آخر فإن الاتفاق عكس بما تضمنه خطأ وخطورة دخول مساومات سياسية في ظل اختلال ميزان القوى وبشكلٍ كبير لصالح العدو، وفي ظل تمسكه بأهدافه المعلنة والصريحة التي لم يتوقف عن تردادها بأن حل الصراع مع الفلسطينيين لن يكون إلاّ من خلال حكم إداري ذاتي، وهو ما سبق أن تمسك به ووثقه في اتفاقيات كامب ديفيد الموقع مع جمهورية مصر العربية.

9. عدم إعلان تجسيد الدولة الفلسطينية بعد انقضاء الفترة الانتقالية لاتفاقيات أوسلو، أضاع فرصة الخروج من براثنها وتصويب الوضع من خلال فرض معادلة جديدة، أو من خلال العمل على عملية سياسية بديلة تدعو إلى عقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات بمرجعية الأمم المتحدة هدفه إقرار آليات تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بحقوق الشعب الفلسطيني.

10. عدم وعي أن الصراع مع العدو الصهيوني يكتسي طابعاً موضوعياً وتاريخياً شاملاً، حيث أنه واجهنا ولا يزال بطاقة "المجتمع الصهيوني" كاملة، ومرتكزه الأساسي في ذلك نفي وجود الشعب الفلسطيني، وتصفية حقوقه التاريخية والوطنية، مما كان يقتضي أن تكون المواجهة معه من قبلنا شاملة ومجتمعية، لكن الممارسة السياسية الفلسطينية أدت إلى انفصال/انفصام بين المجتمع السياسي وبين جماهيرها/مجتمعها/شعبها، وهذا ما يمكن لحظه في تغييب دور التجمعات الفلسطينية في الشتات، وفي التعامل الاستخدامي مع الأطر التمثيلية لقطاعات الشعب الفلسطيني وعدم استثمار الطاقات الكامنة لدى شعبنا.

11. عدم الربط الواضح والدقيق بين مهمات التحرر الوطني ومهمات التحرر الاجتماعي والديمقراطي، بما يوظف ويحشد طاقات وإمكانات الشعب الفلسطيني الظاهرة منها والكامنة في الصراع مع العدو الصهيوني، بل على العكس من ذلك، فإن سياق التجربة يقول بأننا أهدرنا طاقات وأضعنا إمكانات أفقدتنا الكثير من نقاط ومكونات القوة في مواجهة الوجود الصهيوني وأطماعه التوسعية.

12. عدم الإقدام على مراجعات جدية وشاملة للمحطات المفصلية التي تعرضت لها الحركة الوطنية الفلسطينية، على امتداد تجربتها المديدة، وهذا في المضمون يؤكد غياب استراتيجيات العمل الواضحة والمتماسكة من جهة، وغياب مفاهيم وقيم وثقافة الديمقراطية عن تنظيمات ومؤسسات الحركة الوطنية الفلسطينية وحضور آلياتها الشكلية "الانتخابية" البحتة من جهة أخرى، وهذا بدوره أضاع فرص المراجعة الحقيقية والتقييم الموضوعي والتجديد النوعي والاستمرار على ذات الأهداف الإستراتيجية لنضالنا الوطني.

13. عدم القدرة على الفرز بين متطلبات الثورة وبين متطلبات المؤسسة السياسية، وفي سياق ذلك عدم القدرة على خلق مؤسسات وطنية جامعة بمفهوم الجبهة الوطنية بمضمونها الديمقراطي الذي تستوجبه مرحلة التحرر الوطني تتوفر لها وفيها القيادة الجماعية والعمل الجماعي..الخ، وتجربة منظمة التحرير الفلسطينية بمظهرها العام لم تعكس هذه الضرورة رغم الحديث عن كونها جبهة وطنية، حيث سادت في الغالب رؤية قاصرة في التعامل معها، تنطلق من كون التنظيم الأكبر (المهيمن) له الحق للتفرد بها والهيمنة والاستئثار بمؤسساتها وتوظيفها في خدمة أجندته وسياساته، ولا يلغي من هذه الحقيقة بمحصلتها العامة الوجود التمثيلي للقوى في مؤسسات المنظمة، ولا الحوارات والنقاشات التي كانت تسعى للوصول إلى مواقف مشتركة في بعض المحطات، وأعتقد أن ما آلت إليه أوضاع المنظمة خير دليل على ذلك.

14. عدم القدرة على صهر تجمعات الشعب الفلسطيني المختلفة ( سوريا ولبنان والأردن وفلسطين 48 والضفة وغزة..الخ) في العملية النضالية بحسب واقع وظروف كل تجمع وقدرته في المساهمة في هذه العملية، بحيث باتت معظم تلك التجمعات خارج  العملية النضالية بالمعنى الفعلي، خاصة بعد تشكّل السلطة الفلسطينية وتراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية، وعدم متابعة احتياجات هذه التجمعات، فضلاً عن غياب الهدف الوطني الجامع والشعور بأن العملية السياسية الجارية ستؤدي إلى تصفية حقهم بالعودة إلى ديارهم.

15. التعامل القاصر والعاجز مع مفهوم وأشكال ووسائل النضال، وصولاً لاختصارها في شكل واحد (الكفاح المسلح) فقط في مراحل عديدة، والانتقال إلى النقيض (المفاوضات) كخيار وحيد، وعدم القدرة على التوظيف الأمثل لمختلف أشكال ووسائل النضال الأيديولوجية والثقافية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والنقابية والعسكرية... الخ، وجعل الصراع مع العدو الصهيوني في كل زاوية من زوايا ذلك الصراع.

16. السماح للانقسام بالاستمرار كل هذه السنوات التي قادت إلى مأسسته، وعدم معالجته انطلاقاً من تأثيراته المدمرة على القضية الوطنية وحقوق شعبنا، وهو ما كان يتطلب معالجة بعيدة عن الصراع على السلطة، وعن "التعامل الإداري" مع هذا الملف.

ومن الواضح أن النتائج الخطيرة التي تتولّد عن استمرار هذه الحالة هو ما بدأ يطفو على السطح من نشاطات وتحركات هدفها تحقيق مشروع الفصل التام بين الضفة والقطاع، وتحويل غزة إلى كيان ما يتم فيه ومن خلاله حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بكل جوانبه، ومعالجة وضع الضفة بحكم إداري ذاتي أو تقاسم وظيفي.