على مدار الساعة
أخبار » منشورات

الأرض في العقل الإستعماري: بين المجال الحيوي والوعد الإلهي

31 نيسان / مارس 2018
Sharpshooter-22mm-uncropped
Sharpshooter-22mm-uncropped

بوابة الهدف/ أحمد.م.جابر

لطالما كانت الأرض هي جوهر الاستعمار، والاستيلاء عليها هو نتاج مباشر لعقلية الغزو والاستحواذ والرغبة المتنامية في توفير موارد جديدة ومجال حيوي جديد. والاستيلاء على أرض الآخرين أخذ عبر التاريخ صورا متعددة، الغزو من أجل التوسع وزيادة حيازة الممالك والإمبراطوريات لتثبيت هيمنتها وانتزاع الاعتراف بقوتها وجبروتها، أو الغزو الوقائي بحجة ممنع العدو من التمركز في الأرض وإنشاء مراكز قوة مضادة، أو الغزو من أجل الموارد والنهب ومراكمة الثروة، وهنا يأتي الحق المقدس، أو الوعد الإلهي كتبرير حاضر دوما في عمليات الغزو والنهب.

يترافق هذا مع تحقير أصحاب الأرض الأصليين، فهم غير جديرين بالمنحة الإلهية، أو هم قاصرون عن التعامل معها أو استثمارها أو ببساطة أكثر إنهم ليسوا أكثر من حيوانات تعتاش على الأرض المقدسة التي لا يمنحها الله إلا لعباده المفضلين، وهل للحيوان أي حقوق ملكية؟!

انعكست هذه العرقية كغطاء للغزو الاستعماري في السياسات العامة للقوى الغازية منذ عصر الفتوحات وحتى اليوم، والتي توجت طبعا بالغزو الصهيوني لفلسطين والاستيلاء عليها بحجج مركبة مما سبق جميعه: فهي "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" وهي أيضا "وعد الرب لشعبه المختار" وهي نعمة أكبر من أن يستحقها العرب المتخلفون، كما قالت الدعاية الصهيونية ومؤيدتها الغربية البيضاء على مر السنيين.

تاريخ طويل

لم تكن الحجة الصهيونية وحيدة عصرها أو اختراع مارق، فالموقف الأمريكي تجاه هاييتي مثلا كان لا يقل عرقية في عهد ويلسون الذي وصف وزير خارجيته وليام فيليبس شعبها بأنه ذو منزلة متدنية، وذلك في معرض مذكرة لتشجيع الغزو العسكري للبلد، وقد تبنى ويلسون هذه السياسة كما هو معروف [1].

و الصراع من أجل البقاء حاضر دائما في مقولات المستعمرين حيث يكتب كالب كار carr[2] كتابا عن انتفاضة الهنود السيوكس Sioux في مينسوتا عام 1862 مؤكدا أن المواجهة في مينسوتا كانت حربا شاملة بين أمتين متنازعتين على السيطرة على منطقة كانت كلتاهما مستعدة للموت في سبيلها. «بالنسبة لإحداهما كان الاستيطان أملا أخيراً، فقد كانوا لا يخاطرون بأموالهم فحسب بل بأرواحهم ذاتها، من أجل إقامة حياة جديدة في بلد بكر، أما بالنسبة للسكان الأصليين، ففي البداية على الأقل كانت شروط الصراع أقل مصيرية، بوسعهم - بعد كل حساب - أن يرحلوا إلى الغرب قليلاً!!»

إن استعداد المستوطنين للموت في سبيل الأراضي المنتزعة هو جوهر الإلغاء، هنا يتقمص الغازي عقيدة فاسدة تتحدث عن « أرض بكر» جوهرها (إما نحن أو هم) وطبعا سيزيد احتدام هذه المعادلة أن السكان الأصليين لن يتخلوا عن حقهم الشرعي في أرضهم بسهولة الحل إذن في إبادتهم، يذكرنا هذا بمقولة الإحلال الصهيونية بوجهها القبيح فالحرب حرب وجود، على أرض يتنازعها (اليهود) مع (العرب) وهي (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) وبمقال المستعمر الغازي هناك إمكانية دائما لهؤلاء "البدو" في الرحيل إلى الشرق قليلاً،  لأن العرب يملكون الكثير من الأرض، ليستوعبوا الفلسطينيين عندهم إذن، و كما أن الغرب لا نهائي وسيتمدد باستمرار ويدفع الضحايا إلى البحر والموت كذلك سيكون دائما لدى العرب المزيد من الأرض شرقا ليحصل اليهود على بعضها.

يقول نعوم تشومسكي [3] مستندا إلى كلمات كار، « يمكن أن نتصور لو أن النازيين انتصروا في الحرب الأوربية إذن لربما كان مؤرخ ألماني متأخر ليكتب أن المواجهة بين الألمان والسلاف على الجبهة الشرقية لم تكن مرتبطة بأفكار ذات شأن، مع أنه من أجل الظهور بمظهر متوازن يمكن أن يتذكر أنها كانت حربا شاملة بين أمتين تتنازعان السيطرة على منطقة كانت كلتاهما مستعدتين للموت في سبيلهن أما السلاف فكانت شروط الصراع أقل مصيرية بالنسبة لهم مقارنة مع الألمان الذين كانوا بأمس الحاجة لمجال حيوي، وكانوا لا يخاطرون بأموالهم فحسب بل بأرواحهم ذاتها بأمل إقامة حياة جديدة في بلد بكر، فقد كان بوسع السلاف بعد كل حساب أن يرحلوا إلى سيبيريا». ولنتأمل ما يمكن أن يكتبه مؤرخ صهيوني عن أن بوسع الفلسطينيين والعرب أن يرحلوا إلى صحرائهم!!

كلمات كار لم تكن مجرد تهاويل مؤرخ بل أن جورج واشنطن قائد أمريكا المستقلة كان قد سبقه منذ عام 1783 [4] بالقول «إن التوسع التدريجي لمستوطناتنا سيجعل المتوحشين يتراجعون تدريجيا، كذلك الذئاب فكلاهما طرائد للصيد مع أنهم مختلفين شكلاً» وها هو صدى الكلمات يتردد على لسان داني روبنشتاين[5] «على الفلسطينيين أن يقبلوا حكما ذاتيا على غرار معسكرات أسرى الحرب، يستطيعون في ظله أن يجمعوا الزبالة في المناطق المخصصة لهم».

ثمة الكثير من الأدلة على ارتباط الاستعمار بالعرقية، والرق القائم عليها، فايدلوجيا الاستعمار لم تكن سوى نفسها أيدلوجيا الرق ولكن بقناع آخر بشع، وتوكفيل نفسه الذي عارض مؤسسة الرق باعتبارها مؤسسة بغيضة [6] واعتبرها مناقضة لكل الحقوق الطبيعية في (تقرير عن الجزائر) لم يجد مانعا أنه لتلافي أن يكون لإلغاء الرق في المستعمرات الفرنسية القديمة نتائج هدامة (إفلاس المالكين، انخفاض مستوى الصناعة)، وبالتالي حسبه، يجب أن يترافق تحرير الأفراد مع الحفاظ على الأراضي التي يقيمون عليها في حالة خضوع، وبتعبير آخر يجب أن يحل الاستعمار محل الرق، إذ، «فرنسا تعمل لإقامة مجتمعات متحضرة، لا حشود فوضوية من المتوحشين». هذا التقرير حوّل توكفيل المعارض لعرقية جوبينو إلى واحد من أيدلوجيي الاستعمار الفرنسي، عرقي من طراز جديد، ومع رفضه لحجة التمدين، بقي نصيرا راسخا للاستعمار في الجزائر باسم مصلحة بلده «الاحتفاظ بالمستعمرات ضروري لقوة وعظمة فرنسا"» كما يقول في مؤلفه (اعتاق العبيد)، وهذا هو نفس الكلام الذي يطلقه صهاينة يعترفون من جهة باحتلال الأرض الفلسطينية المتبقية بعد 1948، أي تلك التي احتلت عام 1967 ولكنهم يرون أن القدر يجبر "إسرائيل" على الاحتفاظ بها، لأنها ضرورية سواء لأمنها أو "لعظمتها" أو "كمالها الديني"، وسط هذا يغيب الحديث عن استعباد الفلسطينيين، ونهب مواردهم جميعها، حيث يتجنبون الحديث عن هذا لأن "الغازي الناهب" هي وصمة يريدون تجنبها بأي ثمن وبالتالي فالاقتصاد الاحتلالي هو آخر شيء يريدون الحديث عنه.

تبرير الاستعمار على أساس المصلحة الوطنية مرتبط أساسا بالتمييز، والعرقية وهي منطق مغرق في القدم حيث [7] يؤكد روسو «يجعل الإسبرطي المساواة تسود في وطنه ولكنه يصبح ظالما ما إن يتخطى حدود وطنه وبالمثل لم تكن إنسانية الرومان تمتد إلى أبعد من حدود مدينتهم، ولم يكن العنف محرماً إذا مورس على الأجانب»، ويلاحظ روسو في (إميل) إن «سيادة المساواة في بلد إنسان ما لا تمنعه من أن يكون استعباديا أو استعماريا في الخارج، وذلك هو منطق الوطنية».

إن ما يبرر الاستعمار هو "انحطاط" الشعوب المقصودة بأن تستعمر، وهذا الانحطاط" المزعوم مقاس طبعا بمقاييس العرقية والتميز لشعب على آخر أو لعرق على آخر، وهكذا بما أن الشرقيين [8] يوضعون مع الشعوب الأخرى التي وصفت بأنها متخلفة، منحطة وغير متحضرة، وقاصرة أخلاقيا ضمن حتمية بيولوجية، فهم مهيؤون سلفا للاستعمار «مادام الشرق ينتمي إلى عرق محكوم، فقد كان لابد له أن يحكم: لقد كان الأمر بهذه البساطة»[9].

ركائز العرقية الاستعمارية

مقابل "انحطاط" الآخر، المستهدف بالاستعمار أو الاستعباد أو الإلغاء، يبرز "ارتقاء" المستعمر وتصطف "سماته" المبررة، على النقيض مع السمات التي متحت للآخر.

الاصطفاء:

وأهم الركائز الأيدلوجية في هذا التصنيف في السياق الصهيوني بالذات هي الاصطفاء، حيث تتجسد هذه الركيزة في مقولة (شعب الله المختار) فاليهود هم الشعب الذي اختاره الاله (يهوا) شعبا خاصا له، وهكذا يتوحد تاريخ يهوه مع تاريخ الشعب، فلا يوجد تاريخ ليهوه خارج تاريخ الشعب ويهوه إله القبيلة الدموي يتبدى في الميثولوجيا اليهودية كإله مختار هو أيضا، إله الجنود المناسب تماما لنزوات المجموعة الشيطانية وجنونها، وهكذا تكتمل الأسطورة شعب مختار وإله مختار وأرض مختارة، تعبيرا تاما عن الوحدة العضوية بين الشعب والأرض والدين، «لأنك شعب مقدس للرب إلهك، وقد اصطفاك الرب لتكون له شعبا خاصا، على جميع الشعوب التي على وجه الأرض»(تثنية/14/2)، والاختيار هو عهد الرب للمختارين «بل أخرج من يعقوب نسلا ومن يهوذا وارثا لجبالي فيرثها مختاري وتسكن عبيدي هناك»(أشعيا/65/9). و «أنا يهوه إلهكم الذي بزكم من الشعوب» (لاويين/20/6).

بما أنه يوجد "شعب مختار" فلا بد إذا أن يستعلي على من سواه، هنا تأتي الركيزة الثانية: لاستعلاء: فالشعب المختار هو أفضل وأعلى من غيره إذا جاز اعتبار الغير في مقام البشر وعلى الأقل يرفع هذا الشعب إلى مرتبة الآلهة «أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم» (مزمور 82) وهكذا لابد أن «يقف الأجانب يرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم، أما انتم فتعون كهنة الرب، تأكلون ثروة الأمم وعلى مجدهم تتآمرون» (أشعيا/61/5).

ويحتاج الشعب المختار طبعا لأرض موعودة، فـ"الأرض الموعودة" هي الأساس الديني للاستعمار الصهيوني لأرض فلسطين «في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات» (تكوين/18/15)، وتقديم الأرض الموعودة يصدر عن أمر إلهي لأن الرب يرى أن هذا هو الحق «الآن قم فاعبر نهر الأردن أنت وجميع هؤلاء الشعب، إلى الأرض التي أنا معطيها لبني إسرائيل، كل مكان تطأه أخامص أرجلكم لك أعطيه كما قلت لموسى» (تكوين/17/8). وقصة الأرض الموعودة هي فوق تفسير للعقل، إنها لا تاريخية تتجاوز التاريخ، وتتبدى عن إله ظالم مبيد لا يعرف العدل، وتستخدم الحركة الصهيونية هذه النصوص كما لو إنها صك ملكية شرعي أو نوع من سند (طابو) صادر عن يهوه صاحب الوحي الإلهي عند اليهود [10].

وحدة العرق والأرض والدين:

توحد الفاشية بين الأرض والعرق وتجعلهما يتطابقان، وفكرة الدين وضمه إلى المعادلة هو الإضافة التي قدمتها الصهيونية على هذه الفكرة، وهي مقولة فاشية بامتياز تتلخص فيها العنصرية العرقية والنوستالجيا الدينية والنزوع الاستعماري الكريه وتتجلى يوميا في السياسة الإسرائيلية منذ نشأة الكيان الذي ابتدأ بطرد الفلسطينيين من أرضهم وصولا إلى العمل الحثيث لتطهير فلسطين من شعبها الأصلي، تشهد على هذه السياسة مئات القوانين والأوامر العسكرية التي تسعى لتهويد الأرض نحو تحقيق شعار (أرض أكثر عرب أقل) وما جدار الفصل العنصري إلا تجسيداً لهذه المقولة وخطوة جديدة في سبيل تحقيق (دولة اليهود)، التي دعا إليها هرتزل والتي تكون أرضها يهودية وشعبها من اليهود فقط. ومن هنا يجن جنون الساسة والأمنيين الصهاينة، بسبب نتيجة إحصاء سكاني، إذ يكتشفون أنهم حصلوا فقط على المزيد من الفلسطينيين، ما يهدد نقاوة الأرض الموسومة بالعرق الواحد صاحب الدين الواحد، ومقابل فلسطينيين زيادة لا يوجد أرض زيادة، وتلك هي معضلة أخرى.

وقد ظهرت هذه النزعة التطهيرية مبكرا كما هو معروف عبر مقولات الآباء المؤسسين للصهيونية النازعة إلى إيجاد التطابق الافتراضي القسري بين العرق والأرض والدين، فعلى غرار الفاشية التي تفترض وحدة عضوية في العرق والديانة والثقافة والأمة [11] كتب اسحق كوك [12] «إن أرض إسرائيل ليست شيئا منفصلا عن روح الشعب اليهودي، إنها ليست مجرد ملكية وطنية تستخدم كوسيلة لتوحيد الشعب وتدعم بقاءه المادي أو حتى الروحي، إن الإبداع اليهودي الأصيل سواء في مملكة الأفكار أو في ساحة الحياة اليومية والعمل مستحيل إلا في أرض إسرائيل، إن اليهودي لا يستطيع أن يكون مخلصا لأفكاره ومشاعره وخيالاته وصادقا في أرض الشتات مثلما يستطيعه في أرض إسرائيل».

وعلى هذا الغرار ينسج بن غوريون الذي كتب في نيسان 1941«إن ارتباط الشعب اليهودي والشعب العربي بأرض إسرائيل ليس متطابقا، إن الشعب اليهودي يرى في إسرائيل الوطن الأوحد والوحيد، أما العرب الذين تعتبر هذه الأرض وطنا لهم فهم جزء صغير جدا من الشعب العربي كله»[13].

قبل ذلك كان هرتزل واضحا في دعواه عندما احتج على ترجمة عنوان كتابه der juden stat باسم (الدولة اليهودية) فقال «إنني أتحدث عن دولة اليهود والفارق هو أن الدولة اليهودية ستكون دولة تتميز بالقانون اليهودي وتحكمها المعايير اليهودية ويتجلى فيها الروح اليهودية أما دولة اليهود فهي دولة يتألف كل سكانها من اليهود» [14].

وقد وصف ج هاكوهين فيشمان أول وزير للشؤون الدينية في إسرائيل صلة اليهودي (بأرضه) بأنها صلة «مباشرة وسماوية وأبدية، لا تشبه صلة الأغيار بها»، مذكرا هنا بتنظيرات يهودا القالي سابق الذكر، التي ذكرها حول العلاقة العضوية بين الشعب والأرض وما قاله أبراهام اسحق كوك أيضاً.

كان إذا وما يزال لتهويد المكان وتفريغه من أهله غير اليهود مكانة مركزية في الفكر الصهيوني والممارسة العسكرية والقانونية لدولة إسرائيل. ومصدر هذه النظرة أيضا ينطلق من المنظور اليهودي للتاريخ الذي يتلخص بأن تجلياته هي تعبير عن الإرادة الربانية ومن هنا فكل الظواهر التاريخية تبرز أو تختفي وفق خطة إلهية مسبقة وضعت قبل التاريخ نفسه، والله يتدخل في دفع حركة التاريخ وتوجيهها بشكل مستمر، وهكذا فان ما يسمى الأمة اليهودية ومصيرها ومثالها هو تجسيد لإرادة اله إسرائيل، وما الأحداث التي تمر بها هذه الأمة إلا كشف علني للغطاء عن تلك الإرادة الصادرة عن (المطلق) تجاه (المتغير)[15]. سنرى لاحقا كيف ستخدم هذه النظرية على نطاق واسع في التضليل الأيدلوجي والتلفيق الذي تقوم عليه مرتكزات الصهيونية.

الغزو – الإلغاء – المجال الحيوي

 يربط ألبير ميمي مباشرة بين الاستعمار والفاشية، ويؤكد تشومسكي أن المسألة كلها تتعلق بالاضطهاد وفكرة الفتح وإزاحة الآخر والحلول محله. وهناك آراء مختلفة حول جوهر الاستعمار أكثرها تشدد على المحتوى الاقتصادي للاضطهاد، وإضافة لذلك نرى أن جوهر الاستعمار يتشكل أيضا باعتباره حط من مكانة الآخر، وربما إبادته، لدينا الكثير من النماذج منذ الاجتياح المغولي إلى الحملات الصليبية وصولا إلى الاستيطان الأوربي في أمريكا وأستراليا وأفريقيا.

ماذا يمكن تسمية العالم الجديد إلا مجالا حيويا لأوروبا القديمة؟ وماذا تكون أستراليا إلا مجالا حيويا لبريطانيا؟ وكذلك هو الحال بالنسبة لفرنسا في الجزائر وإيطاليا في ليبيا، وألمانيا في شرق أوربة، وهكذا هو بالنسبة لإسرائيل في جنوب لبنان وسيناء والجولان وغور الأردن بل الضفة الغربية كلها.

فالحركة الصهيونية هي ظاهرة استعمارية أيضا، قامت على الغزو والفتح والاضطهاد كما أثبت تاريخها، وقد وضع كل مفكريها المؤسسين وسياسييها اللاحقين الاستعمار والغزو كأولوية لتحقيق أهدافهم وجنونهم في آن معا. وإذا كان الغزو الصهيوني لفلسطين، أحد مشتقات الغزو الأوربي الاستعماري لـ «القارات الثلاث»، فإنه أضاف للاستعمارية الكلاسيكية بعدا لاهوتيا جديدا يجعل من فلسطين الأرض التي وعد الله بها «الشعب اليهودي»، فالصهيونية استعمار استيطاني خاص يقيم الغزو على أساس الدين والسلالة وبشكل أوحد على أساس الامتياز العنصري. أليست تلك كلها عناصر الغزو الفاشي لأوروبا؟ ألم تكن هي العلامة المتميزة للفاشية الإيطالية التوسعية؟ وهكذا تتلخص في فكرة الاستيطان عناصر الفاشية جميعها، وحدة الأرض والعرق والتمييز العنصري والإبادة.

وإذا كانت العنصرية هي دين المستعمر الذي لا خلاص له منه، لم يكن بمقدور الصهيونية، أن تكون خارج هذا الإطار أن تجد حلا لمأزقها الاستعماري، سوى العنصرية وافتراض تأخر الشعب الآخر، وتأصل هذا التأخر في دمه وعنصره [16]، وهكذا وجدت خلاصها في الدين اليهودي، والايدلوجيا اللاعقلانية الفاشية، ذلك هو دين المستعمر حقا، في الثالث عشر من حزيران عام 1910[17] ألقى آرثر جيمس بلفور، محاضرة في مجلس العموم البريطاني حول «المشكلات التي ينبغي علينا أن نعالجها في مصر»، قال فيها: «قبل كل شيء أنظر إلى الحقائق: إن الأمم الغربية فور انبثاقها في التاريخ تظهر تباشير القدرة على حكم الذات، لأنها تمثل مزايا خاصة بها»، وهكذا فالعنصرية تلخص العلاقة الأساسية التي تربط الاستعماري بالمستعمر وترمز إليها [18].

هكذا يخطب بن غوريون عام 1956 في مؤتمر ماباي [19] «إن رسالتنا التاريخية تتلخص في أن نكون شعبا مختارا ونقيم موديلا جديدا من المجتمع وفقا للقيم الخلاصية لأنبياء إسرائيل ونبوءتهم بيوم الحساب» ويكون [20]«اليهود هم أحد الشعوب المتميزة القليلة التي لعبت دورا فريدا في تاريخ البشرية».

ومن هذه الرؤية لم تكن كتابات هرتزل خارج السياق المبكر للأحداث، هو الذي يخلق مناخاً من التشدد متحدثاً عن «محاربة» العداء للسامية و «غزو الأرض» و «الاستيلاء على الجاليات اليهودية في الشتات» وتنبأ باستيلاء تدريجي على الأراضي وطرد السكان في النهاية [21].

وتعتبر (الإلغائية) ركيزة أساسية لروح الفاشية المستعمرة، ففي الوقت الذي سعى فيه الاستعمار الكلاسيكي القديم إلى السيطرة على الشعوب واستعبادها لنهب ثرواتها وتوسيع حدود الإمبراطوريات، فإن الاستعمارية الصهيونية قامت على إلغاء الخصم وإبادته أو الاستيلاء على أرضه بالقوة وقد كان هتلر قد كتب في كتابه (كفاحي) «إن التسليم بحقنا في التوسع لن يكون عفو الخاطر وهنا يبرز حق كل فرد في الكفاح لتأمين ما يكفل له البقاء وما عجز اللين والتسامح عن إحرازه يعود إلى القوة أن تناله، ولو أن أجدادنا انجروا في الماضي مع العقلية المسالمة، التي هي عقلية جيلنا لما كان لنا اليوم ثلث أراضي الوطن الألماني» [22]، وأضاف «على الرايخ أن ينسج على منوال فرسان (التوتون) ويسلك السبيل الذي سلكوه ليتسنى للسيف الألماني أن يوفر الأرض للسكة الألمانية»[23].

وهكذا كانت ممارسة الحركة الصهيونية، ففي حوار نشر بين المستوطنين عام 1891 ، جاء فيه: «ليس علينا سوى أن نطرد العرب إلى الضفة الأخرى من نهر الأردن، كيف؟ إن (ثائرا) لا يطرح الأسئلة» [24].

هنا تتجسد الخطوط الكبرى للتركيبة العملية للصهيونية الفعلية: ذاتية يهودية وعنصرية غربية تتمفصل على معيار "الثورة" على حد زعم الصهيونية بأنها "حركة تحرر لليهود" من أجل تبرير الحيازة المطلقة على إقليم مأهول، ويعود ذلك إلى طبيعة الغزوة التي تحمل منذ البداية شعار توطين (شعب) بدلا عن شعب آخر، وأكثر من ذلك فكرة (الأرض بلا شعب لشعب بلا أرض) مما يقتضي محو الشعب الأصلي، وإبادته، لتكون الأرض كلها خالصة (للعرق) اليهودي، دون أن تشوبها شائبة، فتكتمل معادلة الأرض المختارة للشعب المختار التي تناولناها سابقاً.

هذه الأفكار الإلغائية لم يأكلها الزمن وليست قديمة، وهي تشتد اليوم أكثر فأكثر بجنون الخوف الديمغرافي ودعوات الترحيل عبر التبادل السكاني أو الجدار أو التخلي عن المناطق المكتظة بالسكان العرب أو تهويد النقب والجليل.

ولعل التحليل السابق يحيل على طبيعة الصراع، وجوهره، باعتباره تحدد كصراع وجود من قبل الغزاة قبل أن يكون من قبل من وقع عليهم الغزو، وبالتالي فإن طبيعة الصراع تضعنا أمام طبيعة العدو وتطلق المزيد من الأسئلة ليس فقط عن الأرض ولماذا هي مهمة، بل بأن الحفاظ على الأرض واستردادها هو الفعل الطبيعي الذي يعيد التاريخ إلى مساره الصحيح، لذلك لا يبدو خارج المنطق أن الشعب الفلسطيني لايزال يواجه موجة استعمارية ليست منفصلة عما قبلها وليست منفصلة عن جموح الغزو والاجتياح والفتح الاستعماري عبر القرون الأربعة الماضية.

هوامش

 

  1.  تشومسكي، نعوم. الغزو مستمر. ترجمة مي النبهان. (دمشق. دار المدى، 1999 ط2) ص 329.
  2. نفسه. ص 427.
  3. القشطيني، خالد. الجذور التاريخية للعنصرية الصهيونية. (بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط1 1981. ص105.
  4. تشومسكي. سبق ذكره. ص49.
  5. فرسخ، ليلى. من جنوب أفريقيا إلى فلسطين: هنا
  6. تودوروف. نحن والآخرون, ترجمة ربى حمود (دمشق. دار المدى ط1 1998) ص224.
  7. نفسه. ص209.
  8. سعيد، إدوارد. سعيد. الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب. ط4(بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية. 1995) ص 218.
  9. نفسه.
  10. عماد، عبد الغني. فلسفة الإرهاب وايدلوجيا العنف من اليهودية إلى الصهيونية. في: الفكر العربي عدد 96(بيروت. ربيع 1999) ص 7.
  11. سومدار، ستشينا مازر. المرأة والتعبئة اليمينية في الهند. الثقافة للعالمية72(الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سبتمبر 1995) ص 42.
  12. جانسن، مايكل. التنافر في صهيون: هل يمكن أن يقوم سلام في الشرق الأوسط. ترجمة كمال السيد. ط1(بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1988)ص 29.
  13. شتيف، شيتاي. تطور فكرة الترانسفير في الفكر الصهيوني، هآرتس 2/10/1988.
  14. الدليمي، إبراهيم حمزة، دوافع وآثار عسكرة المجتمع في الكيان الصهيوني (بغداد: بيت الحكمة، 2002) ص 16
  15. شوفاني، الياس. إسرائيل في خمسين عاماً: المشروع الصهيوني من المجرد إلى الملموس. الجزء الأول ط1(دمشق: جفرا للدراسات والنشر، 1999)ص36
  16. القشطيني مرجع سابق ص27
  17. سعيد، إدوارد. الاستشراق. ترجمة كمال أبو ديب. ط4(بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية. 1995) ص 64.
  18. ميمي، ألبير. ألبير ميمي. صورة المستعمر والمستعمر. ترجمة: جيروم شاهين (بيروت: دار الحقيقة، 1980) ص96.
  19. دادياني. الصهيونية على حقيقتها. ترجمة الياس شاهين (موسكو: دار التقدم، 1989) ص175.
  20. نفسه. ص176.
  21. نفسه. ص54.
  22. هتلر، أدولف. كفاحي، ترجمة لويس الحاج،ط2(بيروت: بيسان، 1995) ص71.
  23. نفسه. ص73.
  24. هاليفي، إيلان. المسألة اليهودية: القبيلة –الشريعة – المكان، ترجمة فؤاد جديد، ط1(بيروت: مكتب الخدمات الطباعية، 1986) ص 220.

أحمد مصطفى جابر

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر