Menu
حضارة

إنّـه الحُــب

عايدة رزق

إنه الحب ولاشيء غيره.. هو الذى طغى على جميع المشاعر فى المشهد الأخير للزوجين اللذين كرسا حياتهما لرعاية ابنتهما البالغة من العمر أحد عشر ربيعا.. والملازمة لمقعد متحرك بسبب إصابتها بالشلل.

كانت الأسرة تركب قطارا سقط فى النهر بعد أن مر على قضبان جسر متهاو فى احدى الولايات المتحدة الأمريكية.. وعندما بدأت المياه تنهمر داخله.. كان أول ما فكر فيه الزوجان هو كيف ينقذان ابنتهما.. لذلك بذل كل منهما أقصى جهده.. ونجحا فى النهاية فى دفعها من خلال احدى نوافذ القطار ليتلقفها رجال الإنقاذ.. بعدها اختفى الوالدان تحت المياه داخل عربة القطار الغارقة.

هذه الواقعة ذكرها أستاذ علم النفس د.دانييل جولمان فى كتابه الذى يحمل اسم «الذكاء العاطفي» ليؤكد قيمة الحب وتأثيره فى حياة البشر.. فإذا كان هذا المشهد الأسطورى يعد من منظور العلماء البيولوجيين فعلا تلقائيا حدث كثيرا وبصور مختلفة خلال مسيرة البشرية لخدمة تعاقب السلالات والأجيال .. إلا أنه من منظور الأب الذى اتخذ هذا القرار الشجاع فى لحظة مروعة .. هو تعبير عن الحب ولاشيء آخر غيره.

فوحده الحب.. هو الذى يدفع الآباء والأمهات إلى التضحية بأرواحهم من أجل بقاء أبنائهم على قيد الحياة.. وهو الذى يساعد الأبناء على تحمل مشقة رعاية آبائهم المسنين عندما يصيبهم الوهن.. وتفترسهم الأمراض.. وهو الذى يحفز العلماء والمخترعين على العمل ـ بلا ملل ـ سنوات طويلة فى أبحاث قد يرحلون دون أن يروا نتائجها.. وهو الذى يجعل رجال الجيش والقادة العظماء لا يبالون بالموت من أجل أن تظل الأعلام ترفرف فى سماء أوطانهم.

نعم.. إنها القلوب الممتلئة بالحب.. هكذا أقر علماء الاجتماع بعد إجراء دراسات عديدة لتحليل وتفسير هذه المواقف البطولية.. ليتأكد لهم أن القلب يتفوق على العقل فى اللحظات المصيرية.. فالمشاعر والعواطف والأشواق العميقة.. هى التى ترشدنا حين نواجه أحداثا مأساوية.. أو أخطارا جسيمة.. أو تحديات عظيمة.. فلو استمع «توماس أديسون» لصوت العقل.. لتوقف عن مواصلة تجاربه لاختراع المصباح الكهربائي.. بعد أن أجرى سبعمائة تجربة فاشلة.. ولكنه استمر فى المحاولة.. لأنه سار وراء إحساس غامض سكن قلبه بأنه فى نهاية المطاف.. سيرى اختراعه على أرض الواقع.

أيضا «نيلسون مانديلا» لو لم يكن عاشقا حتى النخاع لتراب بلده.. لما استطاع أن يتحمل البقاء داخل سجون جنوب إفريقيا.. مدة تزيد على سبعة وعشرين عاما.. فى اجواء بالغة القسوة والمهانة.. بدأت بأن قام أحد الحراس بالتبول عليه إثر وصوله إلى السجن قائلا له: «هنا سوف تموت».

فى كل الأوقات والعهود .. ستظل هناك قلوب يحركها الحب لتحقيق إنجازات وبطولات وانتصارات.. وقلوب متوهجة بالعواطف قادرة على التضحية والاقدام والعطاء.. وقلوب تستشعر الخطر فتهب لصده وإيقافه.. كقلوب المصريين البسطاء.. الذين لم يقرأوا كتابا فى التاريخ أو فى السياسة.. ونزلوا يوم 30 يونيه إلى الشوارع.. لإنقاذ وطنهم من التمزق.. وناسه من التشرد.

فى الحياة.. يخدعنا عقلنا أحيانا.. لكن نادرا ما يخدعنا قلبنا.. إنها حكمة قديمة .. قالتها امرأة عجوز.. نصحت الجميع بأن يتركوا الحب يغمر قلوبهم.. لأنه حين يقتربون من نهاية حياتهم.. لن يشعروا بالسعادة.. إلا عندما يعودون بالذاكرة إلى كل ما أحبوه.. حينئذ سيلمع بريق فى العيون.. وستظهر بسمة على الشفاة!

نقلاً عن: الأهرام