Menu
حضارة

ماذا بعد تعثر التفاهمات بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة؟

سد النهضة

القاهرة _ خاص بوابة الهدف

بعد أيام من فوزه بولاية رئاسية ثانية، يواجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أصعب أزمات حكمه على الصعيد الخارجي والأمن الإقليمي، فهناك على الطاولة "النزاع مع إثيوبيا حول مشروع سد النهضة".

في نهاية الأسبوع الماضي، لم تسفر مجموعة من المحادثات الماراثونية والتي استمرت 18 ساعة في الخرطوم عن اتفاق بين الأطراف الثلاثة، مصر والسودان وإثيوبيا، كما لم يتم تحديد موعد لاستئناف المحادثات.

القضية مع أثيوبيا هي قضية نهر النيل الذي يُعتبر بالنسبة لمصـــر مصدر الحياة والزراعة والانتاج والصناعة والاقتصاد، وأيضًا يتجاوز ما يعنيه أي نهر في العالم بالنسبة لأي بلد أو شعب، فهو الحياة نفسها، ومياه مصر من أمنها القومي.

في الفترة الرئاسية الأولى للرئيس السيسي حاولت مصر ترميم العلاقات مع إثيوبيا. وفي آذار/مارس 2015 تمكّنت مصر من الاتفاق على إعلان مبادئ ثلاثي حول سد النهضة الإثيوبي وقعته القاهرة والخرطوم وأديس أبابا.

لكن التطور اللافت هو ما جاء عبر الحكومة الإثيوبية عندما سلّمت مصر والسودان في شباط/فبراير خطة منفردة لملء خزان السد. وقالت التقارير إن إثيوبيا حدّدت مرحلتين لهذه العملية: الأولى لبدء توليد الطاقة، والثانية لملء الخزان لطاقته القصوى.

ويتسع خزان سد النهضة لحوالي 74 مليار متر مكعب من المياه وهو ما يساوي أكثر من 40 بالمئة من إمدادات مصر السنوية من مياه النيل. وهو ما أثار جدل الخبراء حول ما إذا كان إعلان المبادئ في 2015 يمثل إطارًا قانونيًا ملزمًا لإثيوبيا فيما يتعلق بموعد ملء خزان المياه، أم أنه سيفاقم مخاوف مصر من تصرفات إثيوبيا الأحادية الجانب.

سد النهضة الذي يقع في نهاية النيل الأزرق في منطقة بنى شنقول جوموز وعلى بعد نحو 20ــ 40 كم من الحدود السودانية، رسخته مصر كجزء من السياسة الثابتة والدائمة لها، إلا أنها أبدت ترحيبًا تجاه أي عمليات أو مشاريع تنموية بما فيها بناء السد شريطة ألا يمس بأدنى حقوقها التاريخية الثابتة في مياه النيل، والتي تكفلها المعاهدات والاتفاقات والقوانين الدولية.

ولكن جزء من القلق الذي يُحيط دائمًا بالقرارات المصرية بشأن المشروعات المحيطة بمجرى نهر النيل، يأتي انطلاقًا من اعتبارات عدة، أولها أن عدم الاتفاق على تحديد الفترة اللازمة لملء خزان السد بين الدول الرئيسية الثلاث المعنية به، واقتصارها على فترة زمنية غير متفق عليها قد تتسبب في حدوث انخفاض مرحلي في مستوى المياه في مجرى نهر النيل نظرًا لفترة ملء الخزان، وانخفاض دائم بسبب التبخر من خزان المياه، حيث يبلغ حجم خزان السد نحو ما يعادل التدفق السنوي لنهر النيل على الحدود السودانية المصرية 65,5 مليار متر مكعب، ومن المرجح أن تنتشر هذه الخسارة في الإيراد المائي إلى دولة المصب –مصر- على مدى عدة سنوات، وتشير التقديرات إلى أنه خلال فترة ملء الخزان من الممكن أن يتم فقد من 11 إلى 19 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، ما قد يتسبب في خسارة مليوني مزارع لدخلهم خلال فترة ملء الخزان، وانخفاض منسوب المياه في بحيرة ناصر، والتأثير سلبيًا على إمدادات الكهرباء في مصر بنسبة 25 % إلى 40 %.

رغم تلك المخاوف، وافقت مصر مبدئيًا على التقرير الاستهلالي الذي أعده المكتب الاستشاري لعمل الدراسات الفنية لتحديد آثار سد النهضة على مصر والسودان، باعتباره جاء متسقًا مع مراجع الإسناد الخاصة بالدراسات، والتي تم الاتفاق عليها بين الدول الثلاث، إلا أن طرفي اللجنة الآخرين لم يبديا موافقتهما على التقرير، وطالبا بإدخال تعديلات على التقرير تتجاوز مراجع الإسناد المتفق عليها، وتعيد تفسير بنود أساسية ومحورية بشكل يؤثر على نتائج الدراسات ويفرغها من مضمونها.

جلسة جديدة للمفاوضات انعقدت الخميس الماضي في الخرطوم واستمرت لأكثر من 18 ساعة متواصلة من أجل التوصل إلى اتفاق يرضى جميع الأطراف ويقلل من أضرار التخزين واعتماد التقرير الاستهلالي لدراسات تأثيرات السد، لكن لم يتم التوصل لاتفاق حول البنود الخلافية التي اعترض عليها الوفد الإثيوبي في الثوابت المصرية الحاكمة في المفاوضات، والتي تتمثل في ضرورة أن تخرج الدراسات بنتائج واضحة عن تأثيرات السد السلبية على الأمن المائي المصري، خصوصًا معدلات تدفق المياه إلى بحيرة السد العالي بصورة واضحة وبما يضمن حصول مصر على كميات المياه المستخدمة حاليًا، كذلك تأثيراته على نسب الملوحة في الأراضي الزراعية المصرية في الدلتا.

اللافت أكثر من ذلك، أن ما قدمه الجانب الإثيوبي لا يتعدى كونه معلومات عامة حول رؤيته للتخزين، كما أنها معلومات غير موثقة فنيًا، ولا يمكن الاعتماد عليها في تقييم أثر تلك العملية على الأمن المائي المصري وتدفقات المياه وكمياتها إلى مصر.

وعلى الجانب الآخر فإن الموقف المصري قاله الدكتور محمود أبوزيد، وزير الري الأسبق، ورئيس المجلس العربي للمياه، خلال كلمته في المؤتمر الدولي لجامعة الأزهر "الزراعة والتحديات المستقبلية"، الذي عقد قبل أيام، في مركز الأزهر للمؤتمرات بمدينة نصر "إن إثيوبيا تعكف حاليًا على إنشاء 33 سدًا مختلفًا، منها 11 لتوليد الكهرباء و22 للتنمية الزراعية، إضافة إلى وجود 4 سدود أساسية أمام سد النهضة، ما يُؤكد حقدها ورغبتها في إصابة مصر بالجفاف".

وأضاف أبوزيد أن "العمر الافتراضي للسد العالي 500 عام، وسد النهضة يؤثر على خصوبة الطمي القادم من منبع النيل، ما يؤثر على الزراعة ويقلل من جودة الأراضي المصرية، ويسبب في ندرة المياه، ما يُهدّد الأمن الغذائي لمصر، وكل تلك المؤشرات تؤكد إننا على حافة كارثة خطيرة".

ثمة سيناريوهات تبرز بشأن الأزمة، وخاصة بعد تولى رئيس وزراء إثيوبيا الجديد أبى أحمد، فيتمثل الأول في تجاوب رئيس الوزراء الإثيوبي مع المطالب المصرية المحقة والعادلة تدريجيًا، واستمرار الجانب المصري في إجراء مباحثات ومفاوضات بشكلٍ مستمر مع الجانب الإثيوبي لضمان تحقيق مصالح جميع الأطراف.

السيناريو الثاني، فهو استمرار الجانب الإثيوبي في سياسة المراوغة والتسويف، وهنا يجب الاستعانة بوساطة إقليمية ودولية للوصول لحل للأزمة، وقد يقتضي الأمر إلى تقديم مصر احتجاج رسمي إلى مجلس الأمن الدولي، وعرض حقها المنصوص عليه في اتفاقية عام 1959 واتفاقية عام 1929 وتتضمنان حصة مصر من مياه النيل، والتأكيد على منع الإضرار بحصة مصر من مياه النيل، وهذا هو المبدأ الأول، يليه المبدأ الثاني وهو تنفيذ إعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاث لعام 2015 لحماية حقوق كل طرف.

ويجب الإشارة إلى أن مسار التفاوض الإيجابي البناء سيظل هو المسار الأفضل للجميع ولتحقيق مصالحهم بمعادلة دقيقة، وأن اللجوء إلى أي مسار آخر قد يُخيّل للبعض تحت أي مسمى أو دافع أو هدف لأي طرف من الأطراف لن يؤدى إلا لكارثة.

سيناريو الحرب يبقى مرجحًا، وهذا يُكمن في أن إثيوبيا تغذي باتجاه الانتهاء من مرحلة الملء الأولى لخزان السد لأنها تعرف أن أي ضربة عسكرية مصرية ستكون شبه مستحيلة بعد ذلك. ومن هنا، تجد مصر نفسها في مأزق. فأمام القاهرة أشهر قليلة فقط للتفكير في تدخل عسكري ما، كما أن هناك تحديات عملية تمنعها من شن ضربات جوية على السد الإثيوبي، ولكن الأمر لا يزال ممكنًا خاصة في ظل الدعم الإقليمي من السعودية والإمارات وإريتريا، خصم إثيوبيا.

الرئيس المصري أكَّد من جانبه، أن مصر لا تريد حربًا مع جيرانها الأفارقة، لكن تقليص حصتها من مياه النيل هو ببساطة عمل عدائي لا يمكن تجاهله. ولكن أصبح واضحًا أن إثيوبيا تلعب على عامل الزمن، فيما هي تخلق حقائق جديدة على الأرض يصعب تغييرها.

خيار الحرب حذَّر منه الكاتب الأمريكي ستيفن كوك، اذ قال إن "اندلاع حرب على المياه بين مصر والسودان وإثيوبيا بات وشيكًا"، مُشيرًا إلى أن تركيا وقطر تسعيان لتوريط الخليج فيها.

وقال الباحث الأمريكي: "الآن نجد أن الصراع الحقيقي حول المياه في مرحلة الغليان. مصر والسودان وإثيوبيا ربما تدخل مرحلة المواجهة بمساعدة تركيا وقطر والإمارات على خلفية مشروع سد النهضة الإثيوبي".

الجدير ذكره أن جذور الصراع بدأت في عام 1929، عندما منحت اتفافية أنجلو — مصر الدولة العربية الأكثر تعدادًا سكانيًا نصيب الأسد من حصة المياه، نحو 50 مليار متر مكعب، بينما سمحت للسودان بالحصول على 4 مليارات متر مكعب فقط، وحصل المصريون كذلك على حق رفض أي مشروعات في دول المصب، وفي فترة ما بعد الاستعمار، وقعت مصر والسودان اتفاقًا جديدًا عام 1959 لزيادة حصة كل منهما من المياه، لكنه حفظ للقاهرة الامتيازات الأكبر. ولم يكن لدول مثل إريتريا ورواندا وبورندي وتنزانيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية أي كلمة إما لأنها لم تكن موجودة من الأصل، أو لعدم الحصول على استقلالها.

ويعتبر القادة الإثيوبيين سد النهضة مكونًا أساسيًا للتنمية ويرفضون استمرار استحواذ مصر على الحصة الأكبر استنادًا على شعار: "نحن مصر وأنتم ليسوا كذلك، الأمطار تهطل عندكم ولا تفعل عندنا".