على مدار الساعة
أخبار » آراء

مجال الإيمان ومجال المواطنة

16 نيسان / أبريل 2018

كرَّرنا القول، في مناسبات متعدّدة، إنّ الخلطَ بين الدين والدولة غير مشروع؛ لأنه يَجمع، في علاقة لفظية، بين نصابيْن متغايريْن يمتنع الجمعُ بينهما، على نحوِ ما يُجْمَع في مقولات فارغة من قبيل: «الدولة الدينية»، أو «الدولة الإسلامية»، أو «الإسلام دين ودولة»، أو تطبيق الشريعة..، وما في معنى ذلك من مقولات قائمة على التجافي بين عناصرها التكوينية. أمّا التغايُر في النِّصابين فَمأتاهُ من أنّ ما هو في حكم المطلق غير ما هو في حكم النسبيّ، وأنّ الذي مصدره إلهي مفارِق غير الذي مصدرهُ بشريّ متعين.

ويتولَّد من هذا التحديد أنَّ تمييزاً ضرورياً بين الدينيّ والدنيويّ ممّا لا مَهْرَب منه في هذا الإطار؛ إذِ الأوَّلُ لا يتفرَّد بكونه ذا مَصدرية متعالية فقط، بل بكونه مشدوداً إلى غايات أخرى لا تدخُل المصالحُ الدنيويّة في نظام أهدافها؛ أمّا الثاني فمكِينُ الصِّلة بالمعيش الإنسانيّ وبنظام الحاجات والمصالح التي تبرِّرها بشريَّةُ المجتمعات: معتقدة كانت أو غير معتقدة. وقد يُعْتَرَض على التمييز القاطع هذا بالقول إنّ الدين لم يُهْمِلِ الدنيويَّ أو يُخرِجُه من دائرة أحكامه، بدليل ما أفْرَدَتْهُ الأديان فيها من مساحات تشريعيّةٍ للدنيويّ، ولكنّ «دنيا الدين» تشمل، في الغالب، ما هو فرديّ يتعلّق بالمؤمن، لا ما هو عامّ يتّصل بالجماعة السياسية (إلاّ في النادر منها، وفي حالاتٍ ليستِ السياسة منها). لذلك كتبنا ما معناهُ أنّ الإسلام شرَّع لمسائل دنيويّة كثيرة: شخصيّة (الأنكحة، والمواريث، وحقوق المحجورين واليتامى، والطلاق، وسوى ذلك)، وعامّة (التجارات، والبيوع، والعقود، وقسمة الثروة، والحرب والسِّلم)، لكنه لم يُشرِّع للمسألة السياسية التي هي أمُّ مسائل الاجتماع الإنسانيّ.

وليس يجوز، بهذا الحسبان، التفكيرُ في النسبيّ (الدنيا، السياسة، المصالح الاجتماعيّة) بعقْل المطلق، ولا التفكير في المطلق (العقيدة وحقائق الوحي) بعقل النسبيّ؛ لأن مقاربة ما هو نسبيّ بمفاهيم المطلق إدراج له في نظامٍ ثابتِ أبديّ، فيما هو (أي النسبيّ) متغيّر بتغيّر المكان والزمان والظروف والحاجات؛ ولأنّ مقاربة ما هو مطلق بمفاهيم النسبيّ نيْلٌ سافر من حرمةِ ذلك المطلق وتعاليه عن المحدَثات المتناهية، وإنزال له إلى الماديِّ والبشري ! ومردُّ الخلط هذا إلى نقْصٍ حادّ في إدراك المقْصِد الدينيّ من السكوت الشرعيّ عن الكثير من أمور الدنيا (والذي تحاوِل المقالات التديينيّة أن تَمْلأه بمغالطاتٍ من قبيل ذلك الخلط أو ذلك الاختزال المبتذَل للدنيويّ بالدينيّ!)؛ ذلك أنّ النصَّ الدينيّ حين يسكتُ عن أمور، فإنما لأنه يتركها للعقل الإنسانيّ يجتهد في التماس أجوبةٍ عنها، لأنّ ذلك ممّا هو في مُكن العقل، بل في صُلب التكليف الدينيّ للإنسان. في المقابل، ينصرف النصُّ (الدينيّ) إلى إفادة البشر بما لا يقوَوْن على إدراكه بعقولهم من حقائق مفارقة تتعلق بالخلق والوجود والمصير. وعليه، لا شرعية لأيِّ تعطيلٍ للعقل الإنسانيّ واجتهاده في الأمور الدنيويّة-ومنها السياسيّة-بدعوى أنّ هذه أحاطها الدّين بالتشريع والبيان ! وحين يسأل المرءُ منّا عن وجوه ذلك البيان والقرائن النصية عليه، لا يعثر سوى على تخرّصات تأويليّة، ما أنزل الله بها من سلطان، تقدِّم نفسَها بوصفها البيِّنات القواطع على المقصِد الإلهيّ في القول القرآنيّ أو التوراتيّ أو الإنجيليّ !

أكثرُ الحديث في الصِّلة «التلازمية» بين الدين والدولة يدور في منطقة الخلط والالتباس، وبقدرٍ محترَم من الخِفّة وسوء الدّراية بالمعاني والمفاهيم ! والغالب عليه أنّه (حديث) لا يتحرَّج في الانتقال الحُرّ بين حدود مجاليْن متمايزيْن (أو سياديَّيْن بلغة السياسة)؛ بين المجال الخاصّ، وهو المجال الدينيّ الإيمانيّ، والمجال العام الدنيويّ والمجتمعيّ. صحيح أنّ الإنسان طرف في المجاليْن؛ سواء في علاقته العاموديّة بالخالق، أو في علاقته الأفقيّة بغيره من أفراد الجماعة والمجتمع.

ليس بين المجاليْن الخاصّ والعامّ من وجهِ صلة حتى يدور الحديث في العلاقة بين الدين والدولة على نمطٍ من الاستبداه كالذي نصطدم به، كل يوم، قراءة وسماعا؛ فالمجال الدينيّ مجال الخاصّ، مجال الاعتقاد والإيمان؛ والمجال السياسيّ مجال عموميّ، مجال المصالح الماديّة والمنازعات عليها. لِنَقُل، إذن، إنّ المجال الأوّل مجال المؤمنين المرتبطين برابطةٍ روحية هي: الإيمان بعقيدة دينية جامعة تؤلِّف منهم «أمَّة روحية»، فيما المجال الثانيّ مجال المواطنين المرتبطين برابطة ماديّة اجتماعيّة - سياسيّة: الانتماء إلى جماعة وطنيّة. يكون ولاء الأوّلين للدين، بوصفهم مؤمنين، وولاءُ الأخيرين للوطن والدولة، بوصفهم مواطنين، ولا تعارُض بين الولاءَين إنْ ميَّز المرءُ بين التزاماته الدينيّة، في ميدانها الخاصّ، والتزاماته الوطنيّة في ميدانها العامّ، ولم يخلط بينها على النحو الذي يُلْحِق الضرر بالدولة أو بالدين أو بهما معاً. وحين يتقرَّر هذا التمييز بين المجاليْن، يتّضح عندها أنّ الرابطة الجامعة داخل الدولة لا يمكن أن تكون دينيّة لسبب موضوعيّ معلوم هو أن المواطنين في الدولة ليسوا من دين واحد، إلاّ في ما ندر؛ وحتى في الحالة التي يكونون فيها من دينٍ واحد، يتوزّعون على أكثر من مذهب، ونحن نعرف أنّ بين مذاهب الدين الواحد من الخلافات نظير ما بين الأديان من خلافات، وأحياناً ما أكثر! وعليه، تَحْكُم أيُّ دولةٍ على نفسها بالزوال، عاجلاً أو آجلاً، إن هي قامت على دين قسم من مواطنيها على حساب آخر؛ لأنها، بذلك، تَحيد عن وظيفتها السياسية الأصل: توحيد المجتمع، ومَرْكزة ولاءاته في ولاءٍ واحدٍ عامّ (للوطن والدولة)، وصوْن الأمن الاجتماعيّ والسِّلم المدنيّ.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

عبد الإله بلقزيز

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر