Menu
حضارة

العنف في المنطقة العربية بين الواقع المعيش والمعتقد الديني

العنف في المنطقة العربية بين الواقع المعيش والمعتقد الديني

بقلم / رسلان عامر

العنف في المنطقة العربية بين الواقع المعيش والمعتقد الديني([1])

تعد المنطقة العربية اليوم من أكثر المناطق عنفا في العالم؛ فهي غارقة في الصراعات الدامية، وحافلة بأعمال العنف والإرهاب، وهذا كله مرتبط بجملة من العوامل الموضوعية، الداخلية والخارجية، التي تؤدي في المحصلة إلى إنتاج الفرد المستعد للعنف، والقابل للتجنيد في آليات العنف وتطبيقه.

في هذا المقال، سنسلط بعض الضوء على مسببات العنف وكوابحه الممكنة، والقوى الفاعلة فيه، وعلاقته بالمعتقدات، الدينية منها والوضعية.

أولا- مسببات العنف:

يمكن إيجاز أسباب العنف في أربع فئات هي:

1- الأسباب المادية:

عندما يعاني الإنسان من نقص ضرورات الحياة المادية أو عدم القدرة على تأمينها، وهي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها حياته، سينعكس هذا عليها سلبا، ويولد فيه عوامل الإحساس بالغبن والكآبة والتوتر والنقمة، وبقدر ما تتفاقم حالة العوز والنقص المادي وتستمر، تتفاقم حالة الاستياء النفسي عند الإنسان، وتصبح أكثر فأكثر مولدا لنزعة العنف، سواء منه الانتقامي المرتبط بالحقد العام على المجتمع والغير، أو النفعي المرتبط بتلبية الحاجات المطلوبة مهما كان الثمن والوسيلة.

2- الأسباب المعنوية:

وهي ترتبط بانتقاص الحقوق المعنوية للإنسان، ومعاناته من عدم الاحترام، وهدر الكرامة، والإهانة والإذلال، والاضطهاد، ومصادرة القرار، والتمييز، وعدم الشعور بالأمان، والحرمان العاطفي، والخوف الدائم، وما شابه، وهذه كلها عوامل فعالة تؤدي إلى اضطراب شخصية الإنسان، وتنمي نزعة العنف لديه.

3- الأسباب الدعائية:

وهي تعود إلى وجود نشاطات دعائية وإعلامية وترويجية موجهة لنشر ثقافة العنف والتحريض على ممارساته، والاستجابة لهذه النشاطات تختلف بين شخص وآخر بحسب اختلاف الطبائع الشخصية، والظروف المعيشية، واختلاف الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المحيطة.

4- الأسباب العقائدية:

وهذه ترتبط بوجود عقائد دينية أو وضعية مسموح فيها اللجوء إلى القوة بشكل دفاعي أو هجومي من أجل نصرة الخير ومواجهة الشر، وهذه حالة غالبة في تاريخ البشر ومعتقداتهم، وهي مبررة عموما، وكل الشعوب - مثلا - لديها تقاليدها التي تمجد القادة والأبطال والفرسان، الأقوياء والشجعان وذوي الأخلاق العالية، الذين يحاربون الأعداء والغزاة الخارجيين، ويتصدون للظلمة والفاسدين الداخليين، والحالة البديلة - أي العقائد التي تقوم على مبدئي السلمية واللاعنف التامين هي نادرة. لكن شرعنة القوة، أو شرعنة العنف، هي قضية محفوفة بالمخاطر دوما، فهذه القوة المفروض أنها مبررة لخدمة الخير والتصدي للشر، يمكنها أن تغدو في حد ذاتها عنفا مفرطا، وتصبح أحد أكبر أشكال الشر - إن توفرت العوامل الذاتية والموضوعية المناسبة لاستغلالها - وأن تبلغ درجات من التطرف والعدوانية النوعية والكمية، التي تحولها إلى إجرام حقيقي.

وبالطبع من النادر، أن تعمل هذه الأسباب فرادى، وهي عادة تتكامل وتتضافر مع بعضها البعض، مما يؤدي في المحصلة إلى إنتاج العنف التدميري والإرهاب.

ثانيا- كوابح العنف:

يمكن تقسيم الكوابح الذاتية للعنف إلى قسمين هما:

 

1- الكوابح الثقافية والمعرفية:

عندما ترتقي ثقافة الإنسان ومعرفته العامة، ترتقي ثقافته الدينية - أو الأيديولوجية - بدورها معها، وكل من الثقافتين العامة والدينية - أو الأيديولوجية - تشكلان عاملي كبح حقيقي لمنع نزعة العنف من النمو عند الإنسان حتى في الظروف الصعبة، وتجعلانه أكثر وعيا وحذرا في التعامل مع دعوات شرعنة العنف، ومحرضاته الداخلية والخارجية، وكمثال بسيط، بقدر ما يكون الشخص مثقفا، يصبح من الأسهل عليه تحديد المذنب الحقيقي والمسؤول عن تردي ظروفه، فلا يأخذ بجريرته سواه من الأشخاص الذين يشتركون معه بصفة اجتماعية ما، ولا ذنب لهم في الجرم الواقع، كما أن دعوات ودعايات التكفير والتخوين والتجريم الجماعي، تصبح أقل تأثيرا كلما ازدادت ثقافة ووعي المتعرض لها، على عكس الأمي والجاهل.

2- الكوابح العقائدية والأخلاقية:

معتقدات وأخلاق الإنسان هي أيضا عوامل كبح جوهرية لمنع نزعة العنف من النمو، ورغم استقلالية كل منهما بطبيعتها، إلا أن الأخلاق وثيقة الارتباط بالمعتقدات، وكلتاهما لا تنفصلان عن الثقافة والمعرفة، وحين تتردى هاتان، لا يمكن للعقائد والأخلاق أن تبقى في حال سليم، بل غالبا ما يصيبهما التشوه والانحراف، لكن هذه العلاقة ليست أحادية الاتجاه؛ فالعقائد والأخلاق - بما لديها من استقلالية - هي بدورها قادرة أيضا على التأثير على المنحى الذي تسخر فيه المعارف.

كما أنه ثمة نقطة جد مهمة تجدر الإشارة إليها هنا، وهي العلاقة بين الأخلاق والظروف المعيشية، فتردي هذه الظروف يضعف الأخلاق عادة، إما عن طريق إضعاف الإرادة الأخلاقية للشخص نتيجة استنفاذ قواها في مواجهة التحديات المستمرة، أو نتيجة تغيير القناعات الأخلاقية أو اختلاق التبريرات والتخريجات التي تتناسب مع هذه الظروف.

ثالثا – مصادر مسببات العنف:

تتفاقم ظاهرة العنف بتنامي أسبابها أو ضعف كوابحها، أو كليهما معا، وهذا بدوره مرتبط بعوامل، وهي التي تنمي أسباب العنف أو تضعف كوابحه، وغالبا ما تقوم بالدورين معا، وهذه العوامل هي ما أقصده بـ "مصادر مسببات العنف".

ومن الممكن بشكل عام تقسيم هذه العوامل - أو القوى - إلى قوى داخلية وقوى خارجية.

- القوى الداخلية:

وهي مجموعة القوى السياسة والاجتماعية والاقتصادية داخل كل مجتمع، التي تلعب الأدوار المختلفة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، فتؤدي إلى قمع وكبت وقهر الناس، وإفقارهم وحرمانهم، وتجهيلهم وتردي مستويات ثقافتهم، وهذا كله - كما سلف - يخدم ويعزز نزعة العنف.

- القوى الخارجية:

وهي قوى إقليمية أو دولية لها مصالحها وأطماعها في منطقة ما، ولها سياساتها المرسومة بما يخدم هذه المصالح والأطماع، التي كثيرا ما ترتبط بالعدوان المباشر أو غير المباشر على أبناء هذه المنطقة، وباستغلالهم وإبقائهم في حالة تخلف.

وهذه السياسات في المحصلة تردي الأوضاع على كافة الصعد، وفي النتيجة تنمي وتقوي مسببات العنف.

رابعا- تحليل موجز لتنامي ظاهرة العنف في المنطقة العربية:

تتوفر في المنطقة العربية كافة الظروف اللازمة لقوة مسببات العنف وإضعاف كوابحه، وهذا مرتبط بقوى داخلية وخارجية؛ فداخليا تسود البلدان العربية أنظمة شمولية استبدادية، مدعومة ببنى اجتماعية متخلفة، تتفشى فيها ظواهر القبلية والعشائرية والطائفية، وتهيمن عليها ثقافة بالية لاعصرية ولاعقلانية، وتتحكم فيها فعاليات اقتصادية يغلب عليها الطابع الانتهازي الطفيلي والتبعية للخارج.

ويضاف إلى ذلك القوى الخارجية، الإقليمية والدولية، التي تفرض سياساتها على المنطقة، وتتحالف أو تتصارع مع القوى الداخلية، حسب ما تسير المصالح، فإن تحالفت معها ساعدتها على تكريس حالات الاستبداد والفساد التي تقوم عليها، وإن تصارعت معها استغلت ما فيها من استبداد وفساد ضدها، مستخدمة ً قوى هدامة هي من ثمار سياسات الاستبداد والفساد، وسواء حدث التحالف أو الصراع، فما يحصل عليه الشخص العربي في هذه البلدان هو المزيد والمزيد من تدهور الأوضاع.

فغالبية دول هذه المنطقة تعاني من تردي أحوالها الاقتصادية وانتشار الفقر والبطالة الصريحة أو المقنعة فيها، وهي محكومة بنظم ديكتاتورية تعتمد سياسات القمع ضد شعوبها، كما تسود فيها بنى اجتماعية تقليدية تكرس حالات التخلف والتردي الثقافي، وتحارب العصرنة والحداثة والعقلانية، وهذا كله ينمي ويفاقم نزعة العنف عند الفرد العربي مدفوعة بعوامل الحرمان والقهر والإذلال؛ فالعربي عموما محروم مغبون في وطنه، ومهان مذلّ وغير آمن فيه، بفعل سياسات حكوماته وسياسات حلفائها أو أعدائها الإقليميين والدوليين، وهو أيضا - بفعل هذه وتلك السياسيات - غير محترم قوميا على الساحة العالمية، وصورته الدينية غالبا ما ترتبط بالتخلف والإرهاب، وفي مثل هذه الظروف ليس من الغريب أن تتعاظم نزعة العنف عند الكثيرين من عامة العرب، بل العكس هو الغريب.

ذاك من ناحية الأسباب، أما ناحية الكوابح؛ فالكوابح الثقافية والمعرفية شبه معطلة تحت وطأة الضغط الاقتصادي، والقمع السياسي والاجتماعي المباشر وغير المباشر، واستئثار أسياد وحماة الثقافة التقليدية بإمكانيات النشر والدعاية والإعلام، وهيمنتهم على وسائلها، وتبعيتهم أو تحالفهم مع السلطة السياسية المستبدة.

والكوابح العقائدية والأخلاقية هي الأخرى في حالة يرثى لها، نتيجة تردي كل من الوضعين المعاشي والثقافي للناس عموما، ونتيجة هيمنة ثقافة التخلف والفساد على مواقع القوة في المجتمع، وبدلا من أن تلعب العقائد الدينية هنا الدور الكابح للعنف، صارت غالبا ما تستغل لفعل العكس، حيث تستغل لمحاربة الثقافة العقلانية الحديثة.. والحفاظ على الثقافة المتخلفة، ولنشر التعصب الأعمى والحقد والكراهية تجاه الآخرين، وللتحريض على العنف والتدمير.

خامسا – دور الدين والمعتقد في تنامي ظاهرة العنف:

كما سلف الذكر، اللجوء إلى القوة هو أمر مشروع في الغالبية العظمى من العقائد الدينية والوضعية في تاريخ البشر، وهذا أمر واقعي من حيث المبدأ؛ فالبشر حتى اليوم ما يزالون على درجة كبيرة من البعد عن السوية التي يمكنهم فيها أن يتعاملوا مع بعضهم بشكل سلمي، وأن يحلوا خلافاتهم بدون عنف، وهذا عائد بدرجة كبيرة إلى عدم القدرة على بناء النظم الاجتماعية المتكاملة، التي تعمها الثقافة التي تمكن من التعامل مع الغير كند في الإنسانية، ومن الاعتراف له بنفس الحقوق التي يعترف بها طرف ما لنفسه.

لكن ثمة فرق بين العقائد - سواء الدينية منها أو الوضعية - في موقع العنف فيها، فهناك عقائد تجيز العنف (أو الأصح اللجوء إلى القوة)، لكن هناك عقائد أخرى تتبنى العنف، وتجعله أسلوبا محوريا في التعامل مع الآخر، وهذا بالطبع أسلوب العقائد العدوانية، ومن هذه العقائد العدوانية يمكننا أن نذكر "اليهودية" كعقيدة دينية، والنازية والفاشية كعقيدتين وضعيتين، فاليهودية بحد ذاتها عقيدة عنصرية، وهي تقوم على فكرة أن "الشعب الإسرائيلي" هو "شعب الله المختار"، الذي يحق له ممارسة كل أشكال ودرجات العنف ضد الآخرين - "الأغيار أو الغوييم"([2]) - بما فيه الاستعباد والتهجير وحتى الإبادة! وهؤلاء الأغيار هم في نظر الإسرائيلي لا يختلفون عن البهائم والحيوانات، إن لم يكونوا أحط منها، ومن يشك في هذا الكلام يمكنه الرجوع إلى توراة اليهود، وبالأخص "سفر يشوع" منها، أو يمكنه مراجعة التلمود، وهو المرجع الأكثر اعتمادا في اليهودية، وإن كان ذلك غير كاف؛ فتاريخ الحركة الصهيونية والكيان الإسرائيلي حافلان بالجرائم الجماعية ضد الإنسانية.

النازية والفاشية بدورهما عقيدتان عنصريتان عدوانيتان من حيث المبدأ، وهما تقومان على فكرة "الشعب المتفوق" أو "العرق الفائق"، الذي يحق له السيطرة على الآخرين واستغلاهم كيفما شاء، بل حتى استعبادهم إن اقتضى الأمر، فهو الأرقى، وغيره الأدنى، ويتدرج هذا التدني حتى يبلغ الحـِطة في الصورة المرسومة للكثير من الشعوب الأخرى، وعلى المتدنين والمنحطين أن يخضعوا للأرقى ويستسلموا له، حتى ولو اقتضى ذلك محرقة عالمية كالحرب العالمية الثانية، التي بلغ عدد ضحاياها خمسين مليون إنسان.

بالطبع نمو وتفشي ظاهرة كالنازية، لا يمكن إحالته إلى أسباب عقائدية محضة، حيث يصبح سببها النشاط الدعائي والأيديولوجي لحزب هتلر "الحزب القومي الاشتراكي"، فلو لم تكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مناسبة، لما انتشر الفكر النازي ونما الحزب الهتلري، واستلم السلطة، فبعد خسارتها للحرب العالمية الأولى وفرض غرامات مالية باهظة عليها من قبل المنتصرين، عانت ألمانيا من ترد حاد في أوضاعها المادية، التي زادت في سوئها أزمة الكساد الكبير في أواخر عشرينيات القرن الماضي، كما عانت من تردي الأوضاع المعنوية فيها نتيجة الهزيمة الحربية والاضطرار لدفع الغرامة، مما جعل الألماني يعاني من الفقر والذل معا، ويضاف إلى ذلك عامل آخر، وهو كون الفكر القومي عموما، والآري العنصري المتطرف خصوصا كان له انتشار واسع في القرن التاسع عشر، ولاسيما في نصفه الثاني، وقد استمر هذا إلى القرن العشرين.

أما عن العقائد التي تجيز القوة، ولكن لا تتبنى العنف، فيمكن أن نذكر الإسلام كدين، والشيوعية كأيديولوجيا.

الإسلام دين عالمي مفتوح لكل الناس، والله فيه هو الرحمن الرحيم، وهو رب العالمين، وفي الإسلام لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، والناس بالنسبة إلى المسلم، إما أخ في الدين أو نظير في الخلق، وتسمية "الإسلام" نفسها تشترك في جذرها الاشتقاقي مع "السلام"، وليس ثمة تحية في العالم أجمل من التحية الإسلامية المعروفة: "السلام عليكم"، وجوابها: "وعليكم السلام".

وفي الإسلام ليس ثمة إله يسمى "رب الجنود"([3])، وليس عند الله شعب مختار سلاليا وعرقيا وعنده الضوء الأخضر، لفعل ما يشاء ضد الآخرين كما في اليهودية؛ فالناس كلهم مخلوقون من ذكر وأنثى ليتعارفوا وأكرمهم عند الله أتقاهم، وقوله تعالى: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ" مرتبط إسلاميا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإسلام في موقفه من الآخرين في قوله تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ "، وقوله أيضا: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

لكن ماذا عن الجهاد؟

الجهاد فريضة في الإسلام، فهل يمكن ربط العنف في العالم الإسلامي بفريضة الجهاد؟

للجهاد في الإسلام ضوابط جد حازمة، والغاية المبدئية منه هي الانتصار للخير والحق ومحاربة الشر والباطل، وهو لا يهدف قطعا إلى التطهير العرقي كالعنف الإسرائيلي، ولا إلى استعباد الآخرين كالعنف النازي.

هذا من حيث المبدأ، لكن الواقع دائما شيء آخر، وحال الإسلام - وبدقة أكثر واقع المسلمين - يتشابه مع الأديان الأخرى والعقائد الوضعية، وهذا الحال يجب قراءته في سياقه التاريخي وربطه مع محيطه الموضوعي بكل ما فيه من عوامل داخلية وخارجية وعلى كافة الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فما يكتنف العالم الإسلامي اليوم من عنف، لا يعود بتاتا إلى عوامل ذاتية خاصة بالإسلام كدين، بل هو عائد إلى عوامل موضوعية تؤثر بأكبر القوى على المجتمعات الإسلامية، ولو أثرت على مجتمعات أخرى لأنتجت عنفا مشابها للعنف الناتج في هذه المجتمعات الإسلامية.

دعونا ننظر إلى المسيحية، وهي دين سلمي ليس فيه أية عقائد جهادية من حيث المبدأ، ولكن هذا لم يمنع المسيحيين في كل زمان ومكان من حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم كلما دعت الحاجة، وهذا أمر مشروع بالكامل، كما أنه لم يمنعهم في كثير من الأحوال من حمل السلاح لاضطهاد الآخرين والعدوان عليهم، بل ولاضطهاد بعضهم البعض، وتاريخ الكنائس حافل بتهم الهرطقة، والهراطقة كثيرا ما كانوا يُحرقون، كما تكثر فيه حالات اضطهاد العلماء، وبالصراعات المذهبية، والاعتداء على الشعوب الأخرى كما حدث في الحملات الصليبية، وفي الحملات الاستعمارية التي شنت على معظم شعوب العالمين القديم والجديد، وهذا كله كان يباركه أكثرية رجال الدين المسيحيين، بل ويتبناه الكثيرون منهم! فهل المشكلة في المسيحية نفسها، أي في تعاليم يسوع المسيح؟ الجواب لا.. فهذه التعاليم تنبذ العنف وتتمحور حول المحبة والسلام، والمسؤول عن ذلك العنف هم المسيحيون، ولكن ليس بصفتهم الذاتية كمسيحيين، بل بصفتهم كبشر تواجدوا في ظروف مناسبة لجعلهم عدوانيين وعنيفين في علاقاتهم مع سواهم، ومؤاتية لتحريف المعتقدات المسيحية واستغلالها في ذلك.

وحال الشيوعية لا يختلف، وهي الأيديولوجيا الوضعية، فهي من حيث المبدأ تسعى لإقامة المجتمع الاشتراكي العادل والمتآخي مع غيره من المجتمعات في ظل الأممية الإنسانية، وهي تجيز اللجوء إلى القوة - أو ما يسمى بالشرعية الثورية - فقط لدفاع الطبقات الكادحة عن نفسها ضد عنف السلطة الطبقية، أو لإسقاط هذه السلطة الظالمة بهدف إقامة المجتمع اللاطبقي العادل، أو للدفاع عن المجتمع الاشتراكي ضد العدوان الخارجي، لكن فعليا ارتكبت الكثير من الجرائم والفظائع في التاريخ الشيوعي، ليس لأن ماركس وإنجلز ولينين أو غيرهم من فلاسفة ومفكري الشيوعية أوصوا بها، بل لأن ظروفا موضوعية توفرت.. ولأن شخصيات محددة استغلت هذه الظروف واستغلت المبادئ الشيوعية فيها لارتكاب تلك الفظائع خدمة لمصالحها أو تلبية لعقدها ولأوهامها.

والعنف الإسلامي هو كأي عنف آخر، حصيلة مجموعة من العوامل التاريخية والواقعية وحسب، ويجب قراءته وتحليله في سياقه التاريخي وحاضره الموضوعي، وعدم ربطه بالدين الإسلامي ربطا جذريا وحصره فيه.

ثمة واقع وإرث متخلف في الواقع الإسلامي، وهذه حقيقة لا مراء فيها، فبعد تفكك وانهيار الخلافة الإسلامية، ووقوع معظم العالم الإسلامي تحت السيطرة العثمانية، أخذ الواقع الإسلامي يتدهور على كافة الصعد فيما كان العكس يحدث على الساحة الأوروبية، وعندما بدأ العرب ينهضون مجددا اصطدموا بالاستعمار الأوروبي الذي أجهض كل محاولات النهضة العربية، منذ احتلال نابليون لمصر وصولا إلى احتلال فلسطين من قبل الصهاينة، وما تخلل ذلك من تقسيم وشرذمة للعالم العربي، وتكريس للبنى ما دون الشعبية، وما دون الوطنية، من قبلية وعشائرية وطائفية وما شابه، وحتى اليوم ما يزال العدوان الغربي مستمرا، وما يزال إجهاض المحاولات النهضوية قائما، إما عبر الدعم اللامحدود للكيان الصهيوني، أو بدعم الديكتاتوريات العربية الخادمة لمصالح الغرب، أو بالهجوم المباشر على الديكتاتوريات الأخرى التي تتناقض مصالحها مع مصالحه، أو غير المباشر باستخدام قوى تكفيرية وإرهابية.

وإضافة إلى العدوان الغربي، هناك العدوان الإقليمي الذي تقوم به بعض دول الجوار ضد العرب، فتتدخل في شؤونهم وتتلاعب بأوضاعهم مستغلة واقعهم المتردي وظروفهم الطائفية والعشائرية والعرقية.

وبالطبع يبقى المتهم الأكبر هو الأنظمة السلطانية العربية، القائمة على الاستبداد، الناشرة للظلم والفساد، المتحالفة مع مخلفات القرون من البنى الاجتماعية المكرسة للتخلف، ومع القوى الاقتصادية القائمة على الاستغلال أو المكرسة للتبعية، والمرعية - أي هذه الأنظمة - من قبل رعاة إقليميين ودوليين تتوافق مصالحها مع مصالحهم، والتابعة لهم في لعبتهم مع الآخرين من أمثالهم .. وفي صراعاتهم ذات الكلف الباهظة معهم، وكل هذا على حساب الشعوب العربية، وبما يتناقض جذريا مع مصالحها.

في خضم كل هذا، يجد العربي المسلم نفسه في معظم الأحيان فقيرا محروما، وعموما مقموعا مهانا في إنسانيته داخليا، ومهانا ومعتدى عليه في قوميته ودينه خارجيا غالبا، ويجد نفسه في بيئة يتفشى فيها الجهل وتتدنى فيها الثقافة، ويحارَب فيها العلم والعقل من قبل سلاطين الحكم والدين والمجتمع تخوينا وتكفيرا وتعهيرا بشكل يكاد يكون دائما، وبنفس الوقت يجد نفسه محاصرا بفيوض من الدعاية والتسويق الثقافي لثقافات التخلف، وثقافات الاستهلاك والتسطح، وللتحريض العنصري المذهبي والطائفي المبرمج، وللدعاية الهدامة الممنهجة للحقد والكراهية والقضاء على الآخر، فهل من الغريب مع كل هذا أن تتنامى وتتفاقم نزعة العنف عند هذا الشخص، وتجعله خامة جد مناسبة للتجنيد في صفوف الإرهاب والتكفير الدموي المنظمين؟!

خلاصة

إن أية عقيدة أو أيديولوجيا - سواء كانت تجيز القوة أو تتبنى العنف - لا يمكنها أن تنتج عنفا بالقدر الكافي كميا وكيفيا مناسبا للاستثمار السياسي، إلا إذا أحيطت بالظروف الموضوعية المتردية اللازمة، فالظروف المتردية غالبا ما تنتج العقائد المتردية المناسبة لها، وهذا يمكن أن يحدث، إما بإنشاء عقائد متطرفة لا وجود سابق لها من الأساس، أو بإنشاء نسخ مشوهة من عقائد موجودة، وحركات العنف الإسلامية هي استجابة موضوعية للظروف المتردية في مجتمعاتها، وهي ليست قطعا ظاهرة خاصة بالإسلام كدين، ولا بالعالم الإسلامي وحده، وحين يوجد مثل هذا التردي في مجتمعات غير إسلامية فلا يختلف الوضع كثيرا، والعنف الناتج مماثل.. وإن اختلفت العقيدة أو الأيديولوجيا، وكشاهد على هذا الكلام يمكننا ذكر المذابح الجماعية في الحرب بين قبائل الهوتو والتوتسي في رواندا في إفريقيا عام 1994، التي قتل قيها خلال مئة يوم فقط نحو 800 ألف شخص من أقلية التوتسي على يد متطرفي الهوتو، هذا إضافة إلى مئات الآلاف التي قتلت من الجانبين في الصراعات السابقة في رواندا وجوارها، وكل من الهوتو والتوتسي غالبيتهم مسيحيون، ونسبة المسلمين هناك قليلة (بحدود 5% حسب إحصائيات عام 2001)، وقد وقفوا على الحياد في هذه الحرب، التي كان سببها بشكل رئيس تردي أحوال غالبية الهوتو عموما، واستئثار أقلية التوتسي بالنفوذ، وهذا الوضع لعب فيه الاستعمار البلجيكي السابق لرواندا دورا أساسيا، فهو الذي نشط الانقسام العرقي وعززه، وقضى على حالة التقارب والتعايش والاندماج التدريجي التي كانت تجري بين القبيلتين.

العالم - حتى اليوم، وبكل ثقافاته - لم يخل بعد من العناصر العنصرية والمتعصبة، وهؤلاء موجودون في كل مكان، وبقدر ما تتردى الظروف المحيطة بهم يزداد عددهم، ويكبر دورهم، ويزداد عدد الآذان الصاغية والأذهان الطائعة لهم من عوام شعوبهم، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، وهؤلاء العنصريون والمتعصبون كثيرا ما يجرّون - بدرجة أو بأخرى - عقائد ذات مبادئ وشعارات رفيعة، ويدفعونها في الاتجاه المناقض لغاياتها، ليجعلوا منها مصدرا أساسيا للعنف يضاف إلى العنف الناتج عن الواقع المعاشي المتدهور، بدلا من أن تلعب هذه العقائد دورها الكابح للعنف.. والمانع لنموه.

و لذا يجب على كل من لديه إرادة صادقة لمحاربة العنف والتطرف، أن يعي أسبابه الحقيقية، وأن يرى دور الواقع المعيشي بكل جوانبه في ذلك، قبل أن ينظر إلى الدور الذي تلعبه المعتقدات والأيديولوجيات، وأن يسعى إلى تغيير هذا الواقع جذريا نحو الأفضل، أما من يربط العنف والتطرف بالمعتقدات فقط، فهو إما كاذب أو واهم، ومحاولاته المبنية للتصدي على أي من هذين الأساسين لن تثمر إلا المزيد من العنف والتطرف.

[1]- نشر هذا المقال في مجلة ذوات الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، عدد 33

[2]- غوييم (goyim) وهي صيغة جمع مفردها (goy)، وتعني بالعبرية حرفيا "شعب أو أمة"، لكن يهوديا ينقسم الناس إلى "يهود" وهم شعب الله المختار، و"غوييم"، وهم بقية الشعوب، وهم جميعا - كما يعتقد اليهود - في قطيعة مع الله، وهم بالتالي كفرة ومنحطون ونجسون، وعلى اليهود ألا يتعاملوا نهائيا معهم كحد أدنى، وأن يقتلوهم إن اقتضى الأمر حسب ما يحلل التلمود.

[3]- رب الجنود، أو رب المحاربين، وهي بالعبرية (Savaof)، هي إحدى التسميات الشائعة لله في أسفار اليهود.