Menu
حضارة

كشف المستور في العدوان الثلاثي على سوريا

قلم

بقلم / رضي الموسوي

قبل أكثر من ثلاثين عاما، رسم الفنان الفلسطيني الكبير الشهيد ناجي العلي رسما كاريكاتوريا صور فيه جماعات من النظام الرسمي العربي وعيونهم شاخصة الى جريدة فيها خبر عن تهديد الكيان الصهيوني لسورية. قال أحدهم: اذا هجمت اسرائيل على سوريا، لازم نهجم. جاءه الرد السريع من الباقي: حدد..على مين نهجم؟!

 هذا الكاريكاتير يتداول بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعي قبل وبعد العدوان على سوريا، وذلك تنذرا على الحالة المزرية التي وصلت اليها المنظومة الرسمية العربية وجامعتها العتيدة.

بعد أن تأكدت الدول الثلاث، أمريكا وبريطانيا وفرنسا، أن رد النظام الرسمي العربي على العدوان الصهيوني على سوريا كان مساويًا صفرًا على الشمال، حيث كان الصمت الرسمي العربي سيد الموقف الذي امتزج بتواطؤ واضح من قبل البعض، وبعد أن أيقنت العواصم الكبرى الثلاث أن نتيجة أي عدوان تقوم به لن تصاحبه أي ردود فعل من الجانب الرسمي العربي الذي طبق مبدأ "فاقد الشيء لايعطيه"، ولأن هذا النظام عاجز عن القيام بمهامه الأولية في حدودها الدنيا..بعد كل ذلك أقدمت الدول الثلاث على عدوانها مطمئنة إلى أن هناك من يقف معها من الأنظمة العربية في تدمير سوريا وأي دولة عربية أخرى.

إذن، هو انهيار النظام الرسمي العربي الذي ضيّع بوصلته منذ عدة عقود ولم يعد يعرف أصدقاءه من أعدائه ولم تعد القضية الفلسطينية من أولوياته إلا إذا أراد هذا النظام تنازلاً قاسيا من أصحاب الأرض الفلسطينيين، كالتنازل عن حق عودة اللاجئين إلى أراضيهم والتخلّي عن القدس كعاصمة لدولتهم وموافقتهم على اقتطاع المزيد من أراضيهم وضمّها للكيان الصهيوني، حيث تطبخ مشروعات تصفية القضية الفلسطينية ليجرى التفرغ للأعداء الجدد. وبالتوازي، تتم عملية تزييت عجلة التطبيع مع الكيان بصورة رسمية بعد أن تم إرسال بالونات الاختبار تحت يافطات متعددة منها الزيارات الخاصة لرجالات محسوبين على هذا النظام أو ذاك، والجولات "السياحية" التي تنادي علنا بالتطبيع، وحوار الأديان، فضلاً عن فتح الإعلام الرسمي وشبه الرسمي لكل عاقٍّ ينكر الحق الفلسطيني!!

في ضوء هذه المعطيات شنّت الدول الثلاث العدوان الثلاثي بسرعة البرق وأعلنت نهايته بعد أقل من ساعة من إرسال الصواريخ المجنّحة والقاذفات وإسقاطها فوق الأراضي السورية، بعد أن تمت عرقلة مجلس الأمن الدولي في استصدار قرار متوازن بشأن السلاح الكيماوي المتهم باستخدامه الجيش السوري في مدينة دوما بالغوطة الشرقية، حيث سارعت الدول الثلاث لتنفيذ عدوانها قبل وصول منظمة حظر السلاح الكيماوي إلى سوريا. دوما كانت المدينة المتبقية من الغوطة الشرقية، وكانت حينها تحت سيطرة جيش الإسلام المحاصر من جميع الجهات والمهزوم عسكريًا بسبب هذا الحصار والاقتتال بين فصائله، فهل كان الجيش السوري وحلفاؤه بهذا المستوى من الغباء السياسي ليفتحوا لهم جبهة عالمية في معركة محسومة نتيجتها سلفا؟!

جيش الإسلام كان واقعيًا وسلّم أمره ووافق على خروج مسلحيه من الغوطة لتفادي مفرمة لن يكون وحده ضحيتها بل الاف السوريين الابرياء الذين كانوا في دوما. لقد كانت دول العدوان في عجلة من أمرها لتوجيه الضربات "المحدودة"، وكان مسئولو العواصم الثلاث مرهقين صبيحة تنفيذ الضربات، وقد كان ذلك واضحا على تصرفات رئيسة الوزراء البريطانية التي عقدت مؤتمرًا صحفيًا بعد ساعات قليلة، شربت خلاله لترات كثيرة من المياه وهي ترد على أسئلة الصحافيين، وكأنها تقر بفداحة ما عملت مع حليفيها ترامب وماكرون، وكأنهم، أيضا، يقرون بخطأ تجاوز وفد منظمة حظر السلاح الكيماوي. لم يُجرِ تحقيقاً يُذكر حول من استخدم السلاح الكيماوي، هذا إذا كان هناك كيماويٌ تم استخدامه فعلاً، حيث تضاربت الأنباء وتسربت معلومات تفيد بأنه وقع في أيدي الجيش السوري تسجيل فيديو وجده عند بعض مسلحي الغوطة تبيّن أن الكيماوي ليس إلا مسرحية تم إخراجها على عجل لتبرير العدوان الذي حصل فجر الرابع عشر من أبريل/ نيسان الجاري. تبنّت الدول الثلاث رواية ما يشاع أنها مسرحية واعتبرت المتهم (النظام السوري) مذنباً حتى تثبت براءته، وهذا ما بدا يتسرب من الفرنسيين الذين قالوا إن معلوماتهم بُنيت على ما يجرى تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي(!). هم لم يحققوا في مزاعم استخدام غاز الكلور أو غاز السارين ولم ينتظروا المحققين الأمميين لتقديم تقرير بهذا الخصوص، بل وجهوا ضربة بناءً على معلومات استخباراتية شارك في صياغتها وتوجيهها الكيان الصهيوني. هذا الاتهام يعيد إلى الأذهان ما قام به وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول أمام مجلس الأمن الدولي لتبرير احتلال العراق في عام 2003، حين ادعى أن نظام صدام حسين يملك أسلحة الدمار الشامل رغم نتائج التقرير الدولي الذي قامت به منظمة الطاقة الذرية وأكدت فيه أن العراق خال من هذا النوع من الأسلحة. قدم باول حينها مسرحية فاشلة واستدعى بعض الرسومات ومجسمات وصور ملفقة قال إنها للأسلحة التي يخبؤها النظام العراقي، لتبرير احتلال العراق وتنفيذ مخططات المحافظين الجدد الذين زادت شهواتهم للاعتداء والاحتلال بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. تبريرات العدوان على سوريا لم تنطلِ على أحد رغم البلدوزرات الإعلامية التي تحاول إقناع المتلقي بصحة ما ذهبت إليه العواصم الثلاث، وتمثلت ردود الفعل الاولى في خروج المظاهرات في مختلف دول العالم قبل وبعد العدوان وخصوصا في الولايات المتحدة وفرنسا وأمريكا اللاتينية وبعض الدول العربي، احتجاجا ورفضا لاستباحة الاراضي السورية.

إن أغلب التقييمات التي خرجت من الدول الغربية ومن الكيان الصهيوني نفسه تفيد بمحدودية العدوان وعدم وصوله إلى نتائج محرزة لأسباب كثيرة منها الاحترازات التي قام بها الجيش السوري الذي يقال أن قيادته تسلّمت إيعازات روسية بتحريك قطعه العسكرية من بنك الأهداف الذي وضعته دول العدوان، فضلا عن تهديدات حلفاء الحكومة السورية التي أكدت على أن التداعيات وردود الفعل لن تبقى في إطار السيطرة في حال العدوان الواسع، وكانت العين تؤشر على الكيان الصهيوني وعلى الولايات المتحدة التي تنشر قواعدها العسكرية في كثير من الدول.

يبدو أن الموقف الرسمي العربي قد فقد القدرة حتى على التعبير عن مواقفه، فأعلن تأييده العدوان في بعض المواقع بينما اكتفت مواقع أخرى على التفرج وكأن شيئا لم يكن، وكلا الموقفين يعكسان حال الأمة والدرك الذي وصلت إليه.. ولهذا وقفة أخرى.

لكننا والحال هذه ينبغي التأكيد على أن العدوان لايعدو كونه بلطجة، رغم محدوديته، استباحت الأراضي السورية في ظل الصمت الرسمي العربي وجامعته التي فقدت مبرر وجودها، حيث تحولت الى مؤسسة علاقات عامة فاشلة في الترويج لبرامجها.

خلاصة القول أنه لا ينبغي خلط الأوراق في الأزمة السورية. فما جرى هو عدوان سافر مس دولة ذات سيادة عضو في هيئة الامم المتحدة، وقد تم العدوان بناءا على معلومات غير دقيقة وبتحريض صهيوني صريح وقد سارع الى تأييده وطالب رئيس وزراءه بالمزيد منه، فيما كان الاعلام الصهيوني يصف العدوان بأنه كان "محدودا وفاشلا". كما ان الاعلام الفرنسي لم يلتفت الى تصريحات الرئيس الفرنسي بعد ثلاثة ايام من العدوان والذي زعم فيها ان "الهجمات حققت اهدافها وقضت على الأسلحة الكيماوية في سوريا"، متماشيا في ذلك مع رئيسة الوزراء البريطانية والرئيس الامريكي.

كما ينبغي التأكيد على أن ما بين استبداد النظم ضد شعوبها وبين العدوان على بلدانها يتوجب الوقوف ضد أي اعتداء خارجي بتوحيد صفوف الجبهة الداخلية ضد الخطر القادم من وراء البحر، وقد قام الزعيم الصيني ماوتسي تونغ بالتحالف مع نظام شيانج كاي شيك لمواجهة الإحتلال الياباني، فتحول الصراع الرئيسي مع الكومنتانغ إلى صراع ثانوي وتم تصعيد مواجهة الاحتلال الياباني الى صراع رئيسي، حتى هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية وعلى الاراضي الصينية بفضل توحيد الجبهة الداخلية ضد المستعمر الياباني. وما حدث في سوريا من عدوان صهيوني وعدوان ثلاثي هو الصراع الرئيسي الآن، خصوصا في ظل تزاحم القوى الأجنبية فوق الاراضي السورية بما فيها عشرات آلاف الإرهابيين الذين قدموا من مائة دولة، فضلا عن تمزق الدولة الى مناطق نفوذ للقوى الاجنبية التي لم تأتي لسواد عيون السوريين بمختلف انتماءاتهم السياسية والأيدلوجية، انما جاءت تلك الجيوش تنفيذا لمشاريعها وحفاظا على مصالحها الاستراتيجية في سوريا وحوض البحر المتوسط والمنطقة.