Menu
حضارة

حالة تلَبُس .. الجامعة الإسلامية بغزة

بقلم / محمود جودة

 كان ذلك في عام 2004 تمامًا أمام العيادة الداخلية في الجامعة ذات الحوائط الخضراء، كانت تقيم هناك بشكل دائم مجموعة كبيرة من أشجار الورد الجوري البلدي صاحب اللون الأحمر، كان المنظر بديع والزهور المتفتحة كثيرة جدًا بحيث لو قُطِفَتتْ عشر زهرات لن يتأثر المنظر أبدًا، ولن يشعر أحد بأي فرق.

حينها فكّرت بسرعة واقتحمت المكان وقطعتُ خلوة الورد، وأنا أقطف إحدى الزهرات المُتفتحة أمسكَ بي أحد حراس الجامعة وأخذني من يدي إلى خارج الحديقة الصغيرة وسألني بازدراء واضح: ألم تقرأ ما هو مكتوب على اليافطة هذه وأشار بيده، كان مكتوبًا عليها (من يقطف وردة سيُغرّم دينار).

قلت له: نعم لقد قرأتها، وقد أحضرت معي دينارين، لأنني بحاجة إلى وردتين. وقتها كان معي صديقي الذي يدرس في الجامعة الإسلامية، ولكنه ابتعد خوفًا من أن أتسبب له بمشكلة، سيّما إنني أدرس في جامعة الأزهر جارتها ولست من طلاب الجامعة الإسلامية، وربما في هذا خلاص لي وورطة له.
لم يطل الصمت طويلًا حتي عاود الحارس سؤالي بسخرية، هل تستهزئ بقولك أنكَ أحضرت دينارين ؟!

- أبدًا والله، فأنا ألتزم بدفع الغرامة المكتوبة فقط، احتدَّ الحارس بالقول، وكأن قرودًا تتنطط أمامه، حتى خرجَ من العيادة طبيب مشهورًا جدًا في الجامعة وهو من قيادات  حركة حماس  حينها وقد استشهد في عملية اغتيال اسرائيلية فيما بعد - وأثناء مشيته المَهيبة عَرجَ علينا ليرى ما يحدث من عِراك لفظي، فسأل الحارس الذي يُمسك بيدي: خير .. شو في .. مالكم ؟

فردّ عليه الحارس: هذا الطالب يا دكتور، يستهزئ بي ويقول: لقد أحضر دينارين لكي يقطف بهما وردتين، كان لحارس يتحدث وهو مغتاظ جدًا، ولو كان الأمر بيده لزرعني مكان الشجرة، فالحمد لله أن الأمر لم يكن بيده، وبعد أن سكت الحارس، تبسّم الطبيب ولم يستطع أن يمسكَ نفسه عن الضحك، وما إن لَمْلَم ابتسامته حتى سألني: يا ابني لشو بدك الورد؟!

قلت له: أبداً، إنَّ الورد ليس لي، إنه لصديق يدرس في الجامعة الإسلامية، وطلب منّي وردتين ليهديهما لحبيبته، فاليوم هو عيد ميلادها، ولا يوجد في جامعة الأزهر كلها شجرة ورد واحدة، ولو كان فيها لخلعت له الشجرة كلها، وكما تعلم أيضًا لا توجد محال قريبة لبيع الورود الطازجة هنا، وإن وجدنا، فلا نقدر على ثمنها!
فسألني وهو ينظر للوردة التي في يدي ويبتسم: ألا تكفي وردة واحدة؟
قلت: إن شاء الله تكفي! فوضع يده على رأسي، وقال لي: اذهب إذًا واعطها لصديقك قبل أن تذبل ..
ذهبتُ مُسرعًا وأنا أشم الوردة، وأنظر إلى الحارس وأبتسم، وأتحسس جيبي الذي يحتوي على بضع "فكّة"، ربما لا تكفي كي أعود إلى المنزل في المساء.