Menu
حضارة

"الفرد" المنسي في نظريات التنمية وفي سياساتها

صورة تعبيرية

بقلم / رشيد أوراز

تشاؤم عالمي

في شهر يونيو/ حزيران 2015 كتب الاقتصادي الأمريكي المعروف بول كروغمان Paul Krugman (نوبل 2008) مقالاً في زاويته في صحيفة "نيويورك تايمز" تحت عنوان "الأميركي.. لا يشعر بالأمان"[2]، ليصف حال المواطن الأمريكي في ظل الأزمات والركود الذي تحمله نشرات الأخبار إلى كل البيوت كل يوم. لكن إذا كان هذا هو حال المواطن الأمريكي الذي يعيش في ظل أقوى اقتصاد في العالم، فكيف سيكون حال أي مواطن آخر في عالم اليوم؟ وكيف هو حال المواطن العربي أيضا؟

في القارة الأوروبية، التي اخترع فيها النظام المصرفي الحديث، وحدثت فيها أولى الثورات السياسية التي فتحت الباب أمام نشأة الحداثة والديمقراطيات الحديثة، البلدان التي بدأت فيها الثورة المؤسساتية الحديثة، والثورة الزراعية، والثورة الصناعية، لم تفلت بدورها من الركود الاقتصادي، والأزمات المالية المتتالية، وأزمات الموازنة الحادة التي تضرب بعض البلدان وتهدد بقاءها ضمن المنظومة الأوروبية، مثل ما يقع لليونان هذه الأيام.

وفي إيطاليا أيضاً، إحدى الاقتصاديات الأوروبية الكبرى، والتي تأثرت بالأزمة المالية التي ضربت العالم الغربي وبقية العالم سنة 2008، كتب المحلل الاقتصادي الإيطالي بأحد معاهد جامعة هارفارد إدواردو كامبانيلا قائلا: "تسببت العولمة، ونظام التعليم المتدني الجودة، والمؤسسات الضعيفة في توليد عدم اليقين وانعدام الإحساس بالأمان بين الشباب، وبالتالي تهدد كل هذه العوامل توقعات النمو في إيطاليا ـ واحتمالات تعويض أجيال المستقبل عندما تتقدم في السن عن حياة كاملة من العمل الشاق والتضحيات". (شباب بلا عمل، بروجكت سينديكيت، 2010)[3] إنها إذن أحد المؤشرات على عمق الأزمة وشموليتها في بعض المجتمعات الغربية.

أما في العالم العربي، فقد أقدم شاب تونسي على إحراق نفسه سنة 2011 دفاعاً عن حقه في ممارسة حريته الاقتصادية في البيع والشراء والتملك، وهي من الحقوق الأساسية للإنسان، والتي يعاني المواطن العربي فقدانها في ظل أنظمة شمولية متسلطة تمنع الفرد العربي من التصرف وفق اختياراته الاقتصادية الحرة، وما الشرارة التي انطلقت من تونس وعمت كثيراً من البلدان إلا إشارة على نهاية أسطورة "التنمية مقابل الاستبداد" أو "المستبد الذي يخلق الاستقرار عن طريق التنمية"، وليس نهايتها فقط، بل بين ذلك زيفها أيضا.

إن الشخص الذي ألقى بالنار في برميل البارود هو أولا وقبل كل شيء، شاب تخرج من مدارس تونس، لكن الوضع المؤسساتي (سواء المؤسسات الاقتصادية أو السياسية) لم يمنح له ما يكفي من الخيارات، لينجح في حياته الخاصة، وليستمر بالعيش بناء على اختياراته الفردانية ومبادراته الحرة. وأضافت الإهانة التي تعرض لها من طرف من يمثل السلطة بنزع عربته وصفعه سبباً مباشراً لكي ينفجر في وجه هذا النظام المبني على الإقصاء واللاعدالة. إن هذا الشاب التونسي وضع أخيراً بقية الشباب في كل البلدان العربية أمام مصيرهم المشترك؛ الثورة على البنية التقليدية الريعية والمنحازة لبعض الأقليات المستفيدة اقتصاديا من قربها من السلطة.

لماذا ثار العالم العربي؟

إن الدولة الحديثة تحتكر العنف كما قال ماكس فيبر Max Weber، وتبني المؤسسات التي تمتص العنف من المجتمع وتوفر للأفراد القدرة على التعايش والتنافس والإبداع. إن الدولة الحديثة نتيجة انتقال تدرجي بالمجتمعات من مرحلتها الطبيعية، حيث تحتكر الجماعات القوية وذات النفوذ حرية استعمال العنف وتصريفه بوسائل تعتبر شرعية في نظر البعض، إلى دولة المؤسسات (يسميها دوغلاس نورث وآخرون Douglass North et al. المجتمعات ذات الولوج المفتوح)[4] التي تمكن جميع الأفراد من الوسائل التي تضمن حرياتهم كأفراد مواطنين، وتمنح لهم عددا مهما من الفرص بشكل متساو.

لكن هذه الدولة لم تولد أبداً في العالم العربي، فهذه المجتمعات لم تستفد من المؤسسات الديمقراطية الكفيلة بضمان ازدهار اقتصادي واجتماعي حقيقي، مؤسسات ديمقراطية تحجم تصرفات الأشخاص ذوي النزعات الديكتاتورية والمستبدة، مؤسسات تنقل هذه المجتمعات من الحالة الطبيعية التي تخترقها أوهام القبيلة والحزب والزاوية والطائفة إلى مجتمع حديث متقدم ومزدهر. ويعد هذا الوضع الراكد سبباً مباشراً وراء انغلاق أبواب المستقبل أمام كل فئات المجتمع التي عانت من الركود الاقتصادي والفقر خلال العقود الستة الأخيرة، وهو وضع انفجر في شكل ثورات وانتفاضات لما بلغت الكتلة الحرجة المطالبة بالتغيير حجما لم يعد بإمكان الأنظمة الشمولية القائمة استيعابه أو قمعه أو الوقوف أمام إرادته في التغيير.

إن انفجار الأوضاع في العالم العربي يرتبط أساساً بفشل الدولة في ضمان المؤسسات الديمقراطية، وبفشلها في ضمان التنمية الاقتصادية. إنها مشكلة لها جذور سياسية وتمظهرات اقتصادية. ولما يلتقي الفشل على المستوى السياسي بالفشل على المستوى الاقتصادي، فلا يمكن إلا أن يكون الانفجار ثورياً يهز البنى السياسية والقواعد الاجتماعية المبنية على أسس لا تضمن تكافؤ الفرص وحرية ولوج الأفراد الجدد لمؤسسات المجتمع.

عاطلون عن العمل أم مهاجرون سريون؟

سنة 2001 أصدر ويليام إيسترلي William Easterly، الاقتصادي والخبير في البنك الدولي كتاباً بعنوان "بحث بعيد المنال عن النمو"[5] وأثار ضجة بين الاقتصاديين، ثم طرد إيسترلي على إثر ذلك من البنك الدولي، لأن الكتاب اعتبر نقداً لاذعاً لسياسات هذه المؤسسة المالية الدولية التي تتجه لدعم الحكومات الديكتاتورية التي تدعي تحقيق التنمية حسب مؤلف الكتاب، وهي في الواقع لا تقوم إلا بإعادة إنتاج الفقر، بينما تذهب أموال الدعم والمساعدات إلى جيوب الديكتاتوريين وعائلاتهم والمتحالفين معهم. الكتاب كان فضحاً لسياسات اقتصادية لمؤسسة مكبلة أولا وقبل كل شيء بسياسات بيروقراطييها الذين تلتقي مصالحهم بمصالح الحكام الديكتاتوريين الذين يعزفون أسطوانة "الاستقرار من أجل التنمية". هذا الكتاب ترجم إلى الفرنسية تحت عنوان دال: "هل أدينت الدول الفقيرة بالبقاء في الفقر؟"[6]، وهو عنوان معبر جدا عن واقع الحال.

أطروحة إيسترلي في غاية البساطة؛ في ظل غياب حكم القانون والديمقراطية والتداول السلمي على السلطة (المؤسسات السياسية الحرة) يفقد الأفراد الأمل بالمستقبل، ويفقدون معه "المحفزات" على التعلم والتكوين والابتكار، وينزلقون بذلك في هوة سحيقة من التشاؤم وفقدان الثقة في المؤسسات السياسية والاقتصادية لبلدانهم، بل يصطدمون بها لكونها مؤسسات إقصائية تمنعهم من الانخراط في الدينامية الاجتماعية. إن هؤلاء الشباب يتحولون في نظر إيسترلي إلى مشاريع للهجرة السرية وجيش من العاطلين عن العمل. وبما أنهم في الأغلب الأعم شباب، فهم بالتالي قنابل موقوتة قابلة للانفجار، ولا شك أن هذا الكتاب، كما أعمال إيسترلي الأخرى، وضعت نصب أعينها ما يجري في المنطقة العربية قيد التحليل والتمحيص والدرس.

طغيان الخبراء

عاد وليام إيسترلي إلى القراء والباحثين بكتاب جديد سنة 2014، الكتاب الذي يحمل عنوان "طغيان الخبراء: الاقتصاديون والطغاة وحقوق الفقراء المنسية"[7] كان محاولة جديدة لتشريح بنية اقتصاد التنمية، ووضع عدد من فرضياته تحت ضوء النقد. لم يقف ايسترلي عند حد ما يجري في الواقع العملي، بل بين أن بعض سياسات التنمية المتبعة تجد لها أصولاً في النظرية الاقتصادية، ولها اقتصاديوها المدافعون عنها، كما أن لها جوائزها التي تصدر عن الأكاديمية السويسرية العريقة.

يفصل إيسترلي بين مقاربتين متضادتين لمعالجة مشكل التخلف الاقتصادي، مقاربتين تجدان لهما أصلا في نظريات "اقتصاد التنمية". يمثل كلا المقاربتين اسمين كبيرين في الاقتصاد السياسي، الأول فريدريك هايك Friedrich Hayek والثاني كونار ميردال Gunnar Myrdal، ففي ديسمبر 1974 وقفا معا أمام أكاديمية نوبل السويدية، ليحصلا مناصفة على جائزتها لذلك العام.

تتمثل مقاربة هايك في السماح للأسواق بتنسيق التعاملات بين الأفراد، إذ يرى هايك أن "الحقوق الفردية تمثل في حد ذاتها غاية، وفي الآن ذاته وسيلة يحل بها الأفراد الأحرار كثيرا من مشاكلهم داخل مجتمع حر"[8] (إيسترلي، 2014)، يعتقد هايك أن المبادرات الحرة للأفراد ستسمح بتوفير السلع العامة والخدمات العمومية عن طريق السوق والمنافسة الحرة بين المقاولين الاقتصاديين، إنها إذن طريقته الخاصة في حل معضلة التنمية الاقتصادية بمزيد من الحرية الفردية والتنافس في إطار أسواق حرة.

أما غريمه غونار ميردال، فله رأي مخالف تماماً بخصوص الطريقة التي تخرج بها المجتمعات من التخلف إلى الازدهار. فميردال يؤمن بالمقاربة "الحكومية"، التي تدعي تحل المشكلات الاقتصادية من أعلى، تلك المقاربة التي تؤمن بدور سلطوية الدولة والحلول السحرية لطبقة التكنوقراط، إنها إذن المقاربة التي تعتقد أن "هندسة المجتمع"[9] من طرف أقلية قليلة من الخبراء أمر ممكن، بل يمكن أن تحل به كل مشكلات التخلف الاقتصادي.

تتوفر مقاربة ميردال على أنصار كثر في دواليب حكومات الدول، فهي توفر لهم أولاً وقبل كل شيء كثيراً من السلطة وميزانيات ضخمة وعلاقات نفوذ واسعة، وقد تم اعتمادها في كل البلدان العربية خلال العقود الستة الأخيرة التي سبقت ثورات 2011.

إن الحكام العرب من دون استثناء بنوا سلطتهم وشرعيتهم على "تحقيق التنمية والازدهار"، ويسوقون وهماً للشعوب على أن ما تعيش فيه فعلاً، إنما هو ازدهار اقتصادي ورفاه ورخاء، ولا يمكن لهؤلاء الحكام أن يفشلوا في تحقيق تلك الوعود التي بنيت عليها شرعيتهم السياسية. ألم تكن تونس تعتبر نموذجا للتقدم الاقتصادي، بشهادة الإعلام بل وبعض المؤشرات الدولية أيضا، إلى أن بينت ثورة 2011 أن ذلك لم يكن سوى كذبة كبرى؟ بل تزييفا لوعي الشعب التونسي الذي أيقضه أنين شبابه من سباته العميق ومن أسطورة تنميته التي يرافقها خوفه المركب الذي بني بشكل محكم خلال سنوات طويلة؟

الديمقراطية أو التنمية، أم هما معا؟

تؤدي مقاربة ميردال في نظر الحكام المتعطشين للسلطة بشكل مباشر إلى التضحية بالديمقراطية، فهذه الآلية الفعالة في تحقيق التناوب على السلطة سرعان ما ستصبح معرقلا للتنمية والاستقرار في أعين الخبراء البيروقراطيين، ما سيجعلهم في حلف واحد مع الحكام المستبدين الذين يكرهون الديمقراطية بحكم طبيعتهم السلطوية. إن الديمقراطية في نظرهم لا تتماشى وأهداف تحقيق التنمية الاقتصادية التي وعدوا بها الشعب، وبالتالي فلن تنجح خططهم إلا بالتضحية بالديمقراطية والانتخابات وتمثيل المواطنين في مؤسسات الدولة. إن أغلب الديكتاتوريات تصنع لها دوماً خبراء ومنظرين تستند على تصوراتهم التي تحتقر الأفراد وحرية الإرادة وتنظر إلى المجتمع من أعلى.

وجدت هذه المقاربة في عالمنا العربي أنصاراً كثراً خلال العقود الستة الماضية، وكان الاعتقاد السائد خلال هذه المدة الطويلة يقول إن "الديمقراطية لا تخدم التنمية الاقتصادية؛ لأنها تفتح الباب أمام التنافس السياسي وجموح الأفراد للفوضى والتدمير"، ووفق هذه الفكرة تأسس الاستبداد السياسي العربي الحديث، الذي وعد بالتنمية فورث الشعوب الفقر والهشاشة والتطرف والأمية والجهل. والحال أن بعض النظريات، يكون تأثيرها مدمراً في بعض البيئات الآسنة مثل بيئة مجتمعاتنا العربية فعلا.

قد لا يحصل الإجماع في قبيلة الاقتصاديين على أن الديمقراطية تؤدي إلى تنمية المجتمعات وتقدم اقتصاداتها، لكن لا أحد من الاقتصاديين الجديين أكدت أبحاثهم أن التضحية بالديمقراطية سيكون شرطاً من شروط التنمية والتقدم الاقتصادي، بل هناك فكرة في عرف هؤلاء تقول إن الديكتاتورية لا تعني شيئاً آخر غير الفساد والتوزيع العادل للفقر والبؤس والرشوة بين المواطنين.

إن الديمقراطية كما يقول تشارلز تيللي، الذي يعتبر أحد دارسيها الكبار، "تعتبر خيرا في ذاتها، لأنها إلى حد ما تعطي القدرة لجميع السكان في تقرير مصيرهم. وبصورة عامة، هي تخلص الناس العاديين من الطغيان والأذى الذين يسودان معظم أنظمة الحكم السياسية، إضافة إلى أنها في أغلب الأحوال توفر ظروف حياة أفضل، على الأقل حين يتعلق الأمر بالتعليم والعناية الصحية والحماية القانونية."[10] (تيللي، 2012). ولا شك أنها ثلاثة مكتسبات لم تستطع الديكتاتوريات توفيرها للمواطن العربي خلال العقود الستة الماضية؛ لأن المستبدين ليس بمقدورهم الالتزام بعدم نهب المجتمع كما قال عالم السياسة الأمريكي منصور أولسون Mancur Olson.[11]

يقول اللورد أكتون Lord Acton، صاحب المقولة المشهورة (كل سلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة) إن ”الضرر الوحيد المتغلغل في الديمقراطية هو استبداد الأغلبية، أو بالأحرى استبداد حزب بعينه، لا يمثل الأغلبية دوما، والذي ينجح في الانتخابات إما بالقوة أو بالخداع[12]، وهو خطر حذر منه المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل Alexis de Tocqueville فيما سماه بالاستبداد الديمقراطي، في نصه المعروف "هل بإمكان الديمقراطية أن تتحول إلى استبداد؟"[13]. إلا أن هذا النوع من الاستبداد يبدو أقل خطراً مقابل الاستبداد الذي عانت منه المجتمعات العربية، الذي تجسد في استبداد الفرد الواحد، استبداد الحاكم المطلق، الحاكم الذي يلغي الأمة ويحل محلها؛ الحاكم الطاغية.

أما في صفوف المعاصرين، يرى الاقتصادي داني رودريك Dani Rodrik من جامعتي برنستون وهارفارد، وهو أحد الباحثين الذين يهتمون بتطور المؤسسات ودراسة النمو الاقتصادي، أن الديمقراطية وسيلة ناجعة في مسلسل بناء مؤسسات متينة. ولا يمكن لأية أمة أن تضمن نموا اقتصاديا مستداما من دون أن تتمتع بمؤسسات متينة، إنها إذن أحد الشروط المهمة للتقدم الاقتصادي وللاستقرار السياسي والاجتماعي. وقد أثبتت عدة نظريات ونماذج في العلوم الاقتصادية والعلوم السياسية دور المؤسسات والقواعد في ضمان رخاء وازدهار الأمم؛ لا شك أن أهمها يتجسد في مجمل أعمال التيارين المعروفين تحت اسم "الاقتصاد المؤسساتي الجديد" و"مدرسة الخيار العام" الذين يتزعمهما طائفة من الباحثين المتخصصين في العلوم الاقتصادية والعلوم السياسية وعلى رأسهم: دوغلاس نورث Douglass North وجيمس بوكانان James Buchanan ورونالد كوز Ronald Coase وأوليفر وليامسون Oliver Williamson وإلينور أوستروم Elinor Ostrom وغيرهم.

أما دراسات الاقتصادي المتخصص في النمو ذاتي المنشأ روبرت بارو Robert Barro (1991، 1996)، فقد أثبتت وجود علاقة متينة بين الديمقراطية والنمو الاقتصادي[14]، بالإضافة إلى العوامل الكلاسيكية المعروفة (الرأسمال المادي والرأسمال البشري والخلق والإبداع والتقدم التكنولوجي)، وأكدت دراساته على أهمية الديموقراطية واحترام القانون في خلق النمو الاقتصادي بشكل مستدام[15]. وفي المنحى نفسه أكد تافاريس Tavares وفازيارغ Wacziarg أن الديمقراطية ذات تأثير إيجابي على النمو الاقتصادي عن طريق تراكم الرأسمال البشري وخفض فوارق الدخل[16]، كما أكد فينغ Feng (2003) أن "الديمقراطية تعزز النمو الاقتصادي عن طريق حماية حقوق الملكية الخاصة، ونشر التعليم، وتراكم الرأسمال الخاص، وخفض التفاوتات الطبقية وتسهيل الانتقال الديمغرافي"[17].

ومن جهتهما توصل بيتليك Pitlik وويرث Wirth (2003) لملاحظة تأثير إيجابي للديمقراطية على الحرية الاقتصادية، من خلال دراسة حول 100 دولة خلال الفترة 1970-1999.[18] وتوصل ديتييرDethier وآخرون (1999) لنفس النتائج بدراسة عينة من الدول ما بعد الشيوعية خلال الفترة 1992 و1997.[19] وعلى نفس العينة خلال الفترة 1990-2000 توصل فيدرموكFidrmuc (2003) إلى أن الديمقراطية ذات أثر إيجابي على الإصلاح الاقتصادي، كما بين أيضا أن الإصلاح الاقتصادي يتوفر على تأثير إيجابي هائل على النمو الاقتصادي[20].

إنه إذن ما يشبه الاتفاق على أن الانتقال من التخلف إلى الازدهار يتطلب أولاً الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية، ومن السياسات التي تأتي من أعلى إلى السياسات التي يرسمها الأفراد أنفسهم من أسفل، ومن التقرير بدلاً من الأفراد إلى ترك المجال للأفراد ليقرروا بأنفسهم وفقا لاختياراتهم الخاصة. إن الديمقراطية تقتضي أولاً وقبل كل شيء فتح مشاورات عامة وواسعة في كل ما يخص السياسات العامة، وهي بالتالي تساهم في إنهاء مركزة القرار وتنزع سلطة المعرفة من الخبراء بعد أن تنزع سلطة السياسة من الحكام. إن أفضل ما في الديمقراطية كما يقول فريدريك هايك يتجلى في الدينامية التي تدخلها إلى مجال السلطة والحكم، فلا أحد سيحتفظ بكرسيه في السلطة في الأمد البعيد، وهذا يمنح المجتمع فرصة لكسر التحالفات المصلحية التي تنشأ بين السياسيين والبيروقراطيين والتكنوقراط.

سبيل الخروج من فوضى الغابة العربية:

المؤسسات الديمقراطية المتينة

في كتابهما "لماذا تفشل الأمم؟"[21] (Why Nations Fail) الذي خلق نقاشاً واسعاً لما صدر عام 2012، صاغ دارون أسيموغلو Daron Acemoglu وجيمس روبنسون James Robinson سؤالاً وضعاه كعنوان للفصل الثالث عشر: "لماذا تفشل الأمم اليوم؟" ووضعا تحته عنواناً فرعياً كجواب: "المؤسسات، المؤسسات، المؤسسات".

حاول دارون أسيموغلو وزميله جيمس روبنسون الإجابة عن السؤال الأكثر ترديداً من طرف الاقتصاديين، والذي صاغاه في هذا الكتاب وفق تعبيرهما الخاص في الفقرة الأولى من المقدمة: "هذا كتاب يعالج مسألة الفوارق الكبيرة في الدخل وفي مستوى العيش التي تفصل بين دول العالم المتقدم مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا، والدول الفقيرة مثل الدول الإفريقية جنوب الصحراء ودول أمريكا الوسطى وجنوب آسيا" (أسيموغلو وروبنسون، 2012).

لقد صادف طبع هذا الكتاب المهم بدايات الربيع العربي، ولذلك خصص مؤلفاه مقدمته للحديث عن سبب تأخر البلدان العربية، وللأسباب التي تفسر التخلف الاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وضمناه أسبابا استقوها من ثوار "ميدان التحرير" الذين تحدثوا عن الفساد المستشري في دواليب الدولة وعن سوء التعليم وفساد النظام. ولما سألوا المتظاهرين عن مطالبهم، أكدوا أنهم يرغبون في الحصول على حكومات منتخبة بشكل ديمقراطي وباحترام للحريات كما هو متعارف عليه على الصعيد الكوني.

لقد وضع الأفراد البسطاء الذين حجوا لميدان التحرير الأصبع على الجرح، وأكدوا ببساطة لا تخلو من فهم عميق لأسباب التأخر الاقتصادي والتخلف الاجتماعي الذين يضربان هذه البقعة الجغرافية من العالم أن المشكلة تكمن في القواعد والمؤسسات التي تضمن ثراء الأقلية على حساب الأغلبية. إنها مشكلة المؤسسات التي تجعل مفاتيح الثراء بين أيادي بضعة أفراد قلائل من المجتمع، وهم في العادة قريبون من السلطة والحكومة ومحتمون بها، فيما يجعل هذا النوع الإقصائي من المؤسسات الأبواب موصدة أمام باقي أفراد المجتمع، إنها تقصيهم من الحياة الاقتصادية والاجتماعية. إنها "مؤسسات إقصائية" بلغة أسيموغلو وروبنسون.

ليس هذا العمل الفريد من نوعه أول دراسة حول دور المؤسسات في نشر السلم والرخاء الاقتصادي وتفسير التفاوت بين الأمم، حيث أثبتت عدة دراسات حديثة أن المؤسسات تلعب دوراً أساسياً من أجل النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية. وخلصت دراسات كل من: نورث وتوماس (1973)[22] ونورث (1981)[23] إلى أن المؤسسات التي تحمي حقوق الملكية الخاصة وتضمن توزيعا جيدا للموارد الاقتصادية تعد مصدرا مهما للرخاء الاقتصادي.

إننا أمام مرحلة تاريخية في العالم العربي، مرحلة لا تقبل التردد في اتخاذ القرارات السليمة فيما يخص بناء مؤسسات ديمقراطية متينة تجلب الازدهار والسلام لمجتمعاتنا العربية، وكما قال أحد المتكلمين لحظة التوقيع على اتفاق السلم والمصالحة في مدينة الصخيرات المغربية بين الأطراف الليبية المتحاربة "إننا لم نخترع العجلة بل نظرنا فقط إلى ما قام به الآخرون الذين سبقونا". إن المجتمعات العربية بإمكانها استثمار الإرث الإنساني وإضافات المعرفة الأكاديمية في مجال بناء الدولة وتقييد السلطة وتحرير الفرد وإرساء السلام من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية التي تحتاج أولا وقبل كل شيء إلى هذه العوامل الرئيسة.


[1]- نشر هذا المقال في مجلة ذوات الصادرة عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، عدد 41

[2]- Paul Krugman. (2015/05/29): The Insecure American. The New York Times. (nytimes.com/column/paul-krugman)

[3]- Edoardo Campanella. (Jul 14, 2010): Youth Without Work. Project syndicate. (project-syndicate.org)

[4]- Douglass North, John Wallis, Barry Weingast. (2010): Violence et ordres sociaux: un cadre conceptuel pour interpréter l'histoire de l'humanité, Gallimard, Paris.

[5]- William R. Easterly. (2002): The Elusive Quest for Growth: Economists' Adventures and Misadventures in the Tropics. Massachusetts Institute of Technology, Massachusetts.

[6]- William Easterly. (2006): Les pays pauvres sont-ils condamnés à le rester ?, Ed. d'Organisation, Paris.

[7]- William R. Easterly. (2014): The Tyranny of Experts: Economists, Dictators, and the Forgotten Rights of the Poor, New York.

[8]- Ibidem, p 23

[9]- Ibidem, p 32

[10]- تشارلز تيللي. (2010): الديمقراطية، المنظمة العربية للترجمة، بيروت. ص 21

[11]- Mancur Olson. (1982): The Rise and Decline of Nations: Economic Growth, Stagflation, and Social Rigidities. New Haven: Yale University Press.

[12]- نايجل أشفورد، الحكم لمصلحة الشعب. انظر: (minbaralhurriyya.org/index.php/archives/6564)

[13]- ألكسيس دو توكفيل، هل يمكن للديمقراطية أن تتحول إلى استبداد؟ انظر: (minbaralhurriyya.org/index.php/archives/6334)

[14]- Barro, Robert. (1996): “Democracy and Growth” Journal of Economic Growth, 1996, v1(1,Mar), 1-27

[15]- Barro, Robert. (2000): Les facteurs de la croissance économique. Economica, Paris

[16]- Tavares, J. Wacziarg, R. (2001): «How Democracy affects Growth». European Economic Review, pp 1341-1378

[17]- Yi Feng. (2003): Democracy, Governance, and Economic Performance. Theory and Evidence. The MIT Press, Cambridge, Massachusetts.

[18]- Hans Pitlik. Steffen Wirth. (2003): Do crises promote the extent of economic liberalization?: an empirical test. European Journal of Political Economy, vol. 19, issue 3, pages 565-581.

[19]- Jean-Jaques Dethier, Hafez Ghanem, and Edda Zoli. (1999): Does Democracy Facilitate the Economic Transition? Journal for Institutional Innovation, Development, and Transition, 3: 15–30.

[20]- Jan Fidrmuc. (2003): Economic Reform, Democracy, and Growth During Post-Communist Transition. European Journal of Political Economy, 19: 583–604.

[21]- Daron Acemoglu and James Robinson. (2012): Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty, Crown Publishers, New York.

[22]- Douglass C. North, Robert Paul Thomas. (1973): The Rise of the Western World: A New Economic History. Cambridge University Press.

[23]- Douglass C. North. (1981): Structure and Change in Economic History. Norton, New York.