Menu
حضارة

غزة: دخان ودماء ودموع

040618_ASH_00 (40)

د. عبدالعزيز المقالح

السؤال الذي سوف يتبادر إلى الأذهان بعفوية مطلقة هو: وهل شهدت  غزة  وبقية المدن ال فلسطين ية أياماً خالية من الدماء والدخان والدموع؟ أبداً، فتلك هي السمة الأوضح والأدل على الاحتلال العنصري الاستيطاني وما تبعه ورافقه من أيام وليال مظلمة ودامية لم يكن في مقدور الشمس ولا كل الكواكب أن تخفف من بشاعتها وسوداويتها؛ لكن المقصود بها هنا -على وجه التحديد- هي الأيام الدامية الماضية الأخيرة، التي احتجبت فيها سماء المدينة بالأدخنة المختلطة بالدم الفلسطيني الطازج والبريء.

ومن المؤكد أن ما حدث في تلك الأيام المتدثرة بالسواد قد كان جديراً بأن يهز وجدان العالم لو كان قد بقي للعالم شيء اسمه الوجدان، وأن يوقظ الضمائر إن كان قد بقي للبشر ضمائر. ولا يمكن في مناخ الخيبة الراهنة المتحكمة في الواقع الإنساني أن نتجاهل أو نقلل من أهمية تلك الأصوات، التي ترتفع باسم الأنظمة الحاكمة في الشرق والغرب على السواء، ولا تلك الأصوات التي تأتي تعبيراً عن مواقف شعوب كثيرة تجاه ما جرى ويجري في غزة؛ لكننا في الوقت ذاته لا نقول عليها كثيراً وندرك أنها مجرد أصوات إدانة سلبية لا توقف العدو «الإسرائيلي» العنصري عن استمرار القتل والتنكيل بالمواطنين العزل، الذين يعبرون بالتظاهر عن وجودهم كشعب ضد احتلال غريب وتسلط غير مسبوق، والمطلوب من العالم أنظمة وشعوباً تحويل أصوات الإدانة إلى مواقف مساندة جادة للشعب المظلوم ومقاطعة تامة للاحتلال العنصري الاستيطاني.

لقد شهد العالم في القرن العشرين المنصرم وفي بدايات هذا القرن الواحد والعشرين مآسٍ وحروباً واحتلالات عدوانية؛ لكنها لم تأخذ الأبعاد الدموية والاستيطانية التي أخذتها المأساة الفلسطينية تحت الاحتلال «الإسرائيلي»، ولم تأخذ كل هذا الزمن الذي طال وامتد سواده وتنوعت كوارثه من التشريد و الاعتقالات إلى القتل اليومي.

وقد ظل العالم طوال هذا الزمن - رغم تعاطف بعض مكوناته - يرقب المأساة من بعيد، ولم تتمكن المنظمات التي تدعي أن مهمتها قائمة على وضع حد للتدخل في شؤون الشعوب ذات السيادة ومقاومة اغتصاب أراضيها بالقوة. كما ادّعت تلك المنظمات أنها تسعى إلى إثبات حق تقرير المصير. في حين ظلت وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة غير قادرة حتى على المناداة باحترام قراراتها المتعلقة بهذا الشأن بعد أن قوبلت من الكيان الصهيوني بالمزيد من السخرية والاحتقار.

وإذا كان لومنا للعالم ينطلق من موقف الأمل بما يفرضه الشعور الإنساني من وحدة البشر في مواجهة القهر والإذلال، فإن لومنا للمنظمات يأتي لتذكيرها بعجزها وقصور دورها الذي جيء بها من أجله فإن اللوم الحقيقي والطبيعي ينبغي أن يكون من نصيبنا نحن العرب أقرب الناس إلى القضية موضوع هذا الحديث والأكثر احتراقاً بنيرانها دائمة الاشتعال، وأن علينا أن نعترف بأن ضعفنا هو العامل الأكبر في إطالة زمن المأساة واستمرار المحنة، وطالما قلنا وقال آخرون إن الضعف العربي وراء ما يبديه العدو من قوة عدوانية وما يمارسه من تحدٍ لشعب أعزل ومحاصر، ولم يعد هناك أدنى شك في لغة الضعف العربي وعلى المستوى القومي.

وسيكون دليلها الصادم والدائم في هذه المأساة المركزية التي كانت إلى قبل سنوات تسمى بالقضية المركزية. وسيدرك العرب جميعاً أنه لا توجد حياة كريمة ولا مستقبل مضمون مادام حالنا لا ينفك ينحدر من الضعف إلى الأضعف ومن نفق مظلم إلى نفق أشد ظلاماً.