Menu
حضارة

المشهد الأخير في حياة محمد.. خطوةً للأمام وخيط دخانٍ وطلقة واحدة

31069126_841630972690212_7776983268112465920_n

غزة _ خاص بوابة الهدف _ هدى بارود

كانَ محمد (13 عامًا) يركض للأمام، يرتدي جاكيتًا عنابي اللون وسروال جينز أبيض، هدفًا مُتحركًا سهلاً لجندي "إسرائيلي" أرادَ أن يثبتَ لقائده، على ما يبدو، أنه بارعٌ في القنص، صوتُ الرصاصةِ الوحيدة التي أُطلقت بعدَ تحرك محمد بثواني سمعها المحيطون بهِ لمّا استقرت في رأسهِ مُخلفةً فتحتين عميقتين الأولى بعرض عقلة الأصبع والثانية كانت باتساع يد المسعف معتز أيوب، ابن عم الضحية.

معتز الذي صادفَ وجوده في المكان أثناء قنص ابنه عمه قُبالة خيم العودة شرقَ مدينة غزة، حملَه إلى سيارة الإسعاف وهو يعرف أنه قُتل، فالرصاصة في الرأس وفقَ خبرته على مدار ثلاثة أسابيع من عمر مسيرة العودة، قاتلة لا محالة.

والدة محمد كانت متماسكةً إلى الحد الذي يَصعبَ معه أن يستنتج المتواجدونَ في بيت العزاء كيفَ قضت ليلتها دونَ طفلها الثاني بينَ اخوته الستة، وما هي الذكريات التي مرت بخاطرها مذ رأته مُسجى في ثلاجة الموتى ملفوف الرأس حتى جاءها مُكفنًا بالأبيض يتأهب الجميع لدفنه، حيث هناكَ يُقبرُ حلمه بأن يصبحَ خطاطًا ذو سيطٍ معروف، أو رُبما حلاقًا أو صانع عطورٍ، فهي أكثر ما كانَ الطفل يبدي اهتمامه به.

"وعدني حمادة أنه رح يدرس منيح ويدخل الجامعة، ضحكت عليه وحكيتله يا غاوي حتنجح لما تقضي وقتك في الدراسة مش قدام المراية تتغندر وتمشط وتتعطر"، قالت والدته وهي تشرح كيفَ كانَ يختار ملابسه بدقة، وكيفَ كانَ حريصًا على عدم تكرار ذات الملابس التي يرتديها كُل جمعة شاركَ فيها اخوته وأبناء أعمامه في مسيرات العودة.

تابعت: "في الجمعة الأولى ارتدى بلوزة سوداء – بادي- وسروال جينز أزرق وكوفية ألقاها على كتفه، وفي الجمعة الثانية ارتدى بلوزة وسروالاً أسودين اللون، وربطَ الكوفية على وسطه، وفي الجمعة الثالثة أجبرته أن يبقى في المنزل حتى يدرس لامتحاناته، وفي الجمعة الأخيرة اختارَ العنابي والأبيض، وتعطرَ ومشطَ شعره أكثرَ من مرة، وغادرَ بعدَ أن وعدني أنه سيبدأ دراسته عندما يعود، فانتظرته ولم يخطر في بالي أبدًا أنه سيُغادر المنزل للمرة الأخيرة".

"حمادة" بارعٌ في الترتيب، وتعتمد عليه والدته أكثر من اعتمادها على خواته البنات الثلاثة في تنظيف المنزل، فلم يكن مُستغرَبًا إصراره على مشاركتها إعداد الغداء والتنظيف بعده، وأثناء عملهما في المطبخ وعدها بأنه سيدرس في الجامعة فلم تصدقه، كيفَ يمكن لطفلٍ يُحب اللعب أكثرَ من الدراسة أن يصبرَ على القراءة والكتابة، بل كيفَ سُيقنعها بأنه يدرس إن أمسكَ دفاتره وهي كلما مرت عليها تجدها مخططة ومزخرفة من أولها حتى آخرها.. "الحروف تُشبه الخطوط الطويلة والمنحنية، يا محمد، لكنها ليست كلام، أقول له كل مرة فيرد "والله يمّا كلها كتابة"..".

أحمد الشقيق الأصغر لمحمد ورفيقه الدائم، أخبرَ والدته أنه رأى أخوه يخرج من القبر ويقف مشبكًا يديه ومُقدمًا إحدى قدميه على الأخرى، كعادته، ويبتسم.. الابتسامة كانت تكفي لتُريحَ قلبَ الأم الحزين، وتزيدَ من تماسكها وصلابتها اللتان اختفيتا عندما نامَ الجميع في المنزل واستيقظت هي تنظر إلى غرفته التي لم يكُن فيها من بعيدٍ تخشى أن تنهار إن دخلتها.

إبراهيم أيوب، والد محمد كانَ يستعد ليرافق وكالات إعلام أجنبية إلى قبر ابنه، "فاغتيال الصغير حدث لا يجب أن يمرَ مرورًا عاديًا"، قالَ الوالد الذي كانَ يبدو أقلَ تماسكًا من زوجته، فالدموع التي تتحشرج في حنجرته كشفت حزنه.

"اغتالوا محمد عن عمد، لم يشكل لهم هذا الطفل الصغير خطرًا يُذكر، قتلوه وأسكتوه، فلن يشاكسني هذا الغلباوي بعد الآن، لن أنهره ليترك المرآة ويدرس، لن أعاتبه بعد اليوم إن أخذَ مشطي ورشّ من عطري، لن أنزعج الآن من دفاتر الرسم التي كان يشتريها كل حين، لن أنبهرَ بكل خطٍ يزين فيه دفاتره، حمادة قُتل برصاصةٍ في الرأس، دفنّاه، وعادَ قاتله إلى عائلته غير آسفٍ على اغتيال ابني".

"حمادة" الذي لا يعرف عن الجند المدججين بالسلاح خلفَ الكثبان الرملية الفاصلة بينَ غزة وباقي الأرض الفلسطينية أكثرَ من أنهم يطلقونَ الموتَ مع كل رصاصة، ركضَ للأمام خطوات قليلة؛ هدفه أن تتضح الرؤية أمامه، فربما شكلَ خطَ دخانٍ من إطارٍ محروقٍ رسْمًا زخرفيًا أحبَ أن يلتقطه ليرسمه، تحركَ وكان يعرف الجند أن الحركة فعلٌ يمارسه الأحياء فأسكنوه.. فالأموات لا يتحركون، ولا يشكلون خطرًا.. هذا ما يدركه الاحتلال، وهذا ما يبرعُ بفعله.