Menu
حضارة

توازنٌ منع حريقاً.. لكن!

علي جرادات

تباينت المواقف من الهجوم الجوي الأمريكي- البريطاني- الفرنسي المحدود على  سوريا ، بين مَن أدانه واعتبره عدواناً؛ ومَن أيده واعتبره ضربة مشروعة؛ ومَن تحفظ عليه. ولا عجب. فتباين المواقف، هنا، لا يعدو كونه امتداداً لاختلاف المواقف من الأزمة السورية عموماً، منذ انفجارها قبل سبعة أعوام، ما يجعل الانشغال في أسباب هذا التباين أمراً زائداً لا طائل منه.

أما الموقف الذي يستحق التوقف أمامه فموقف قادة «إسرائيل» الذين عملوا، في السر والعلن، على وقوع هجوم واسع كاسح وشامل، غير آبهين بأن من شأن ذلك أن يقود طرفيْ الصراع، أي واشنطن وحلفاؤها من جهة، وموسكو وحلفاؤها من جهة أخرى، إلى الانزلاق من حافة الهاوية إلى قعرها، وإدخال المنطقة، وربما العالم، في حرب متعددة الأطراف، لا تبقي ولا تذر، ولا مصلحة للشعوب فيها من قريب أو من بعيد.

لقد حبس العالم أنفاسه، لمدة أسبوع، خيّم خلاله شبح الدمار الشامل الذي خلفته حربان عالميتان، اندفعت نحوهما الدول الكبرى لتغيير معالم ومناطق السيطرة والنفوذ في العالم. لكن الجميع، (باستثناء قادة «إسرائيل» )، تنفس الصعداء، حين أُقتِصر الأمر على «كباش» جوي محدود ومحسوب بدقة متناهية من قبل طرفين عملاقيْن أدرك كل منهما حدود قوته التي تشمل أسلحة دمار شامل تكفي لتدمير العالم بأسره عشرات المرات، ما يعني أن عامل توازن القوى، بالمعنى الشامل للكلمة، هو، وليس أي عامل آخر، ما حال دون نشوب حريق شامل يأكل الأخضر واليابس في المنطقة.

لكن تفادي الانزلاق إلى قعر الهاوية لا يعني أن الصراع، هنا، قد انتهى، بل ما زال على أشده، بالمعنى السياسي والدبلوماسي والإعلامي؛ ما يجعله مفتوحاً على كل الاحتمالات. أما لماذا؟ فلأنه صراع يشمل ميادين أخرى غير الميدان السوري، منها، مثلاً لا حصراً، ميدان الأزمة الأوكرانية، والعقوبات المتبادلة، بين روسيا والدول الغربية؛ وميدان «حرب» التجارة بين الصين والولايات المتحدة، وميدان النزاع المستمر، حتى وإن خفَّت حدته، مؤقتاً، بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة وحلفائها؛ وميدان «حرب» التنافس بين دول «الغرب» ودول «الشرق» الكبرى على مصادر وخطوط أنابيب الطاقة في أكثر من إقليم في العالم.

بناء على ما تقدم، فلنقل:

* أولاً: لا مجال للقبض على الأسباب الفعلية للصراعات آنفة الذكر، بما فيها الصراع على سوريا، خارج حقيقة أن العالم يعيش محطة مفصلية، عنوانها الأساس أن واشنطن التي ترفض التسليم بحقيقة انتهاء حقبة نظام القطب الواحد، باتت تواجه دولاً صاعدة منافسة بقوة، أهمها الصين وروسيا اللتان ترفضان، بدورهما، التخلي عن العمل على بناء نظام دولي أكثر توازناً، أي نظام متعدد الأقطاب.

* ثانيا: وبقدر ما يتعلق بالصراع الناجم من الأزمة السورية تحديداً، فقد بات أشد هذه الصراعات تعقيداً وتفجراً، حتى باتت إمكانية التوصل لاتفاق دولي حول مضامين حله السياسي، متعذرة، إن لم تكن شبه مستحيلة. وقد جاء الهجوم الجوي الثلاثي ليزيد الأمور تعقيداً على تعقيد.

هذا عدا أن قادة «إسرائيل» الذين عملوا، بلا كلل أو ملل، على اندلاع حريق شامل في المنطقة، سيواصلون العمل لأجل إشعال شراراته. وكل ذلك من دون أن ننسى أن مسعى قادة «إسرائيل»، هنا، غير منفصل عن مسعاهم لتكريس احتلال الجولان، وتصفية القضية والحقوق ال فلسطين ية.

لذلك كله، إذا كان من المُستبعد اندلاع حرب عالمية ثالثة، اتصالاً بتوازن القوة التي يملكها طرفا الصراع، وأسلحة الدمار الشامل منها تحديداً، فإن استمرار الهجمات والردود المحدودة والمحسوبة، عبر البوابة السورية، يبقى احتمالاً قائماً، ومرجحاً، آخذين بالحسبان أن الحروب يمكن أن تندلع بفعل خطأ في التقدير، أو سوء في الحسابات، أو تدحرج الأمور وخروجها عن السيطرة.