Menu
حضارة

"الحريديون" كمركب لصيانة يهودية الدولة

سليمان أبو إرشيد

كثيرا ما يضع الباحثون في الحقل الاقتصادي والاجتماعي "العرب في إسرائيل" و"الحريديين" كمجموعتين معيقتين لدالة النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي، بسبب عدم اندماجهما الكامل في سوق العمل والمجتمع الإسرائيلي.

ورغم التفاوت القائم بين المجموعتين في نسبة المنخرطين في سوق العمل، فبين "الحريديين" هناك غالبية ساحقة من قوة العمل، تتشكل بالذات بين الرجال، غير منخرطة في سوق العمل لأسباب دينية وأيديولوجية، وتشكل هي وعائلاتها عبئا على ميزانية الدولة، بالمقابل لا تقصر الدولة من جهتها في توفير أماكن العمل لهذا القطاع ولا تدخر جهدا في توفير العيش الكريم لأفراده الذين يستنكفون عن الخروج الى العمل.

أما بين مجموعة "العرب في إسرائيل" فإن الحديث يدور عن نسبة كبيرة، آخذة في التناقص بين قطاع النساء اللاتي لا يجدن أماكن العمل المناسبة والقريبة من مواقع سكناهن، بسبب سياسة الغبن التمييز العنصري التي تعاني منها المدن والقرى العربية، في مجال إقامة المناطق الصناعية والمراكز التجارية.

التمييز الذي يقع العرب في إسرائيل تحت وطأته يضعهم في صف واحد مع "الحريديين" في كثير من المقاييس التي تعتبرمعيارا لتطور المجتمع، مثل معدل دخل الفرد ونسبة الفقر ونسبة ومستويات التحصيل في مجال التعليم، هذا في حين يخرجون من هذا الصف في معدلات الولادة والكثافة السكانية وغيرها من المقاييس غير المرتبطة بهذا التمييز، والتي تنسف ادعاءات "التخلف" الذي تحاول السلطة إخفاء تمييزها العنصري بعباءته.

وبينما يجمع خبراء الاقتصاد على المشترك بين العرب و"الحريديين"، ويرون أن تطوير هاتين المجموعتين اللتين تتمتعان بنسبة سكانية عالية هو شرط للنمو الاقتصادي العام، يرى خبراء الديمغرافيا بـ"الحريديين"، أو بعدم تطويرهم والإبقاء على نسبة الولادة المرتفعة بينهم، أداة لمجابهة تكاثر العرب ال فلسطين يين داخل الخط الأخضر وبين البحر والنهر وبـ"تخلفهم" وتكاثرهم، وسيلة محمودة للحفاظ على يهودية الدولة، أو "مفتاح الديمغرافيا" بلسان البروفيسور سيرجيو دي لا فرغولا.

فرغولا أورد في مقال نشرته "هآرتس" مؤخرا أن عدد سكان إسرائيل في حدود الخط الأخضر الذي يبلغ اليوم 8.8 نسمة بينهم 1.8 من العرب (تشمل  القدس  والجولان المحتلين)، سيصل استنادا إلى توقعات دائرة الإحصاء المركزية، في نهاية عشرينيات القرن الحالي إلى 10 ملايين نسمة، وفي نهاية أربعينيات القرن إلى 15 مليون، وفي ستينياته إلى 20 مليون نسمة. وأن المركب "الحريدي" من السكان اليهود سيزداد من 14% الى 28% عام 2045 وصولا إلى 40% من السكان اليهود في عام 2065، في حين يحافظ العرب الفلسطينيون داخل الخط الأخضر على نسبتهم البالغة 21% من السكان.

ويشير فرغولا استنادا إلى "المعيار المتوسط" لدائرة الإحصاء المركزية إلى أن عدد السكان اليهود بين البحر والنهر سيصل عام 2065 إلى 16 مليون نسمة، مقابل 13 مليون عربي فلسطيني، وأن إسرائيل في منتصف القرن الحادي والعشرين ستتشكل بحدود الخط الأخصر من أغلبية بنسبة 80% من اليهود، فيما تتقلص إلى 60% إذا ما تمت إضافة الضفة الغربية، وتتضاءل وصولا إلى 50% إذا ما جرت إضافة الضفة الغربية وقطاع  غزة  معا.

ويقول فرغولا إنه في حال تباطؤ النمو السكاني لـ" الحريديين" نتيجة دمجهم بالمجتمع وبسوق العمل، فإن ذلك سينعكس على النمو العام لمجمل السكان اليهود، ويؤثر على التوازن الديمغرافي مع العرب الفلسطينيين. من هنا يستنتج أن النمو السكاني لليهود مرتبط بالنمو السكاني لـ "الحريديين" الذين سيؤدي انخفاض نسبة النمو بينهم إلى انخفاض النسبة العامة للنمو لدى اليهود، وازدياد نسبة العرب بالتوازي، بالمقابل فإن تعاظم النمو بين "الحريديين" يسمح بالحفاظ على التوازن الديمغرافي الحالي.

وكأن الخبير الديمغرافي سيرجيو فرغولا الذي يقرأ مقاله من عنوانه، "الحريديون مفتاح الديمغرافيا" يريد أن يقول لصناع القرار في إسرائيل إن "الحريديين" بصفتهم مصنع للتكاثر اليهودي هم حبل النجاة الوحيد للدولة اليهودية، فحافظوا عليه، ولا تمسوا به عبر محاولات دمجهم بسوق العمل والمجتمع، وهي محاولات سبق ونجحت في خفض معدل النمو السكاني بين العرب داخل الخط الأخضر الذين سيحافظون على نسبتهم البالغة 20% إلى ما لا نهاية.