Menu
حضارة

ما لم يره شباب غزة في حياتهم

معبر رفح

كتبَ: خالد جمعة

في عام 1990 بدأ الاحتلال الإسرائيلي بتطبيق نظام البطاقة الممغنطة، تلاها نظام التصاريح التي لا يمكن مغادرة قطاع غزة بدونها، ومع الوقت أخذ نظام التصاريح يصبح ضيقاً إلى أن وصل إلى العدد صفر تقريباً، ومنذ ذلك العام مرت 28 سنة، وسأفترض أن الشباب في غزة الذين ولدوا قبل هذا التاريخ بعشر سنوات، لم يتمكنوا من اجتياز حواجز قطاع غزة في أي اتجاه، فهذا يعني أن شباب غزة من سن 38 فما دون، لم يروا شيئاً خارج قطاع غزة... أية حياة؟

لم يتعرف الشبان في غزة على بلادهم، بل ظلوا تحت رحمة الروايات التي تروى عن البلاد ومرحلة ما قبل الاحتلال الإسرائيلي، لا يعرفون ـ عملياً ـ القدس ولا الخليل ولا رام الله ولا حيفا ولا يافا، ولم يروا قراهم المهجرة التي يبعد بعضها كيلومترات قليلة عن حدود قطاع غزة.

شبان غزة يشاهدون الحيوانات في التلفزيون، لا علاقة لهم بغير القطط والكلاب والأحصنة والحمير، حتى تلك الحدائق الفقيرة التي أنشئت في غزة، لم تكن تحتوي على حيوانات بالشكل الذي تحتوي عليه حتى حديقة منزل أحد الأغنياء، وحتى تلك الحدائق الفقيرة تعرضت للقصف وماتت معظم حيواناتها، وبالتالي فخبرة شباب غزة بعالم الحيوان هي خبرة نظرية، تعتمد على القصص والمشاهد المصورة، التي تُنقِص عنصر الدهشة، عنصر الرائحة، اللمس، التعاطف، اللون، السلوك، محاولة إطعام الحيوانات، رؤية أحجامها الحقيقية، سماع أصواتها، كل هذه العوامل التي تشكل الخبرة الحياتية، والتي تضيف إلى شخصية الإنسان وتنميها وتعطيها الثقة اللازمة للإيمان بالحياة والعالم، كلها مفقودة في غزة، حين لا يمر الإنسان بهذه التجربة.

في غزة يشاهدون الثلج في الصور، وهو بعيد عنهم عدة كيلومترات حين يسقط على جبال رام الله أو الخليل، لم يلعبوا بكراته الهشة، لم يتمرغوا على حبيباته البيضاء، ولم يبنوا تمثالاً بأنف من جزر، لم يشعروا بلذة البرودة وهي تنساب في أجسادهم أثناء لمسهم له، لا، في غزة لم يفعلوا ذلك.

حين كنت طفلاً، كانت مدينة رفح وحدها تتمتع بثلاث دور للسينما، وواحدة في مدينة خانيونس وأربع في مدينة غزة، ولا أنسى ولن أنسى الدور الذي قامت به هذه الدور في تشكيل وعينا البصري، وإحساسنا بالحلم الذي ينبع من الصورة الهائلة أمامنا، مع الصوت المجسم الذي يشعرك أنك في قلب معركة، أو تحت شلال مياه، الألوان وهي تتدفق في الأفلام الهندية مع الرقصات الغجرية التي تحرر الروح، الموسيقى التي توصلك إلى حد الانتشاء، منذ 1987 لم تشاهد غزة فيلم سينما، أقصد بالمعنى الحقيقي للكلمة، فالتجربة مع السينما ليست أن يتم عرض فيلم هنا أو هناك، بل هي العملية برمتها، ومن هنا أقول إن شباب غزة لم يعرفوا ما هي السينما على وجه التحديد، وبالتالي فإن التربية البصرية التي كان يجب أن يتلقوها من خلال هذا الفن، لم تحدث، وهذا أول الأشياء المفقودة.

غزة لا تعرف معنى أن تحضر حفلاً غنائياً حقيقياً، أو عرضاً مسرحياً حقيقياً، أو عرضاً للسيرك، أو حفل موسيقى، بكل ما تؤسسه هذه الحفلات من ذوق وانفتاح على العالم لتتشكل بعد ذلك الأحاسيس الخاصة بالانتقاء والتمييز الفني أو الحياتي، أطفال غزة معلقون بأجهزة الكاسيت والسي دي إذا توفر لهم ذلك، محرومون من الحياة الفعلية لهذه الفعاليات، وحتى عندما يوجد نشاط من هذا النوع، فإنه نشاط انتقائي يحضره عدد محدود من الأولاد، فهو ليس ممارسة ممكنة بشكل مستمر، بحيث يمكن لوالد أن يأخذ ابنه إليه وقتما شاء.

شباب غزة محرومون من أشياء كثيرة، لم يعرفوا شكل الطائرة، لم يروا النهر وهو يجري حاملاً حكاياته، لم يعرفوا غابةً أو حرشاً، هذا ليس حلماً فوقياً، فقد كانت غزة ممتلئة بالأحراش عن آخرها، لكنها الآن لم تعد كذلك.

كل نقص هو مصيبة حتى وإن كنا نعاني من ألف نقصٍ آخر، ولا أرغب في الدخول في سلم أولويات المصائب، وهنا لا أتحدث عن معاناة غزة مع الكهرباء والماء غير الصالح للشرب والمنع من السفر وندرة العلاج وفقر المستشفيات والحروب التي شنت على غزة، بل أتحدث عن مستوى مختلف من المأساة، ذلك المستوى الذي لن يغير فيه شيئاً أن توفره الآن، فبعض التجارب يجب أن تعيشها في وقت معين من عمرك، وإذا لم تفعل، فإنه لن ينفعك أن تمارسها لاحقاً.

شباب غزة محرومون من الحياة بالمعنى الحرفي للكلمة، محرومون حتى من البحر الذي يحد غزتهم، لا يستطيعون السباحة لتلوث المياه، وحتى إن استطاعوا دخوله، فبعد مسافة قصيرة يقبع القارب العسكري الإسرائيلي ليذكرهم بأن هناك خطاً عليهم أن لا يتجاوزوه.

لو افترضنا ـ جدلاً ـ أن الوضع في غزة عاد إلى طبيعته اليوم، فإن غزة تحتاج إلى جيلين كاملين لتستعيد عافيتها باتجاه الحياة، ورغم ذلك فإن رغبة الحياة في غزة، ما زالت أقوى منها في أي مكان آخر على وجه الأرض.