Menu
حضارة

دولة أمنية للفلسطينيين في مناطق 48

دولة أمنية للفلسطينيين في مناطق 48

بقلم / مهند مصطفى

ينطلق كتاب "إسرائيل: الملاحقة الأمنية كأداة سياسية، فلسطينيو 48 بين فكيّ الملاحقة الأمنية لرموز الوعي القومي وتجريم العمل السياسي"، للباحثين إمطانس شحادة وأنطوان شلحت (صدر في أواخر 2017)، من مقاربة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في الداخل عبر تحليل النهج المتبّع لدى المنظومة الأمنية الإسرائيلية وإجراءاتها المتنوعة. وإذا ما أردت صياغة مقولة الكتاب بشكل مختلف يمكن القول إن ما أراد أن يوضحه الكاتبان هو أنه في الوقت الذي طوّر الفلسطينيون في إسرائيل خطاب المواطنة، طورت هذه الأخيرة نهج المنظومة الأمنية وإجراءاتها في كل ما يتعلق بتعاملها مع هذا الخطاب، بحيث لم تعد تقتصر على الحيثيات السلوكية الأمنية الضيقة، بل أمست تنسحب على المنظومة السياسية لهؤلاء الفلسطينيين، وهو ما يُطلق عليه الكتاب تجريم العمل السياسي. وهذا يعني قبل أي شيء مواجهة السياسة الفلسطينية، حتى القانونية، بأدوات أمنية صرفة، فضلًا عن التعامل مع الخطاب السياسي الفلسطيني من جهة والنضال السياسي المنطلق من أرضية المواطنة الإسرائيلية من جهة ثانية كجزء من التهديدات الأمنية التي قاربتها النظرة الأمنية الإسرائيلية للفلسطينيين في الداخل.

بداية تبلور جمهورية

اليمين الجديدة

تكمن أهمية هذا الكتاب، باعتقادي، في أنه يقدم لنا تصوّرًا حول بداية تبلور جمهورية اليمين الجديدة في أعوام العقد الأخير من القرن الحالي، الأمر الذي لم يتطرق إليه الكتاب على نحو واف، كون تحليله ركّز بالأساس على العقد الأول منه، الذي أعقب انتفاضة القدس والأقصى في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2000.

وينطلق الكاتبان من الطرح الذي أشار إليه أيضًا الباحث الفلسطينيّ نديم روحانا، في كتابات سابقة له، حول توسيع مفهوم "الأمن القومي الإسرائيلي"، ليندرج فيه موضوع الحفاظ على أهداف إيديولوجية وسياسية، ومصلحة سيطرة مجموعة إثنية، حيث يوضح أنه في حال تعريف الأهداف الأمنية أو المصلحة الأمنية كدفاع عن مصالح إيديولوجية أو هيمنة فئة إثنية، قد يتحوّل العمل السياسي التقليدي الاعتيادي والمطالب اليومية والمطالب بتقاسم الموارد إلى تهديدات أمنية.

يقول الكاتبان في مستهل كتابهما:

"إن الكتابة الإسرائيلية حول تاريخ التعامل الأمني مع السكان العرب استعملت التعريف الضيق لـ(الأدوات والأهداف الأمنية) واختزلتها إلى التهديد الأمني على الدولة الناشئة، مثل تهديد بعمل عسكري، مقاومة، علاقات أمنية مع منظمات شبه عسكرية، وما إلى ذلك. [بينما يرى الكتاب] أنه تتوسع باستمرار الأدوات الأمنية، ويدخل ضمنها تحقيق أهداف سياسية وملاحقة سياسية ومحاولة قمع تيارات سياسية تهدد الأهداف الإيديولوجية للدولة وسيطرة المجموعة الإثنية - اليهودية، حتى لو كان الخطاب الذي تستعمله ديمقراطيًا" (ص: 18).

يدمج الكتاب بين الطابع الأكاديمي والطابع السياسي، وينطلق من هدف ينحو نحو تقديم مادة توعوية للجمهور ومتخذي القرارات الفلسطينيين. وهنا تكمن أهمية الكتاب أو هذا النص، فهو يقدم قراءات عميقة للواقع الذي طرأ على الفلسطينيين في إسرائيل بعد انتفاضة القدس والأقصى في أكتوبر 2000. ويركّز الكتاب في تحليله بطبيعة الحال على الفترة التي أعقبت الانتفاضة عام 2000، وعلى ماهية المقاربة الأمنية الإسرائيلية للفلسطينيين بعد هذه الفترة، التي يصفها الكتاب بأنها فترة الترهيب التي أعقبت فترة الاحتواء في سنوات التسعينيات. ويعطي الكتاب أهمية للمقاربة الاقتصادية في تحليل مكانة الفلسطينيين وسياسات الدولة تجاههم نتيجة تحولات نيو ليبرالية اقتصادية فرضتها عولمة السوق الإسرائيلية وتأثيرها على مكانة الفلسطينيين وسياسة الدولة تجاههم في ما يتعلق بتوجه الاحتواء. وهكذا يفيد الكتاب بأن هناك توجها احتوائيا يتمثل في دمج الفلسطينيين في السوق الإسرائيلية لاعتبارات عولمية من جهة وحاجات السوق الإسرائيلية من جهة ثانية، كان آخر مظاهره الخطة الاقتصادية الحكومية، إلى جانب توجه أمنيّ يهدف إلى ملاحقة العمل السياسي الفلسطيني الذي تعتبره المنظومة الأمنية الإسرائيلية تهديدا لتعريفها كدولة يهودية.

وتنطلق المنظومة الأمنية الموسعة في التعامل مع الفلسطينيين في إسرائيل من عدائية واضحة ومباشرة من الدولة تجاه المواطنين الفلسطينيين، والانتقاص المستمر في صيغة المواطنة الممنوحة للأقلية الفلسطينية، وتحديد سقف مطالب الأقلية الفلسطينية، بحيث يمكنها، في أفضل الحالات، المطالبة بحقوق فردية وطرح مطالب بتحسين الأحوال المعيشية من جهة، ومن جهة أخرى معاقبة سياسية وقانونية إزاء كل من يطرح مطالب بصيغة جماعية أو تلك التي قد تؤدي إلى اعتراف الدولة بالفلسطينيين كمجموعة قومية ذات حقوق جماعية.

يحلل الكتاب بشكل مغاير تقرير "لجنة أور" التي شكلتها إسرائيل للتحقيق في وقائع انتفاضة 2000. ويعتقد الكاتبان أن توصيات هذه اللجنة، والتي فسرتها لاحقا لجنة لبيد بشكل انتقائي، لم تلق إلى سلة المهملات بل تم تنفيذها على عدة صعد، منها ضرب الهوية الوطنية من خلال مشروع الخدمة المدنية/ الوطنية، وملاحقات بحقّ قيادات سياسية وصفتها لجنة أور بأنها كانت مسؤولة عن أحداث الانتفاضة في مناطق 48، وتحديداً المفكر والقائد السياسي الدكتور عزمي بشارة، والشيخ رائد صلاح، والتضييق على العمل السياسي الذي يتحدى الطابع اليهودي والكولونيالي الإسرائيلي والذي وصل إلى ذروته في وثائق التصور المستقبلي، وأخيرا ملاحقة تيارات سياسية تتحدى السياسات الإسرائيلية والخطاب الإسرائيليّ والصهيونيّ، على غرار حزب التجمع الوطني الديمقراطي والحركة الإسلامية المحظورة. ويحدث كل ذلك إلى جانب توجهات نيو ليبرالية تهدف إلى احتواء الفلسطينيين ودمجهم في الاقتصاد الإسرائيلي.

مستجدّات مُهمّة

وتناول سلس

يحلل الكاتبان مجموعة من الأحداث المهمة التي وقعت بعد عام 2000، لنقاش مقولتهما بشأن توسيع المنظومة الأمنية في التعامل مع الفلسطينيين، بدءًا بنتائج لجنة أور وتوصيات لجنة لبيد، مرورًا بالتصورات المستقبلية والموقف الإسرائيلي منها، وتحديدًا موقف جهاز الأمن العام (الشاباك)، الذي اعتبر أن الخطاب الذي صرحت به الوثائق الثلاث (وثيقة التصور المستقبلي الصادرة عن لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية؛ وثيقة حيفا لمركز مدى الكرمل؛ الدستور الديمقراطي لمركز عدالة)، يشكل خطرا على يهودية الدولة من الزاوية الأمنية، وانتهاء بالحرب على لبنان عام 2006، والتي ظهر فيها الإجماع الفلسطيني المناهض للحرب والمؤيد لحق لبنان والمقاومة في الدفاع عن نفسيهما، والحرب على غزة عامي 2008 - 2009 والتي شكلت نقطة تصعيد في الهجوم على الفلسطينيين. وتقف المشاهد التي يحللها الكاتبان عند الملاحقة التي تعرّض لها عزمي بشارة ولاحقًا الشيخ رائد صلاح.

يشير الباحثان إلى أن الحربين على لبنان وغزة أدتا إلى صعود المطلب بـ"قمع الإجماع السياسي الفلسطيني الجديد الذي يتحدى الإجماع الصهيوني، [والذي أخذ] مكانة متقدمة وعملانية في جدول أعمال مؤسسات الحكم في الدولة، وأن يترافق ذلك مع محاولات تهدف من جهة إلى فرض يهودية الدولة بواسطة القانون، ومن جهة أخرى تهدف إلى اشتراط المشاركة السياسية والمواطنة بالاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية" (ص: 58).

ويحدّد الكتاب أن جهاز الأمن العام هو الذي يبلور السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في إسرائيل. وقد حدد هذا الجهاز لنفسه استراتيجية تتمثل في الترهيب والاحتواء، حيث يخلص الكاتبان إلى القول إن الشاباك بدأ يتحرك علنيا وبشكل غير مسبوق بعد الحرب على لبنان عام 2006 ونشر الوثائق المستقبلية، حيث إنه في آذار/ مارس 2007 عقد رئيس الحكومة في حينه إيهود أولمرت "اجتماعا أمنيا" مع مسؤولين في الشاباك ضم رئيسه يوفال ديسكين، خصص لبحث وضع الفلسطينيين في إسرائيل، حيث أشار المجتمعون إلى أن الفلسطينيين في إسرائيل يشكلون "خطرًا استراتيجيًا على المدى البعيد" (ص: 61). وتبين من مداولات الاجتماع أن الشاباك ينظر بارتياب إلى مشاريع التصور المستقبلي لكونها تطالب بأن تكون إسرائيل دولة جميع مواطنيها. ويوضح الكتاب ديناميكية الترهيب التي تتمثل في ديناميكية الترهيب الفردي والجماعي، حيث "إن فشل الترهيب الفردي يخلق حاجة إلى ترهيب جماعي والعكس صحيح. وفشل الترهيب الجماعي يدفعهم إلى رفع وتيرة الترهيب الفردي وإلى ضرب رموز الممانعة القومية والوطنية، بل يطاول أحيانا جوانب اعتيادية للنضال السياسي للفلسطينيين، كالمشاركة في المظاهرات والنضال لإنهاء الاحتلال ومواجهة رجال الشرطة" (ص: 89).

وتهدف عملية الترهيب، برأي الكاتبين، إلى تحقيق المشروع الصهيوني في ما يتعلق بالفلسطينيين في إسرائيل، مع تأكيدهما أن أدوات السيطرة التي استعملتها إسرائيل في الضفة الغربية تقوم بنقلها للسيطرة على الفلسطينيين في الداخل. وهكذا كما تخطط دولة الاحتلال، فإنه "في ظل واقع كهذا لا حاجة أولا إلى فرض الولاء للدولة الصهيونية بواسطة القانون، إذ إن ولاء كهذا سوف يستبطن (يذُوّت) من جانب المواطن الفلسطيني، ولا حاجة ثانيا إلى فرض الخدمة القومية أو العسكرية بواسطة القانون، وإنما ستكون طوعية. وثالثا وأخيرا لا حاجة إلى منع التواصل والتكامل مع العالم العربي، لأنه برسم كل ما تقدم سيكون هذا العالم غريبا بالنسبة إلى هذا المواطن ولا ينطوي التواصل والتكامل معه على أي ضرورة حيوية مخصوصة" (ص: 90). وهما يشدّدان على أن وجود مثل هذا التخطيط لا يعني النجاح في تطبيقه.

وينبغي أن نشير إلى أن الكتاب مكتوب بطريقة سلسة، وضمن مباحث مختصرة ومباشرة، ويُقدّم للقارئ مادة زخمة وتحليلا مباشرا حول الأحداث المهمة التي وقعت بعد انتفاضة الأقصى في أكتوبر عام 2000. صحيح أن الكتاب ينتهي بالحرب على غزة عام 2009، غير أن الكاتبين أوضحا أن هذا الأمر نابع من الحاجة إلى إصدار هذا الكتاب بعد تأخر في نشره دام سنوات. وربما سيكون من الأجدى تحليل باقي الفترات حتى اليوم، لكن لا شك في أن منظومة التحليل التي يزودنا بها الكاتبان تسعف القارئ في تحليلها عبر الاستناد إلى قراءة الكتاب للأحداث التي تناولها بين صفحاته.

تجدر الإشارة أيضاً إلى أنه نظرًا إلى كون الكتاب يطرح منظومة الأمن لتحليل هذه الأحداث، كان من الواجب على الأقل التطرّق إلى كتاب المؤرخ إيلان بابيه الصادر عام 2016، والذي يتعاطى بشكل مفصل مع التعامل الأمني الإسرائيلي إزاء الفلسطينيين في إسرائيل منذ النكبة وحتى الآن. كذلك لم يبين الكتاب الفرق بين منظومة السيطرة التي كانت في الماضي، والتي سبق أن تطرق إليها إيان لوستيك في كتابه "العرب في الدولة اليهودية" (1980)، وبين المنظومة الحالية، غير الإشارة، وهي إشارة مهمة، إلى مقاربات اقتصادية جديدة للسيطرة. مع ذلك، فإن مقولة الكتاب ستظهر على نحو أكثر حدة في السنوات التي لم يتطرق إليها الباحثان، ولا سيما من خلال مظاهر مثل حظر الحركة الإسلامية الذي أشارا إليه، والاعتقالات الإدارية، وقضية النائب السابق باسل غطاس، والاعتقال الأخير للشيخ رائد صلاح، وملاحقة الناشطين العرب على الفيسبوك، وقضية الشاعرة نادين طاطور... والقائمة تطُول.

يمكن أيضًا الإشارة إلى بعض الملاحظات الفنية في الكتاب، منها غياب الفهرس وسنة الإصدار، والكتابة غير الموحدة للمصادر في الهامش، فمرة يشار إلى مصدر صحافي بتاريخ الصحيفة فقط، ومرة يتم تفصيل المصدر.

في النهاية لا بُدّ من القول إن هذا الكتاب مُهّم جدًا، لا سيما لشريحة الشباب والطلاب. وهو يصلح لأن يكون مادة ضمن المواد البديلة التي يتم تداولها في المشهد التعليمي الفلسطيني في الداخل، فضلًا عن كونه مرجعًا أكاديميًا مُهّمًا للمهتمين بمستجدات الشأن الفلسطيني في الداخل خلال السنوات الأخيرة.