Menu
حضارة

نظارات غزة.. اكتظاظ وحياة بلا كرامة

تعبيرية

غزة_ بوابة الهدف_ أنسام القطّاع

ثلاثُ غرفٍ لا تدخلها أشعة الشمس ولا الهواء، نافذتها الوحيدة مغطاه بأسلاك شائكة، متوسط مساحة الواحدة منها 4 متر مكعب، يُحتجز داخلهنّ قرابة 100 شخص يفترشون الأرض. هذا هو المشهد في غُرف النظارات "مراكز التوقيف" في قطاع غزة. البالغ عددها 22 في المحافظات الخمس.

أغلب النزلاء يشتكون من الاكتظاظ داخل مراكز التوقيف هذه، وهو ما يؤثر سلبًا على صحتهم وعلى ما يُقدَّم لهم من خدمات. وفق شهادات سجلّتها "بوابة الهدف" من داخل النظارات، التي تضم قرابة 1200 نزيل.

أحد النزلاء، فضّل عدم ذكر اسمه، لحساسية الموقف، قال لمراسلة "بوابة الهدف": تم اعتقالي أكثر من مرة في مركز توقيف حيّ التفاح -شرق مدينة غزة- إحداها على خلفيّة شجار عائلي وأخرى بسبب ذمة مالية. عانيت كثيرًا من الازدحام داخل النظارة ومن قلّة النوم وما نتج عنه من ألم في ظهري، وهناك الكثير من النزلاء يصابوا بالأمراض الجلدية".

قليلًا ما يُتاح للمحتجزين الاستحمام، يُفاقم هذا شحّ المياه الساخنة في فصل الشتاء، إضافة إلى وجود المرحاض داخل الغرفة، وما يترتب عليه من رائحة كريهة وانعدام التهوية. وفق شهادة النزيل "ح.م".

المحامي في الجمعية الوطنية للديمقراطية والقانون، بلال النجار، أفاد بوجود ازدحام داخل النظارات بغزّة، وهذا ما لاحظه من خلال زياراته الميدانية لها.

وعزا المحامي النجار سبب الاكتظاظ إلى الازدحام في مراكز الإصلاح والتأهيل "السجون"، وقال إنّ "الغرف الواحدة في النظارة المخصصة لاستيعاب 15 نزيل كحد أقصى يُحتجز داخلها أكثر من 30".

وتابع "هناك مراكز لا تصلح للتوقيف وخاصة في بلدة القرارة شرق خانيونس، فالنظارة هناك عبارة عن (بدروم) ما يعني ظروف احتجاز سيئة في فصليْ الشتاء والصيف، إضافة إلى أن وجود مرحاض واحد، يستخدمه أكثر من 30 شخصًا". ناهيكَ عن وجود بعض مراكز التوقيف التي لا تحتوي أصلًا على مرحاض، وبدلًا منه يُوضع للنزلاء (دلو) لقضاء الحاجة.  

ومن خلال زياراته الميدانية، وجدَ المحامي أنّ في بعض النظارات، لا يتم الفصل بين النزلاء، وأوضح لمراسلة "بوابة الهدف" أنه "وجد في إحدى الزنازين الجماعية أشخاصًا محتجزين على خلفية سرقة، وآخرين على خلفية تعاطي وتجارة مواد مخدرة، وغيرهم ذمة مالية".

وتأكيدًا لما أفاد به المحامي النجار، علِمت "بوابة الهدف" أنّ بعض النظارات شهدت حالات اعتداء من قبل موقوفين على خلفية تعاطي المواد المخدّرة على نزلاء آخرين داخل النظارة، نتيجة عدم الفصل بين النزلاء.

مدير مكتب غزة والشمال في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، رأفت صالحة، قال إن "استخدام النظارات كمراكز اصلاح وتأهيل (سجون)، يعد انتهاكًا صارخًا بحق النزلاء، فالنظارة وفق القانون مكانٌ يحتجز فيه الموقوفون لمدة لا تتجاوز 48 ساعة، يتم بعدها تحويل النزيل إلى مركز التأهيل والإصلاح؛ وهي غير مؤهلة لاستقبال أعداد كبيرة من النزلاء، كما هو الحال في نظارات القطاع، التي يحتجز فيها من 80-100 نزيل، في غرفتين أو ثلاثة فقط، يفترشون الأرض لعدم وجود أسرّة كافية لهم، ومنهم من يقضي كامل فترة محكوميّته داخل النظارة".

وتتابع الهيئة المستقلة ازدحام النزلاء في النظارات منذ سنوات، ومن ضمن ما تواجهه من إشكاليات في هذا الإطار، هي الانقسام الداخلي الذي يعيشه القطاع منذ 11 عامًا، إضافة لعدم توفير موازنات لبناء مزيد من مراكز الإصلاح والتأهيل، أو توسعتها، الأمر الذي يضطر الأجهزة الشرطية لاستقبال الموقوفين في النظارات.

الطبيب محمد الأستاذ، الذي يُتابع الوضع الصحّي للنزلاء في النظارات، أقرّ بتردّي الحالة الصحيّة لدى بعض النزلاء، الذين يتم توقيفهم أكثر من مرّة.

وكشف د.الأستاذ أنّ المحكومين على خلفية المخدرات هم أكثر السجناء الذي يُعانون من وضع صحي متدهور، بفعل تعرّضهم للتعذيب خلال اعتقالهم، قبل دخولهم النظارة أو خلال فترة التوقيف.

وعن ظروف الاحتجاز قال إن بعض النظارات لا يُوجد فيها أسرّة، والنزلاء فيها يفترشون الأرض، عدا عن الفراش الذي لا يصلح للاستخدام الآدمي. كما يُقدّم لهم طعامٌ واحد فقط وهو "الجُبن". وهو ما تحفّظ عليه الطبيب، لجهة ضرورة تقديم طعام مُتنوّع يحتوي على الخضار والفاكهة اللازمة للحفاظ على صحّة الإنسان. كما انتقد الأستاذ عدم وجود طبيب أو عيادة طبية داخل عدد من النظارات.

"بوابة الهدف" توجّهت إلى المتحدث باسم الشرطة بقطاع غزة أيمن البطنيجي، الذي أقرّ بدوره وجود اكتظاظ شديد في نظارات غزة. وأنّ بعض النزلاء يقضون محكوميات تتجاوز العام داخلها. مُؤكّدًا أنّ كل هذا مخالفٌ للقانون.

وبرّر البطنيجي "مخالفة القانون" هذه بأنّ جهاز الشرطة عجز عن إيجاد حلول لهذه الأزمة، وقال إنّ "مهما حاولت الشرطة إيجاد حلول إبداعية للمشكلة، لا تستطيع، لأن عدد الموقوفين يساوي أو يزيد عن عدد نزلاء السجون."

المتحدث باسم الشرطة استعرض لـ"بوابة الهدف" أسباب، قال إنّها فاقمت أزمة الاكتظاظ داخل النظارات، منها تعرض السجن المركزي ومراكز أخرى للقصف أكثر من مرة خلال أوقات العدوان الصهيوني على القطاع، إضافة لعدم تمكّن وزارة الداخلية من استكمال بناء السجن الجديد "الكبير" في خانيونس، الذي قد يُساهم في تخفيف الأزمة، إضافة لعدم إمكانية بناء سجن آخر، بسبب عدم وجود الموازنات الخاصة بذلك.

تصريحات البطنيجي التي خلَت من الحديث عن حلول مُمكنة للأزمة في الوقت الحالي أو القريب، تُنذر بطول أمدها، رغم جُملة المخالفات القانونية التي تشوبها.