Menu
حضارة

"قانون التقادم" كابوسٌ يُدركه العامل بعد ضياع حقوقه

عمّال- أرشيف

غزة_ بوابة الهدف_ أنسام القطّاع

مرّت نحو 6 سنوات على تطبيق مادة "تقادم الحقوق العمالية" الصادرة عن المجلس التشريعي في قطاع  غزة  بالعام 2012، التي تُحدد المدّة التي يُسمح للعامل خلالها تقديم دعوى للمحكمة ضدّ ربّ عمله بعامٍ واحد فقط، وبعده يفقد هذا الحق. هذه المادّة أكّد مُراقبون أنّها تنتهك حق العامل المغلوب على أمره، وتنحاز لرب العمل، وهو ما اتّضح من عدّة حالات حصلت عليها "بوابة الهدف" من مركز الديمقراطية وحقوق العاملين بغزة.

العاملة (س. ع) كانت تعمل في مؤسسة أهلية مدة سنتين، وبعد انتهاء عقدها تلقّت وعودًا من قبل المؤسسة بتجديد المشروع، وبقيت فترة من الزمن تتردّد على مكان عملها كمتطوعة، قبل أن تُغادر القطاع إلى  مصر  لاستكمال دراستها العليا؛ لتُحسّن من مُسمّاها الوظيفي في حال عودتها للعمل.

المؤسسة، وخلال سفر العاملة (س.ع) الذي استغرق أكثر من عام، عيّنت أحد زملائها مكانها. كما وخلال سفرها صدر القانون المدني ال فلسطين ي رقم (4) لسنة 2012 في غزّة، والذي قلّص وحدّد مدّة التقادم لسنةٍ واحدة فقط، بحسب ما جاء في نص المادتين: (414) و (795)، بعدما  كان الحد الأقصى لتقادم كافة الحقوق العمالية "المطالبات القضائية" خمسة عشر عامًا من تاريخ استحقاقها.

وعليه، عندما رفعَت العامِلة دعوى في المحكمة للمطالبة بحقوقها العمالية لم تقبل الدعوى، رغم وجود "مانع أدبي" لديها، كون المؤسسة كانت وعدتها بأن تعيدها للعمل. إضافة لوجود عقبة أخرى تمثّلت بسنّ القانون بينما كانت هي خارج قطاع غزة، وما يتّصل بهذا من صعوبة في العودة إليه بسبب إغلاق المعبر.

أمين الصندوق في نقابة المحامين علي الدن قال لمراسلة "بوابة الهدف" إنّ: القانون واضح فيما يتعلق بتقادم الحقوق العمالية؛ فالأصل أن يتم تطبيق القانون الخاص وهو قانون العمل، الذي لم ينص على مدّة تقادم محددة للحقوق العمالية، ووضع المُشرّع فترة 15 عامًا، وهي مدة طويلة نسبيًا، وهذا لأن العامل هو الطرف الضعيف في المعادلة. ولكن الإشكالية تكمن في نص مادتين في القانون المدني رقم (4) لسنة 2012 الذي أقره المجلس التشريعي "كتلة التغيير والإصلاح" في غزة.

الدّن رأى أن "المشرّع لم يوازن بين النصوص الواردة  في قانون العمل الخاص والقانون المدني"، وأضاف أنّه "يجب على المجلس التشريعي أن يتدارك هذه المسألة، التي بحاجة إلى تعديل تشريعي".

عاملٌ آخر كابد العقبات التي أوجدها قانون التقادم "الجديد"، فبعد عمله 8 سنوات سائقًا في مكتب لسيارات الأجرة، طلب منه مديره أن يتوقف عن العمل بسبب الأزمة المالية التي يمر بها المكتب مع وعودٍ مستمرة له بعودته في حال تحسنت الظروف. لكنّ الوعود تغيّرت بعد مدّة من الزمن، ورغم المحاولات الودّية من أجل التوصّل لحلّ يقضي بعودة السائق للعمل، كانت الردود كلّها سلبيّة، ما اضطرّه للتوجه إلى محامٍ لرفع دعوى بالمحكمة التي ردّت دعواه أكثر من مرّة.

مدير مركز الديمقراطية وحقوق العاملين بغزة نضال غبن، أفاد بأنّ المادتيْن آنفتيْ الذكر تنتهكان حقوق العمّال، خاصةً من يعملون في إطارٍ عائليّ أو بوجود روابط صداقة. مُشيرًا إلى أنّهما تسريان على كلّ أشكال إنهاء الخدمة، وكلّ الحقوق المترتبّة على إنهاء عقد العمل دون تمييز بين فصلٍ تعسفيّ أو إنهاء الخدمة بشكل طبيعي.

يُضاف إلى هذا أنّ هاتين المادتين سُنَّتا خلال فترة الانقسام الداخلي الفلسطيني، وبحسب غبن فإنّ "أيّة قوانين وتشريعات سنُت في هذه الفترة مشكوكٌ بدستوريّتها من الجانب القانوني".

وتابع غبن "انّ فترة العام التي حدّدها القانون لا تعطي العامل وقتًا كافيًا لإجراءات التقاضي؛ سيّما وأن الكثير من القضايا تدخل في إطار ودّي ضمن مفاوضات عائلية أو عشائرية، الأمر الذي يستغرق وقتًا".

هناك العديد من القضايا والشكاوى العمالية وصلت مركز الديمقراطية وحقوق العاملين، الذي وثّقها وأعدّ لها لائحة دعوى، وتقدّم بها للمحاكم، لكنّها رُدَّت على خلفيّة انقضاء مدة العام.

مدير دائرة العلاقات في وزارة العمل رفيق أبو الجبين، كذلك رأى أنّ "مدّة التقادم الواردة في القانون المدني غير ملائمة لتنظيم العلاقة العمالية بين العامل وصاحب العمل، إذ إنّ فيها ظلماً كبيرًا يقع على العامل وحقوقه". مُبينًا أن الوزارة تلقّت العديد من الشكاوى العمالية بهذا الخصوص.

وقال أبو الجبين إنّ ما يُصعّب موقف العامل في هذه القضايا هو عدم وجود وعي كافٍ لدى العمّال بحقوقهم وكيفية المطالبة بها.

وتابع "الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها قطاع غزة أثرت على العامل واستقراره الوظيفي، فهو يعمل لمدّة عامٍ أو يزيد، وبعد مدّة يتوقف عن العمل لسبب أو لآخر، ومن باب الأدب والحياء يُفضّل الانتظار وعدم المطالبة بحقوقه على أمل العودة لعمله مجددًا".

بدأت الآثار القانونية لتخفيض مدة تقادم الحقوق العمالية من 15 عامًا إلى عامٍ تطفو على السطح بعد مرور عاميْن من تطبيق القانون، في ظلّ ردّ القضاء للعديد من دعاوى الحقوق العمالية لسقوطها بالتقادم.

"بوابة الهدف" توجّهت إلى رئيس اللجنة القانونية بالمجلس التشريعي في غزة النائب محمد فرج الغول الذي قال: إن المجلس درس مطالب النقابات ووزارة العمل التي اعترضت فيها على تقليص مدّة التقادم، وقال "إنّ المجلس يبحث رفع المدة من عامٍ إلى ثلاثة أعوام، وهو بندٌ لا يزال قيد المناقشة العامة".

بين صلَف القوانين وعدم مُراعاتها حقوق العمّال، الحلقة الأضعف في المنظومة الاقتصاديّة، والوعود بـ"دراسة الأمر" من أصحاب القرار، يستمر مُسلسل مُعاناة العمّال وإهدار حقوقهم.