Menu
حضارة

حضارة القمع

محمّد جبر الريفي

48a4ebb0

ما يعانيه العالم الغربي الرأسمالي من أزمات اقتصادية وأخلاقية وسياسية هو في الحقيقة أزمة الحضارة الغربية ذاتها القائمة أساسا على نتاج الحضارة الإغريقية والمسيحية الغربية فقد كلفت الحضارة الغربية في تطورها الفلسفي والطبيعي على النحو الذي سارت عليه خاصة بعد الحرب العالمية الأولى والثانية البشرية اشياء كثيرة من الحزن والآلام وعلى هذا الأساس يمكن القول أنه إذا كان للنهضة العلمية والصناعية التي انبثقت عن مكونات العقل الغربي اثرها في عالم اليوم وذلك بما أحدثته من تحولات متعددة الجوانب بهدف تكوين الإنسان الكامل وتحقيق سعادته فإن هذه النهضة لم تكن في واقع الامر إلا انتقالا من كمية صناعية إلى كمية أخرى اكثر تطورا منها وتقدما.. فقد خلقت الحضارة الغربية في تطورها المادي تناقضات رهيبة عجزت التحولات الكبيرة التي احدثتها في جميع نواحي الحياة عن امتصاصها بل عملت هذه التناقضات على إغراق الإنسان في محيط عالمه المادي مما دفع الفرد بالتالي إلى البحث عن نظريات إنسانية شاملة تبدو صلاحيتها لحياته المعذبة وانتزاعها من طوق المادية الخالصة إلى نزعة إنسانية شاملة. الآلة الفكرية في الغرب لم تستطيع من روسو إلى سارتر في أن تحقق القيم المثلى للإنسانية وهذا يظهر في الغرب أكثر منه في أي منطقة أخرى في العالم فالتمييز العنصري والاستغلال الاقتصادي والروح السلطوية والجرائم والفضائح الأخلاقية وعدم اتخاذ موقف عادل من القضايا الدولية (الكيل بمكيالين) كلها من مظاهر المجتمعات الرأسمالية الغربية الاكثر تقدما وإذا كان هناك من مصدر لهذه الظواهر فهو يتمثل اساسا في الحضارة الغربية ذاتها التي قامت على ماديات الجنس والغرائز والتي تعني روح القمع والعنف والتعصب وإثارة الصراعات بين الشعوب والأمم بهدف إضعافها لاستمرار عملية نهبها وباختصار فإن أزمة الحضارة البرجوازية الغربية تتجلى الآن أكثر ما تكون في تلك المعاملة التي يعامل بها الغرب الرأسمالي شعوب العالم الثالث النامية فهو لم يحجز الحرية والرفاهية عن تلك الشعوب سنين طويلة فحسب بل وما زال يقاوم بالتدمير والعنف والحصار والعقوبات الاقتصادية الجائرة كل دولة تحاول اللحاق بالتطور والتقدم الصناعي والتكنولوجي خاصة التكنولوجية النووية واختصار مراحل التخلف الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، الأمر الذي يبقي على التفاوت الحضاري بين الشمال المتقدم والجنوب المتخلف وهو تخلف كان سببه في الواقع حقيقة الاستعمار الغربي الرأسمالي في هيمنته وسيطرته وفرضه لأشكال متعددة