Menu
حضارة

إسرائيل بعد سبعين عامًا!

صبحي عسلية

ربما حاول السفير الإسرائيلى بالقاهرة دافيد جوفرين من خلال نقل احتفال السفارة الإسرائيلية بالعيد القومى لإسرائيل من مقر السفارة إلى أحد فنادق القاهرة للمرة الأولى منذ وجود السفارة فى القاهرة قبل نحو أربعين عاما أن ينقل رسالة إلى الإسرائيليين قبل المجتمع الدولى مفادها أن إسرائيل باتت دولة طبيعية يمكنها شأن باقى الدول أن تحتفل بعيدها القومى خارج أسوار السفارة. واضح أن السفير يتخيل أن ما يحول دون مشاركة المصريين فى الاحتفال هو أسوار السفارة فقط. نقل الاحتفال إلى فندق لم يغير فى الأمر شيئا. إذ أعرض المصريون أيضا عن المشاركة، فتحول الفندق إلى أسوار أخرى لا يقل ما أظهرته من عزلة عن أسوار السفارة. وفى الحقيقة فإن تلك العزلة المفروضة على الإسرائيليين ما زالت تمثل واحدة من أهم الأسئلة التى غالبا ما يطرحها الإسرائيليون على أنفسهم كلما تأهبوا للاحتفال بعيدهم القومي. وبصفة عامة فإن الاحتفال بالعيد القومى فى إسرائيل لا يشبه نظيره فى دول العالم الأخرى. إذ إن احتفالها بذكرى نشأتها غالبا ما يكون مناسبة لطرح الكثير من التساؤلات حول ما تم تحقيقه فى الأعوام السابقة والتخوفات مما يحمله المستقبل للدولة, التى ما زالت رغم مرور سبعين عاما حديثة النشأة بمقياس عمر الدول، ومع ذلك فإنها ما زالت مشتبكة فى صراعات مستمرة وممتدة مع جيرانها وأصحاب الأرض التى قامت عليها.

 

وفى هذا السياق تسود بين الإسرائيليين نظرتان لوضع دولتهم. الأولى تركز بالأساس على ما تم إنجازه خلال السبعين عاما الماضية، فما حققته إسرائيل منذ نشأتها فاق ما كان يحلم به أشد المتفائلين والمؤمنين بالدولة. فقد تمكن ما يقرب من مليون يهودى من إقامة الدولة وحافظوا عليها وسط جو رافض لوجودها. وتمتعت تلك الدولة بقدر كبير من الديمقراطية لمواطنيها اليهود، وكونوا لها جيشا من الجيوش العشرة الأكبر على مستوى العالم، وحافظوا على علاقة شديدة التميز مع الولايات المتحدة، كما أن دولتهم هى الدولة النووية الوحيدة فى الشرق الأوسط. أما النظرة الثانية فتركز على النظر إلى ما لم يتم تحقيقه والمخاطر التى تحيط بالدولة حاضرا ومستقبلا، حيث يركزون بالأساس على المشكلات التى يعانيها المجتمع الإسرائيلى والعلاقات المتوترة بين مكوناته المختلفة؛ العلمانيين والدينيين، والسفارديم والإشكناز. أما الوضع الديموجرافى فيطرح تخوفا شديدا يتعلق بمستقبل الدولة مرده تزايد عدد العرب فى إسرائيل بمعدل يفوق نظيره لدى اليهود. كما أن الدولة لم تنجح فى حل صراعاتها مع جيرانها باستثناء مصر والأردن. ودائما ما كان شبح الخوف من وقوع حرب تكون إسرائيل أحد طرفيها هاجسا لدى الإسرائيليين، وقبل أيام أشار استطلاع للرأى أن 52% من الإسرائيليين يخشون من «حرب قريبة» على خلفية التوتر القائم حاليا مع إيران.

 

المشكلة الحقيقية لدى الإسرائيليين أن كثيرا مما تحقق خلال السبعين عاما يبدو فى خطر. فنحو نصف الإسرائيليين فى استطلاعات عديدة يعبرون عن أن الديمقراطية الإسرائيلية باتت فى خطر، من بينها مؤشر الديمقراطية قبل أربعة أشهر الذى أشار إلى أن نحو نصف الإسرائيليين يرون الديمقراطية الإسرائيلية فى خطر وترتفع تلك النسبة بين مؤيدى اليسار لتصل إلى 62%، والخطر الأكبر كما يشير رئيس المعهد الإسرائيلى للديمقراطية الذى يصدر المؤشر أنه لا يوجد ما يشير إلى إمكانية تغيير ذلك الوضع. كما أن النسبة الأكبر من العلمانيين ترى أن المتدينين يسيطرون على الدولة فى تعبير عن استمرار الانجراف نحو اليمين واليمين المتطرف بصفة خاصة فى السنوات الأخيرة. أما فيما يتعلق بتعريف الدولة أو هويتها، فيبدو واضحا أن اليهود غير معنيين بأن تكون دولتهم دولة محايدة، بل يفضلون دولة ملتزمة بهمومهم ومستعدة لخدمتهم على حساب مواطنيها الآخرين، خاصة العرب، بما يشير إلى تأثير القيم الإثنية المتطرفة التى يؤمن بها اليهود. وطبقا لدراسة أجريت عام 1995 فإن الغالبية اليهودية فى إسرائيل (72.1%) قد دعمت الدولة الإثنية وسياستها إزاء الأقلية الفلسطينية ـ العربية. كما ظلت رؤية الإسرائيليين لإسرائيل باعتبارها وطنا لليهود ثابتة تقريبا منذ بداية الثمانينيات، كما يعبر كل اليهود تقريبا عن رغبتهم فى المحافظة على الأغلبية اليهودية فى إسرائيل. ودائما ما يعرب الإسرائيليون عن اعتقادهم فى أن الوضع الاجتماعى فى إسرائيل غير جيد، كما تزايدت نسبة اليهود الذين يعبرون عن رغبتهم فى الهجرة من إسرائيل، حيث وصلت نسبة هؤلاء فى استطلاعات أجريت العام الماضى إلى حوالى الثلث، وفى مؤشر الديمقراطية للعام الماضى قال 68% إنهم متفائلون بشأن مستقبل الدولة، كما أظهر المؤشر أن نصف الإسرائيليين يعتقدون أن الحياة فى إسرائيل أصعب من نظيرتها فى الدول الغربية الأخري. وهو الأمر الذى يشير إلى فشل الدولة طوال تاريخها وبمختلف زعاماتها فى تحقيق حلمها بأن تكون الدولة بوتقة لصهر شتات اليهود فى كيان واحد، بما يمكن أن يكون مفسرا لكل ما يعبر عنه الإسرائيليون من تخوفات وشكوك بشأن مستقبلهم، وبالتالى ما يشعرون به من عدم الأمان رغم ما يمتلكون من عناصر القوة المادية، إذ يبقى التماسك الاجتماعى الداخلى واحدا من أهم عوامل بقاء واستمرار الدول. فالقلق الأساسى الذى يسيطر على الإسرائيليين هو الخوف من أن تنهار الدولة على حد تعبير الكاتب بصحيفة «يديعوت أحرونوت» «سافير بلوتسكر» أو يتم القضاء عليها وتصبح أنقاضا على حد تعبير الكاتب الصحفى «يونتان شيم» فى مقال لافت للنظر كتبه فى صحيفة معاريف فى منتصف أغسطس عام 2006. «ليس هناك ما يدعو إلى الاحتفال .... مستقبل بلادنا قاتم والوضع لم يعد براقا لدينا ولدى جيراننا» بهذا التعبير شديد الدلالة عبر «شالوم كيتال» أحد المسئولين الإعلاميين السابقين فى إسرائيل عن وضع إسرائيل قبل عشر سنوات أثناء احتفالها بعيدها الستين. واليوم يقول الكاتب الاسرائيلى ديفيد جروسمان، احد أبرز الأصوات المعارضة فى إسرائيل، إن واقع الأبارتهايد موجود بالفعل بسبب الاحتلال الإسرائيلي. وإن إسرائيل التى أنشئت على أمل أن تكون وطنا قوميا لليهود فإنها بعد سبعين عاما قد تكون حصنا قويا ،ولكنها ليست منزلا بعد.