Menu
حضارة

القانون الوضعي والأخلاق

بقلم محفوظ أبي يعلا

«ليس كلّ أمر مشروع شريف»

قاعدة فقهيّة لاتينيّة

«إن الخداع يفسد كل شيء»

قاعدة فقهيّة لاتينيّة

على الرغم من وجود قواعد اجتماعيّة كثيرة تهدف إلى تنظيم سلوك الأفراد داخل المجتمع، فإن القواعد القانونيّة تعد أهم هذه القواعد، وذلك لاعتبارات كثيرة، من أهمها أن القاعدة القانونيّة تتأسس على الواقع، فتحدد انطلاقاً منه ما يجب فعله، أو ما يتعين تركه.

وتقترب القاعدة القانونيّة من قواعد اجتماعيّة أخرى كقواعد الأخلاق، إلا أنّ فلاسفة القانون يؤكدون على ضرورة التمييز بين قواعد القانون والقواعد الأخلاقيّة. ولهذا، فإننا سنتطرق في هذا المقال إلى مناقشة علاقة القانون بالأخلاق؛ هذه العلاقة الّتي تثير الكثير من الإشكالات المتضاربة من حيث طبيعة كلّ قاعدة؛ أعني القاعدة القانونيّة والقاعدة الأخلاقيّة، ومدى ارتباط القاعدتين ببعضهما.

سنحاول في هذا المقال الإجابة عن سؤالين هما: هل ينبغي التّمييز بين القانون والأخلاق؟ وهل هناك علاقة بين ما هو قانونيّ وما هو أخلاقيّ؟ سنحاول الإجابة عن هذين السّؤالين من داخل مبحث فلسفة القانون، وانطلاقاً من الرأي القائل إنه ينبغي التّمييز بين القانون والأخلاق والعلاقات القائمة بينهما، على الرغم من كون شرعية القانون تقوم على فكرة أخلاقيّة، وهي الواجب الأخلاقي بإطاعة القانون[1].

القانون والأخلاق

يعرّف الفقهاء القانون الوضعي[2] بأنّه "مجموع القواعد القانونيّة الّتي تنظم سلوك الأفراد داخل المجتمع في زمان ومكان معينين مع اقترانها بجزاء يفرض على من يخالفها"[3]. أمّا الأخلاق، ففي اللّغة، تأتي بمعنى العادة، والسّجية، والطبع، والمروءة، والدّين. وعند القدماء: ملكة تصدر بها الأفعال عن النّفس من غير تقدّم روية وفكر وتكلف[4]. ويمكن تعريف الأخلاق عموماً بأنّها "مجموعة من المبادئ الاجتماعيّة الهادفة إلى نشر الخير بين النّاس، والقضاء على الشرّ، وبالتّالي تنظيم سلوك الأفراد داخل المجتمع"[5]، أو أنّها مجموع المُثل العليا الّتي تهدف إلى نشر الخير بين النّاس في زمن معين، وذلك قصد تنظيم سلوكهم.

وانطلاقاً من هذه التّعريفات الّتي قدمناها، يظهر لنا أن كل من القانون الوضعي والأخلاق يشتركان في مسألة تنظيم سلوك الأفراد داخل المجتمع، وكذلك في توجههما بالخطاب إلى كلّ أفراد المجتمع في زمان معين. غير أن أطروحة مقالنا تقوم على كون القانون الوضعي لا يرتبط بالأخلاق كما نفهمها؛ أي باعتبارها تعبيراً عن المُثل العليا الّتي تهدف إلى نشر الخير بين النّاس والقضاء على الشّرّ؛ ذلك لأن القانون الوضعيّ لا يفكر في المثل العليا، بقدر ما يفكر في الواقع، فالقانون ينطلق من الواقع ويظل ملازماً له، على عكس الأخلاق الّتي تنظر في المُثل العليا وتفكر في ما ينبغي أن يكون عليه السّلوك الإنسانيّ. وهذه النّظرة للقانون هي نظرة غير دينيّة، وقد أثيرت في حقبة متأخرة من القرون الوسطى، وذلك بعد الإصلاحات الدّينيّة والتّطورات الفكريّة والفلسفيّة الّتي عرفتها أوروبّا خلال القرن السّادس عشر الميلادي؛ إذ أصبح هناك تمييز بين القانون والأخلاق، فالقانون يهتم بالتّصرفات الخارجيّة، بينما الأخلاق تهتم بالتّصرفات الدّاخلية والنّوايا[6]، بيد أن هذا التقسيم غير دقيق وتم انتقاده من طرف بعض الفقهاء، فمعلوم أن القانون الجنائيّ يأخذ بنية اقتراف الجريمة، أو "القصد الجنائي". كما نجد أن الفصل الخامس من قانون المسطرة المدنيّة المغربيّ ينص على أنه "يجب على كلّ متقاض ممارسة حقوقه طبقاً لقواعد حسن النّيّة". ومن هنا، كان مبدأ حسن النّيّة من المبادئ الفقهية الّتي تقوم عليها النّصوص القانونيّة، رغم أن النّوايا كما قدمنا تهتم بها الأخلاق لا القانون.

لكنّ التّمييز بين ما هو قانونيّ وأخلاقيّ يظلّ قائماً، لو أننّا نظرنا للتصرفات الإنسانيّة باعتبار الإنسان فردا في مجتمع معين. فالأخلاق تتناول ضمير الفرد ونواياه الباطنيّة، وتستهدف الإنسان كإنسان وتنظر لتصرفه من حيث إنه يُحسن الإنسان كإنسان، أو يحط من قيمته، بينما القانون يستهدف الإنسان باعتباره عضواً في مجتمع معين، وينظر لتصرفاته ولآثارها في ذلك المجتمع[7].

واقعيّة القانون ومثاليّة الأخلاق

إن القانون مرتبط بنظام بشريّ ينبغي أن يتحقق في الواقع، ولهذا فهو لا ينظر للوجدان، بل للواقع وللبيّنات المتواجدة والملاحظة فيه. فهدف القانون هو الحفاظ على استقرار المعاملات وعلى النظام، ولا يبتعد في مسعاه هذا عن الواقع، بينما الأخلاق تنظر إلى المُثُل العليا، وإلى وجدان كلّ شخص، فتهدف إلى العدل التّام، ثم إن المشرع حين يسن القاعدة القانونيّة، فإنّه ينظر إلى الشخص العادي، على عكس الأخلاق الّتي تفكر في الشخص الكامل أو المثالي الّذي تتخذه نموذجاً.

وهكذا، من خلال ما سبق، يمكننا أن نفهم بعض الإشكالات القانونيّة الّتي تُطرح، والّتي نراها غير أخلاقيّة إلا أنّها قانونيّة، فيمكن، على سبيل المثال، للدائن ألّا يوفي بدينه بعد مرور فترة التّقادم، بينما الأخلاق تحث على الوفاء بالدين مهما مرت عليه من السّنوات. وكذلك، فالقاتل يمكن أن يتخلص من عقوبة الإعدام بعد مضي خمس عشرة سنة ميلادية على إصدار الحكم عليه، لأن العقوبات تتقادم[8] من أجل ضمان استقرار المعاملات، في حين أنه لا يوجد تقادم في الأخلاق. كما نجد أن القانون ينظم مسائل لا تتفق ومبادئ الأخلاق كما في تحديد نسبة الفائدة في البنوك...إلخ. وهكذا، فالقانون يمكن أن يضحي ببعض الأشياء الّتي تُقيم الأخلاق لها اعتباراً، متى كان الهدف من ذلك تنظيم العيش في المجتمع والمحافظة على استقرار المعاملات بين النّاس[9].

التّمييز بين القانون والأخلاق

إن التّمييز بين ما هو أخلاقيّ وما هو قانونيّ ضروري، وعلى المشرع أن يأخذ بعين الاعتبار هذا التّمييز حتى لا يخلط ما هو نسبي مرتبط بوجدان كلّ شخص، وما ينبغي أن يكون واضحاً وواقعياً، لأنّه مرتبط بالمجتمع وباستقرار المعاملات فيه. ومن هنا، يبدو لنا أن خلط القاعدة الأخلاقيّة بالقاعدة القانونيّة لا يمكن إلا أن يضعنا أمام الكثير من الإشكالات، ونحن نجد هذا الخلط كثيراً في القوانين العربيّة، فعلى سبيل المثال، نجد أن القانون الجنائيّ المغربيّ يجرم العلاقات الجنسيّة خارج إطار الزواج، فنجد الفصل 490 من القانون الجنائي ينص على الآتي: "كلّ علاقة جنسيّة بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجيّة تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة". وفي نظرنا، أن هذه القاعدة القانونيّة أخلاقيّة، بمعنّى أنّها تأسّست على معايير أخلاقيّة مرتبطة بوجدان وضمير بعض أفراد المجتمع دون البعض الآخر، في حين أن النّظر إلى العلاقات الجنسيّة خارج إطار الزواج عند كثيرين لا يعد جريمة، ولا يعتبر مسألة غير أخلاقيّة. ولهذا، فمسألة العلاقة الجنسيّة خارج إطار الزواج ينبغي أن تترك لضمير كل شخص ولوجدانه، والجزاء، إذا كان، ينبغي أن يكون معنوياً، كتأنيب الضمير أو استنكار المجتمع، وليس جبراً وإكراهاً من السّلطة العامّة، كما جاء في نص الفصل 490 من القانون الجنائي.

خاتمة

يتضح لنا ممّا سبق، أن هناك فوارق بين القواعد الأخلاقيّة والقواعد القانونيّة، وتتجلى هذه الفوارق في الجزاء الّذي يكون في القاعدة الأخلاقيّة معنوياً، بينما يكون في القاعدة القانونيّة مادّياً، ثم يتجلى الفرق في الهدف، فالقاعدة القانونيّة هدفها تنظيم المجتمع والحفاظ على استقرار المعاملات، بينما هدف القاعدة الأخلاقيّة تحقيق المُثُل العليا والعدل التّام. ولا ينبغي أن يفهم من مقالنا هذا أن القانون والأخلاق لا يشتركان في تنظيم سلوك الأفراد أبداً، بل إنّهما يشتركان في ذلك، كما لا يخفى على دارس للقانون أنّه من مصادر القاعدة القانونيّة الدّين والعرف، ومعلوم أن الدّين يقوم على منظومة أخلاقيّة، وكذلك الأمر بالنّسبة إلى الأعراف الّتي تساغ على ضوء المبادئ الأخلاقيّة الّتي تسود المجتمع، لكن ما أردنا تأكيده وتوضيحه في هذا المقال هو أن القانون لا يرتبط بالأخلاق النّسبيّة الّتي تقوم على المُثل العليا والمرتبطة بوجدان كل فرد، بل ولا ينبغي له أن يأخذ بهذه الأخلاق، وحتّى ولو أخذ ببعضها، فإنه يأخذ بها لأنّها نافعة وتحقق استقراراً للمعاملات في الواقع، فمنطق القانون يقوم على البحث عن المصلحة والمنفعة، وليس عن المُثل. ولهذا، نجد أن فقهاء القانون ميزوا بين القاعدة القانونيّة والقاعدة الأخلاقيّة وغيرها من القواعد الاجتماعيّة الّتي تقترب منها، كقواعد الدّين وقواعد المجاملات.

[1] دينيس لويد، فكرة القانون، ت: سليم الصويص، سلسلة عالم المعرفة، عدد: 47، 1981، ص: 43

[2] يقصد عادة بالقانون الوضعي القانون الذي يضعه البشر، لكن القانون الوضعي في نظر بعض الفقهاء يشمل كافة القواعد السّارية المفعول في مكان وزمان معينين بغض النظر عن مصدرهما.

[3] محمد بنحساين، مدخل لدراسة القانون الوضعي، الرباط نيت المغرب، الطبعة الأولى، 2006، ص: 10

[4] جميل صليبا، المعجم الفلسفي، الجزء الأول، دار الكتاب اللبناني، ط:1،1982 ص: 49

[5] محمد بنحساين، مرجع سابق، ص: 18

[6] هنري باتيفول، فلسفة القانون، ت: سموحي فوق العادة، منشورات عويدات، ط:2،1980، ص: 110

[7] نفسه، ص: 111

[8] انظر الفصل 5 من قانون المسطرة الجنائيّة بخصوص تقادم الجنايات والجنح والمخالفات. لكن تبقى هناك جرائم خاصة ينص القانون والاتفاقيات الدّولية على عدم تقادمها كجرائم الحرب.

[9] آمال جلال، المدخل لدراسة القانون الوضعي، طبع ونشر دار أكدال بالرباط، 1985/1986، ص: 40