Menu
حضارة

ضعفنا رغم الـ70 عاما

سليمان أبو إرشيد

70 عام

ربما جاء فوزها بسباق الأغنية الأوروبية "اورفيزيون" أمس السبت، ليتوج سلسلة الانجازات والانتصارات التي حققتها وتحققها إسرائيل في الذكرى السبعين لقيامها على أنقاض الشعب الفلسطيني.

وإن كانت تلك الانتصارات تنبع أساسا من ضعفنا، نحن العرب والفلسطينيين، وليس فقط من قوة الصهيونية، فإن هذا الضعف ما زال، بعد أكثر من مئة عام، يشكل ثابتا أساسيا في معادلة الصراع، بل وربما الثابت الوحيد في تلك المسيرة التاريخية الطويلة، التي تصل في الذكرى السبعين لإقامة إسرائيل إلى نقطة انحطاط غير مسبوق، ينتقل فيها الصف العربي الرسمي بغالبيته العظمى من موقع العدو لإسرائيل إلى موقع الصديق المتحالف معها، في الحرب التي يقرع طبولها ترامب ونتنياهو ضد إيران تحت ستار كذبة النووي التي سبق وجرى تدمير العراق تحت يافطتها .

المفارقة أن تجنيد الدول العربية، وعلى رأسها السعودية ومصر بدرجة أقل، لا يقتضي هذه المرة أي مقايضة في الملف الفلسطيني، كما حدث في مسيرة مدريد- أوسلو التي أعقبت وارتبطت بحرب الخليج الأولى، وكانت بمثابة "الثمن" الذي دفعته أميركا وإسرائيل لتواطؤ الدول العربية معهما في الحرب على العراق. بل أن التصعيد الأميركي الإسرائيلي ضد إيران يترافق أيضا مع تصعيد غير مسبوق في الملف الفلسطيني، بلغ ذروته في اعتراف ترامب ب القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها، دون إقامة أي اعتبار للدول العربية الحليفة وللقيادة الفلسطينية المنضوية تحت لواء مسيرة التسوية الأميركية.

والغريب أن حكام تلك الدول، وعوضا عن أن ينتفضوا ثأرا لكرامتهم وكرامة الفلسطينيين وصونا للقدس الشريف، أخفض الغالبية العظمى منهم ذيولهم ولاذوا جانبا، بينما رفع آخرون وعلى رأسهم حكام السعودية عقيرتهم وهددوا الفلسطينيين وقيادتهم بعواقب وخيمة، إذا لم يقبلوا بـ"صفقة القرن" التي تشمل التنازل عن القدس وحق العودة والدولة المستقلة.

بعد 70 عاما من إقامة إسرائيل على أنقاض وطنهم ما زال الفلسطينيون منقسمين، هذه المرة بين فتح وحماس وضفة وقطاع، يتقاتلون على سلطة وهمية تحت الاحتلال، أفرزتها تشكيلات أوسلو و"فك الارتباط"، يحاصرون حصارهم المفروض من إسرائيل على غزة ويحبطون نضالهم المنطلق ضد إسرائيل من الضفة، ويلتزمون عدم التدخل في شؤون الدول العربية وفضح مواقف حكامها المتواطئة مع إسرائيل.

وها هي غزة المحاصرة من قبل إسرائيل ومصر وسلطة رام الله، تعود بعد أن جربت كل شيء لأبجدية النضال الأولى، التي واجه بها الفلسطينيون الغزوة الصهيونية لبلادهم، وإلى نقطة البداية التي شكلتها نكبة 48 وإلى القراءة الأولى للصراع التي ترى فيه صراع وجود على كامل الأرض والوطن.

وهل كان الفلسطينيون بحاجة إلى اختبار نوايا إسرائيل والعالم وتصديق المقولة الصهيونية التي وصفتهم بأنهم "لم يضيعوا أي فرصة لتضييع الفرص"، والتي استخدمت للتغطية على الأطماع التوسعية للحركة الصهيونية وإسرائيل وعدوانيتهما؟ ما كان يجب الوقوع في التجربة/التسوية والتنازل عن 78% من فلسطين ليفاوضوا على 22% منها دون طائل.

وهل كان يجدر الوقوع في فخ قرن الكفاح المسلح الفلسطيني بـ"الإرهاب" الذي نصب لتفكيك البنية العسكرية في الضفة الغربية، ثم التحول كما قال شارون عن أبو مازن إلى "فرخة منتوفة الريش"، لا حول لها ولا قوة ولا يصلح حتى لتوقيع اتفاقيات سلام معه، وليس أمامه سوى العمل كوكيل أمني بالمجان لدى إسرائيل.

كل هذه الأفعال هي أهداف ذاتية سجلها الفلسطينيون في شباكهم. وهي أخطاء تضاف إلى أخطائهم التي ارتكبوها على مدى سبعين عاما من عمر دولة الاحتلال ومئة عام من إعلان بلفور المشؤوم. أخطاء، إذا ما أضيفت إلى أخطاء العرب وتخاذل أنظمتهم، ما زالت تحول حتى اليوم دون تحقيق نوع من التوازن الذي يفرض على إسرائيل التراجع والاعتراف بالحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.

ومن الجدير التنويه في هذا السياق، أن المفكر العربي، قسطنطين زريق، الذي صك مصطلح النكبة، استعمله في سياق وصف هزيمة العرب والفلسطينيين وسقوط فلسطين بأيدي القوات الصهيونية، وليس في سياق وصف الكارثة الإنسانية التي حلت بالشعب الفلسطيني.