Menu
حضارة

سبعون عاماً من الاحتلال

نبيل سالم

70

لا يستطيع أحد مهما بلغ من الفهلوية، والقدرة على الخداع، أن ينكر ما قدمه الشعب الفلسطيني من تضحيات جسام، في مقارعته للاحتلال العنصري الاستيطاني الإجلائي «الإسرائيلي»، منذ اللحظات الأولى لبروز المشروع «الإسرائيلي» وحتى يومنا هذا.

ولكن الحقيقة المؤسفة أن سبعين عاماً مضت وما زال الوطن الفلسطيني محتلاً، وما زال الشعب الفلسطيني موزعاً بين خاضع للاحتلال، أو مشرد في المنافي البعيدة، رغم الفاتورة الكبيرة التي دفعها أهل فلسطين في مواجهتهم لأعدائهم.

وهنا يبرز سؤال جد مهم، وهو: «لماذا فشل الفلسطينيون في تحرير أرضهم، رغم عدالة قضيتهم، وحقهم البيّن في وطنهم ؟

بالتأكيد: إن الإجابة على هذا السؤال لن تكون بسيطة وسريعة، يمكن اختزالها بجمل وإجابات عابرة، والسبب في ذلك أن القضية الفلسطينية،رغم وضوح عدالتها، ومشروعية النضال الوطني التحرري الفلسطيني، إلا أنها قضية معقدة، تداخل فيها الكثير من الصراعات الجيوسياسية، والفكرية، والاجتماعية أيضاً، فالوضع العربي المشرذم الذي كان سائداً منذ إقامة «إسرائيل» وما يزال، شكّل العقبة الأخطر في وجه الطموحات الوطنية التحررية الفلسطينية، زد على ذلك غياب استراتيجية فلسطينية واحدة، تستطيع توجيه النضال الفلسطيني بجدارة نحو هدف التحرير والعودة، ساهم في تعثر المشروع الوطني الفلسطيني العادل.

فمنذ بدايات العمل الوطني الفلسطيني، ولا سيما منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية، في عام 1965، خضعت القضية الفلسطينية للاجتهادات الفردية، وتداخلت فيها المصالح الحزبية المتناقضة في كثير من الأحيان.

كما أن توزع الشعب الفلسطيني في العديد من الدول العربية، التي كانت تعاني من أزمات سياسية، والخلافات العربية العربية، جعل الفلسطينيين، يتوزعون في ولاءاتهم بين هذه الدول، ما جعلهم جزءاً من هذه الخلافات العربية أيضاً، وقادهم في بعض الأحيان إلى صراعات مسلحة، بعيداً عن الساحة الأساسية للكفاح الفلسطيني، وهي فلسطين المحتلة.

ومع أن معظم الفصائل الفلسطينية المقاومة، وضعت عند انطلاقاتها هدف تحرير فلسطين، مشروعاً أساسياً لها، إلا أن الاختلاف بين هذه الفصائل في توجهاتها الفكرية والسياسية، ساهم في تشتيت البندقية الفلسطينية، وأبعد إمكانية خلق قيادة فلسطينية جماعية، أو إيجاد فصيل فلسطيني ثوري واحد يقود دفة النضال الوطني الفلسطيني، كما هو الحال في العديد من التجارب النضالية الثورية للشعوب الأخرى، كالتجربة الجزائرية، أو التجربة النضالية الفيتنامية، حيث انخرطت فصائل المقاومة في هاتين التجربتين البارزتين في قيادة جماعية واحدة.

ولو عدنا قليلاً إلى الأدبيات التي انطلقت منها الفصائل الفلسطينية المسلحة، لوجدنا أنها تباينت في رؤيتها لحل القضية الفلسطينية، إن كان عبر النضال المسلح، أو عبر الكفاح السياسي، فمن هذه الفصائل من انتهج الفكر الديني لتجييش الشعب الفلسطيني وحشد قواه، ومنها من انتهج النظريات العلمانية وصولاً إلى تبني الماركسية في عمله النضالي، ومن الفصائل أيضاً من أكد على التركيز على الوطنية الفلسطينية، مقابل فصائل ركزت في نضالها على الأفكار القومية العربية، وهكذا تباينت المواقف والرؤى السياسية بشكل كبير بين الفصائل الفلسطينية الفدائية، لتتحول في بعض الأحيان إلى سجال سياسي ساخن، أو حتى صراعات مسلحة مؤسفة، كما حدث في السبعينيات ومنتصف الثمانينيات من القرن الماضي.

ومن دون الدخول في التفاصيل وهي كثيرة جداً، يمكننا القول إن التجربة النضالية الفلسطينية، رغم ما قدمته وما أحرزته من نجاحات، وأبرزها الحفاظ على القضية الفلسطينية كقضية عربية مركزية، تمتلك أولوية عالمية، إلا أنها لم تستطع تحقيق هدفها الأكبر وهو تحرير فلسطين. إلا أن ما يجري الآن من تطورات للصراع الفلسطيني - «الإسرائيلي»، يوجب بشكل لا يقبل التأجيل على جميع القيادات الفلسطينية، ولا سيما السلطة الفلسطينية، إعادة النظر بسياساتها بشكل جذري، وأن تستخلص الدروس والعبر من التجارب السابقة، والعمل من أجل توحيد الصف والقرار الفلسطيني، وإلا فإن سبعين عاماً أخرى ستمضي من دون أن يحقق الشعب الفلسطيني المناضل آماله بالتحرر من الاحتلال، والعودة إلى وطنه وإقامة دولته المستقلة، فالغضب وحده لا يكفي لتحرير فلسطين، أو حماية مقدساتها، واسترداد حقوق الشعب الفلسطيني، ما لم يدعم بآلية نضالية واعية تعرف أهدافها وتعمل من أجلها بجد.