Menu
حضارة

النكبة المتدحرجة على أيدي «ذوي القربى»

محمد العبد الله

سبعون عاماً، والشعب العربي الفلسطيني لا يزال يعيش نكبته المتميزة باستثنائيتها وتفردّها، إذ لم تشهد مثيلاً لها شعوب العالم المنكوبة بأشكال عديدة من الحروب والاحتلال والاستعمار (تستثنى حروب الإبادة التي مارسها الاستعمار الأبيض مع سكان القارة الأميركية، أو ما اصطلح على تسميتهم «الهنود الحمر»).

لقد أدّت نكبة عام 1948 إلى تشريد ما يزيد على 800 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم من أصل 1.4 مليون فلسطيني كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية عام 1948 في 1,300 قرية ومدينة فلسطينية، وإلى سيطرة العصابات الصهيونية على 774 قرية ومدينة فلسطينية، التي دمرت 531 منها بالكامل، وما تبقى جرى إخضاعه لكيان العدو وقوانينه. وترافقت عمليات التطهير والتهجير التي مارستها تلك العصابات بحق السكان الأصليين من خلال 70 مجزرة أدت إلى استشهاد ما يزيد على 15 ألف فلسطيني، والسيطرة على أكثر من 85% من مساحة فلسطين التاريخية والبالغة حوالى 27,000 كلم2، بما فيها من موارد وما عليها من سكان، وما تبقى من هذه المساحة لا تخلو من فرض السيطرة والنفوذ من قبل الاحتلال عليها.

تصريح «بلفور» كان له الأثر المباشر الذي وَفَّر للحركة اليهودية ـــ الصهيونية تقديم الأرض التي تستعمرها حكومته، مدعومة بالقوانين والأسلحة التي تساعدها على احتلالها للوطن الفلسطيني. أما «وعد ترامب» في هذه الأيام، المحمول على «مذبحة القرن» فجاء بالعقلية الإمبريالية المتصهينة نفسها، ليُقدم لكيان العدو فرصة تاريخية بجعل مدينة القدس عاصمة لـ«دولة الشعب اليهودي» بإجراء تنفيذي مباشر: نقل السفارة الأميركية إلى المدينة.

لم تكن سياسة الإدارة الأميركية الجديدة مفاجئة، بمقدار ما كانت سرعة تنفيذ وعود ترامب الانتخابية، وخاصة ما يتعلق بكيان العدو والصهيونية اليهودية والمسيحية، لأنها الأكثر تظهيراً في خطوات ترامب المتسارعة، بما تمثله، لا فقط في عدد الأصوات، بل لتحكّمها بالسوق المالية والتكتلات الاقتصادية داخل الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى في العالم. هذه السرعة المندفعة بفعل الطاقم القيادي في البيت الأبيض، الإمبريالي المتوحش، والصهيوني بامتياز، الذي يرى دوره بالمرحلة الراهنة: توفير مظلة أمان للكيان من خلال تفكيك الحصار السياسي والدبلوماسي والاقتصادي العربي، والبدء ببناء علاقات ـــ بالأصح: إظهارها للعلن ـــ بين بعض الكيانات/ المحميات العربية، وخاصة في شبه الجزيرة العربية من أجل إدخال الكيان المجرم في المنطقة، كـ«دولة طبيعية»، ما ينهي عقود العداء بين تلك الكيانات (العائلات الحاكمة والشرائح الاجتماعية التابعة لها، والمحتلين لأرض فلسطين). وقد تسارعت خطوات الحكام في تلك الكيانات على طريق التطبيع مع حكومة العدو بأكثر من مجال. وتتسابق كل من البحرين والسعودية والإمارات، بكل وقاحة وانحطاط أخلاقي، لتقديم شهادات حسن السلوك في هذا الاتجاه للمعلم والحامي، سيد البيت الأبيض، في الوقت الذي ينطلق فيه الشعب الفلسطيني بكل فئاته في مسيرات العودة من قطاع غزة، من دون أي مراعاة، ليس لمشاعر هذا الشعب الذي يدفع كل يوم من دمه وعذاباته ضريبة تمسكه بوطنه، عشرات الشهداء والجرحى، بل لمشاعر أبناء الشعب العربي في تلك المنطقة الذين عبّروا دائماً عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني.

تجيء ذكرى النكبة أمام اندفاعة فاشية متسارعة في ممارسات حكومة العدو وقطعان المستعمرين اليهود الصهاينة. وما يحصل في عموم الأراضي المحتلة شواهد ماثلة للعيان من حيث استهداف المواطنين اعتقالاً وقتلاً وحرقاً، وتدمير ممتلكاتهم: البيوت والمحال التجارية وحرق محاصيلهم الزراعية وقطع أشجارهم. وما شهدته ساحات المسجد الأقصى في القدس المحتلة في «احتفالات» المستعمرين بقيام مستعمراتهم، وبسلوك وممارسات العصابات الفاشية المجرمة، كمنظمة «أبناء الهيكل» في طقوس ورقصات وهتافات، تعكس درجة الحقد والوحشية التي تسيطر على هذا التجمع الاستعماري.

سبعة عقود، والنكبة تلد نكبات ومقاومةً من أصحاب الأرض تلد انتفاضات وثورات لم تهدأ إلى الآن. وفي ظل هذا الواقع الراهن، يرسم شباب وشابات فلسطين طريقاً واضحاً نحو استرداد حقوقهم في وطنهم المحتل. هذا الطريق نقيضٌ لطريق «المفاوضات»، نهج سلطة الحكم الإداري الذاتي المحدود. وإذا كانت الحالة الشعبية تعيش في قطاع غزة أيامها وأسابيعها المجيدة، فإن المسار السياسي والإجراءات التي ترافقت مع هذا المسار في رام الله، وآخرها عقد جلسة «مجلس اللون الواحد» توحي بأن النهج الذي تسير عليه تلك السلطة لا يتوافق مع المهمات الوطنية المطلوبة في هذا المرحلة. لذلك، فإن العمل على تطوير الحالة الكفاحية، الميدانية والسياسية، يتطلب لقاء كل القوى والفصائل والإطارات الشعبية، وخاصة الشبابية، والشخصيات الوطنية، من أجل الاتفاق على رؤية سياسية وبرنامج عمل وطني جامع لكل الوطنيين بهدف تطوير الأداء السياسي والكفاحي للشعب الفلسطيني في كل مناطق وجوده، وللعمل مع القوى والأحزاب والهيئات العربية على بلورة أشكال التنسيق الجماعي لبلورة جبهة عربية شعبية، مؤسساتية وفاعلة تنطلق من ضرورة تعزيز وديمومة التحركات الجماهيرية الواسعة دعماً لنضال الشعب الفلسطيني كما حدث ويحدث، كمثال وليس للحصر، في: صنعاء والرباط وتونس وبيروت، من أجل وضع برامج مشتركة للرد على الهجمة الإمبريالية/ الصهيونية/ الرجعية.