Menu
حضارة

«مسيرات العودة».. والانتفاضة الشاملة

عوني صادق

صباح يوم الخامس عشر من أيار 2018، وصلت جماهير «مسيرة العودة الكبرى» إلى ذروتها ملتقية بذكرى النكبة، ومنهية خمسة وأربعين يوماً من الانتفاض، بدءاً من «يوم الأرض» في الثلاثين من مارس/ آذار الماضي. وفي هذه الأيام المجيدة، تابعت الجماهير الغزّية فعالياتها النضالية،  غزة  التي كانت رأس الحربة في كل انتفاضات الشعب ال فلسطين ي السابقة، مسجلة فيها التضحيات الكبيرة فوصلت حصيلتها في يوم واحد إلى (55) شهيداً و(2770) مصاباً نقل منهم إلى المستشفيات (1770) إصابات مختلفة، ما يشير إلى أن الحصيلة سترتفع أكثر. في الوقت نفسه أصيب عشرات في المواجهات التي وقعت في الضفة الغربية.

وكانت قوات الاحتلال «الإسرائيلي» قد رفعت من وتيرة تهديداتها في الأيام الأخيرة وتوغلت شرق القطاع، لكن تهديداتها لم تردع الغزّيين ولم تؤثر في إصرارهم وعزيمتهم ومواصلة ما عقدوا العزم عليه. ومن نافل القول، إن الجماهير الفلسطينية عبر هذه التضحيات الكبيرة كرست تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه ووطنه وحق عودته إليه. في هذه الأيام، سجلت قوات الاحتلال أرقاماً جديدة في سجل جرائمها، وكشفت الولايات المتحدة انحيازها الكامل وعدائها التاريخي اللذين لم يكونا مجهولين قبل ترامب، انحياز ثابت وعداء دائم للشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية. فبالرغم من ردود الفعل الفلسطينية والدولية، لم يتراجع الرئيس الأمريكي عن قراره الاعتراف ب القدس  عاصمة للكيان الغاصب، أو عن نقل سفارة بلاده وسط تواطؤ عربي وغربي مفضوح!.

السؤال الآن هو: ماذا بعد؟ هل تنتهي «مسيرة العودة الكبرى» اليوم، فتكون مجرد «إحياء» لمناسبة، أو «رد فعل» غاضب تم وانقضى و«ليس في الإمكان أبدع مما كان»، أم يتوجب أن يكون ما تحقق بداية للدخول في مرحلة جديدة من النضال نحو انتفاضة شاملة، هي ما يقلق جنرالات العدو ويهدم مخططاتهم؟.

بعد انقضاء أسبوعين على بدء «المسيرة»، لاحظت يوحنان تسوريف من صحيفة (نظرة عليا- 17/ 4/ 2018)، أن ذينك الأسبوعين يذكران بالانتفاضة الأولى (1987) من حيث حجم المشاركة الشعبية فيها، جاعلة منها، وبدس مكشوف، «بديلاً» لأسلوب الكفاح المسلح، بتصوير «المسيرة» محاولة تقوم بها الجماهير «للحسم أي من الطريقين اللذين تتخذهما القيادتان في رام الله وغزة، بعد فشل الطريقين، طريق المفاوضات والتنسيق الأمني، وطريق المقاومة المسلحة»، حيث «يبدو أنه فصل جديد في أنماط الصراع «الإسرائيلي»- الفلسطيني»!.

لكن مايا روزنفيلد، في صحيفة (هآرتس- 11/ 5 /2018)، وبعد انقضاء خمسة أسابيع على «المسيرة»، رأت شيئاً آخر قالت إنه «أكثر ما تخشاه «إسرائيل»» وقالت: إن السيناريو «الأكثر إخافة ل«إسرائيل» هو استمرار الاحتجاج المدني الجماهيري في غزة، وانتشاره إلى الضفة وتحوله إلى انتفاضة شعبية شاملة ضد الاحتلال». وفي رأي روزنفيلد أنه إذا تمكن «التمرد المدني» من «وضع قيادة ميدانية وجدول عمل خاص به، سيجذب مئات آلاف الأشخاص من كل شرائح المجتمع، من الجنسين ومن كل الأعمار، ولن يكون في الإمكان وقفه لا بواسطة القناصة ولا بواسطة الدبابات ولا بواسطة القصف الجوي، ولا حتى بواسطة الفيتو الأمريكي الدائم للولايات المتحدة في مجلس الأمن»!.

ترى هل نحتاج إلى مستوطنة «إسرائيلية» لتدلنا على الطريق؟ وهل يعقل أن يرى بعض اليهود الطريق الذي يجب أن يسلكه الفلسطينيون للوصول إلى حقوقهم الوطنية؟! في كل الأحوال، ذلك يدل على أن الطريق واضح، وأنه يجب على هذه «المسيرة» حتى تحقق أهدافها أن تستمر في فعالياتها متجاوزة لكل العوائق التي منعت استمرار وشمولية «انتفاضة القدس»، ولكل من يفكر في الاكتفاء بما تحقق، وعلى الجماهير التي نجحت في الوصول إلى محطتها الأولى أن تكون قد قررت الاستمرار في انتفاضتها وأن تفرز بسرعة قيادتها الميدانية وتضع جدول عملها الخاص، على طريق الانتفاضة الشاملة والعصيان المدني الشامل، الطريق الوحيد لإجبار الاحتلال على بدء التراجع، وإفشال مخططات تصفية القضية والحقوق الوطنية.