Menu
حضارة

مسيرات العودة ومحاولات الإجهاض

عوني صادق

في مقال الأسبوع الماضي، خلصنا إلى استنتاج يتلخص في مسألتين: الأولى، أن الجماهير الغزية الغفيرة التي شاركت في «مسيرات العودة» حركها هدف رئيسي واحد هو «حق العودة»، ومنه أخذت المسيرات اسمها. والثانية، أن كل المعطيات المتوفرة تدل على أن جل ما تخشاه سلطات الاحتلال «الإسرائيلي» هو أن تتحول هذه المسيرات إلى انتفاضة شاملة بما يعنيه ذلك من تجاوز لكل المخططات التي تتعلق بتصفية القضية الوطنية في إطار ما يسمى «صفقة القرن» وتفصيلاتها، بدءاً بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، وانتهاء بالعودة إلى المفاوضات العبثية و«الرشاوى» التي يدور الحديث حولها المتعلقة برفع الحصار عن قطاع غزة والتفاهم حول هدنة «طويلة الأمد» مع حركة (حماس).

كان يوم الرابع عشر من أيار(مايو)، موعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة نقطة نوعية في المسار. ففي هذا اليوم نفذت قوات الاحتلال مجزرة حقيقية حيث ارتقى (63) شهيداً و(2800) جريح في يوم واحد. كان المقصود من ذلك تخويف الجماهير لمنع أي تطور في اليوم التالي يوم النكبة. قبلها بيوم واحد، استدعت المخابرات المصرية رئيس المكتب السياسي لحركة (حماس) إلى القاهرة وأبلغته بتهديدات «إسرائيلية» إن لم تتوقف المسيرات. بعد عودة هنية من زيارته التي استمرت ساعات، قيل إن «اتفاقاً شفهياً» قد تم يفضي إلى «تجميد المسيرات» ويقوم على أساس العودة إلى «اتفاق هدنة وقف إطلاق النار العام 2014». وبالفعل طلبت حركة (حماس) من الجماهير عدم اجتياز الحدود والاكتفاء بالبقاء في «المخيمات» قبالة السياج. 

مصادر محلية وفصائلية أكدت لصحيفة لبنانية أن «قيادة حماس أمرت بصورة مفاجئة ومن دون إبلاغ غرفة الفصائل والهيئة العليا لمسيرات العودة بإنهاء الفعاليات جراء سقوط عدد كبير من الشهداء والمصابين، خصوصاً بعدما تبيّنت صعوبة اجتياز الحدود كما كان مخططاً». وبالطبع نفى هنية حصول أي اتفاق، ثم أعلن أن يحيى السنوار سيقوم بزيارة للقاهرة قريباً.

وفي لقاء معه تلفزيوني قال السنوار: «سجل شهادة الشعب الفلسطيني رفض قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وأوصلنا للاحتلال عبر جهات دولية عديدة بأنه إذا استمر هذا الحصار فإننا لن نتوانى عن استخدام القوة العسكرية لفك هذا الحصار».

ورغم ذلك لا يستطيع المراقب أن يتعامى عن بعض السلوكات لحركة (حماس) خلال الأسابيع الماضية. فمن جهة، حاولت الحركة من خلال بعض المتحدثين باسمها أن تظهر بأنها هي التي تقف وراء «مسيرات العودة». وقد جاء في تصريح لأحدهم قوله: «إن 80% من شهداء المسيرات هم من حركة حماس »، علماً بأن فكرة المسيرات كانت بعيدة عن كل الفصائل، وإن كانت (حماس) قد ساعدتها لوجستيا. ومن جهة أخرى، أكدت كل تصريحات المسؤولين الحمساويين على أن هدف المسيرات هو «فك الحصار» عن غزة، مع أن «حق العودة» هو الهدف المعلن، وكان فك الحصار سيكون في حال نجاح المسيرات من قبيل تحصيل الحاصل!

في كل الأحوال، من الطبيعي أن تجهد قوات الاحتلال وتسخر إمكاناتها، عسكرياً وسياسياً ودبلوماسياً، لأن تجهض «مسيرات العودة». وهي لا تزال تخشى استمرارها لأن بعض التصريحات العائدة للفصائل أكدت استمرارها حتى الخامس من حزيران (يونيو) المقبل. وكما سبق أن أجهضت الانتفاضات السابقة، الأولى والثانية بطرق مختلفة، يراد عدم السماح بأن تتحول المسيرات إلى انتفاضة. 

وقد تحدثت صحيفة «هآرتس»، على موقعها الإلكتروني، أن هناك مبادرات للتوصل لوقف إطلاق نار طويل الأمد بين حركة (حماس) ودولة الاحتلال «الإسرائيلي». و«المبادرة» تستهدف في الدرجة الأولى إجهاض «المسيرات» بمنعها من الاستمرار، وبذلك تضيع تضحيات الجماهير هدراً وبلا مقابل، ويكون المعنيون بذلك قد نجحوا في تحويلها إلى هبة غضب عابرة! 

ويبقى التأكيد، مرة أخرى، على أن استمرار «المسيرات» والعمل لتحويلها إلى انتفاضة شاملة هي الطريق الوحيد لإنجاحها وتحقيق أهدافها، وإفشال مخططات التصفية.