Menu
حضارة

برنارد لويس: الوجه العاري للاستشراق

سليمان أبو إرشيد

«مهندس تقسيم الشرق الأوسط».. رحيل برنارد لويس

تصغر صورة برنارد لويس الفعلية أمام الهالة التي جرى نسجها حوله عبر حشد من الروايات في تضخيم بارز لدوره الأكاديمي الاستشراقي والعملي الاستشاري في تصميم وإخراج المخططات الأميركية النافذة والمبيتة، على غرار الدفع باتجاه غزو العراق ومخطط تفتيت العالم العربي والإسلامي.

لويس المؤرخ اليهودي الأميركي، بريطاني الأصل توفي هذا الأسبوع عن عمر 101 عاما، قضى أكثر من نصفها بالبحث في تاريخ وحاضر العرب والمسلمين، وأصدر خلالها 30 كتابا، وتحولت أفكاره إلى ما يشبه "المتكآت النظرية لإستراتيجيات الأمن" التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية في العالمين العربي والإسلامي.

ومن المفارقة أن يكون للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد دور بارز في شهرة لويس بعد أن وضعه على رأس صناع مدرسة "الاستشراق" الذي ناقش فكرته في كتابه الذي صدر في ثمانينيات القرن الماضي تحت هذا العنوان، ولاقى رواجا هائلا في العواصم الغربية، هذا إضافة إلى القدرات التي تمتع بها لويس ذاته الذي تحول إلى ند لسعيد في إطار الصراع بين "الاستشراق" ونقيضه.

ومن المعروف أن إدوارد سعيد قد وجه نقدا صارما للمستشرقين، الذين وصفهم بأنهم "خانوا رسالتهم" كبحاثة خاصا بالذكر "عميد الاستشراق" برنارد لويس، مفندا مزاعمه وتعميماته، ومبرزا حجم التناقضات التي وقع فيها في أبحاثه وتحليلاته، وكاشفا حقيقة مقاصده ومراميه لا سيما لجهة التزامه التصوّر الصهيوني، بشكلٍ سافرٍ ومبطنٍ في نفس الوقت.

سعيد نجح من خلال التفاعل الذي أحدثه كتابه "الاستشراق" في "قلب الطاولة الأميركية والغربية"، وتوجيه ضربة مميتة لتلك المدرسة التي وقف على رأسها برنارد لويس، وضمت نخبة من المفكرين والباحثين التاريخيين ومن يوصفون بقادة الفكر الإستراتيجي في الولايات المتحدة، أمثال صاموئيل هانتنغتون صاحب نظرية "صراع الحضارات" (التي استقاها من مقالة للويس بعنوان "عودة الإسلام")، وفرانسيس فوكوياما القائل بـ "نهاية التاريخ".

الا أن أحداث 11 سبتمبر المهولة نجحت في إعادة الحياة لأفكارهم التي تنظر إلى العالم من بوابة الإمبراطورية الأميركية المنتصرة، بعد أن تبنت مجموعة من صناع القرار، من المحافظين الجدد، أفكارهم وروّجت لها مؤسسات الأبحاث السياسية والإستراتيجية.

وقد نجح دعاة هذه المجموعة والمروّجون لأفكارها ومناهجها الفكرية الاستعلائية، بعد أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 وارتداداتها الداخلية والخارجية، في إضفاء بعد فلسفي وفكري أكثر عمقا للصورة النمطية السلبية، القائمة أصلا، في المجتمع الأميركي عن العرب والمسلمين، وفي استثمار ثقافة الخوف من الإرهاب التي اجتاحت المجتمع الأميركي وانتشرت على جميع المستويات الثقافية والعقائدية.

تلك الحالة شكلت أرضية خصبة للتعميمات النمطية المتعجرفة المعادية أصلا للعرب والمسلمين، والتي عززت ربط الإسلام والعرب كثقافة وعقيدة بالأحداث بغية ربطهم بالإرهاب، ولعب أمثال برنارد لويس، ممن يملكون من الخلفية الثقافية والفكرية والمؤهلات والخبرة البحثية والأكاديمية دورا حاسما في سياقها.

ففي كتابه "ماذا كان الخطأ: التأثير الغربي والتجاوب الشرق أوسطي"، يخرج لويس عن حياده العلمي ونزاهته الأكاديمية ليقدم دعوة صريحة للتدخل في شؤون الشرق الأوسط، تحت ذريعة "إقامة الديمقراطية" فيها، إذ يدعي أن سكان الشرق الأوسط، العرب والإيرانيين، فشلوا في اللحاق بالحداثة، وسقطوا في دوامة متزايدة من الحقد والغضب، على حد وصفه، موفرا الغطاء الأخلاقي لمبدأ جورج دبليو بوش في "الضربة الاستباقية" وتغيير النظام في العراق، ولاحقا لترامب أيضا إذا ما أراد تغيير النظام في إيران.

من هنا الاعتقاد السائد بأن الحرب على العراق، ومصطلحات مثل "الشرق الأوسط الجديد" و"الفوضى الخلاقة"، هي نتاج تفاعل أفكار هؤلاء، وعلى رأسهم لويس، قام صناع القرار بإخراجها من القوة إلى الفعل، وعليه فإنه مهما كرر لويس نفيه لتأييد الحرب على العراق فلن يصدقه أحد.