Menu
حضارة

عراقنا

بوابة الهدف

العراق

مع انتهاء الانتخابات النيابية في العراق تطفو للسطح قضايا كثيرة حول هذا البلد العربي الذي جرى تغييبه عن خارطة إدراكنا، وفي مقدمة هذه القضايا هي تساؤلات كبرى حول مصير هذا البلد وما يجري لهويته من تحولات.

منذ الغزو الأمريكي، عاش العراق تحولات خطيرة على مستوى بناه السياسية والاجتماعية، أنتجت الكثير من الشروخ والشرذمات في شكل ومضمون العراق الذي طالما عرفناه، وإذا تحدثنا عما هو قائم اليوم فنحن بالتأكيد بحاجة ماسة لإعادة استكشاف العراق، فإما نجد أنفسنا أمام عراق جديد وغريب بقدر ما نحن غرباء عنه، أو قريب ومألوف بقدر ما نختار الانفتاح على فهمه مجددًا، واحتضانه عربيًا.

و من باب خداع الذات أن نتخيل نهوض عربي أو نهوض لمشروع تحرري عربي دون دور مركزي للعراق فيه، هذا القول يخضع لأحكام شتى، لا تقتصر على الجغرافيا وحدها، ولا تتوقف عند حدود الموارد البشرية الهائلة التي يختزنها هذا البلد، أو تلك التي تبعثرت في الاغتراب والشتات العراقي.

على كل حال هذا العراق الجديد بكل ما فيه لم يعد موصد أمام العرب، وقبضة الاحتلال الأمريكي تراجعت وتراخت كثيرا بفعل عوامل عدة، بل ويمكن القول صراحة أنّ حجم الهيمنة الأمريكية في العراق أقل بكثير من معظم البلدان العربية التي نسميها مستقلة، لذلك إن اتخاذ الاحتلال كحجة لتجنب العراق وشؤونه لم يعد أمر مقبول، وكذلك الحال إن اتخاذ السلطات العراقية الحالية للمواقف المترددة من الاحتلال والهيئات التي انتجها كمعيار لإنتاج علاقات العراق الحالية هو محض خطيئة.

واذا كان العراق لا زال ملعب لاستقطابات إقليمية واصطفافات طائفية للقوى السياسية الرئيسية، فإن المتابع للجمهور العراقي واتجاهات تصويته وكذلك مواقفه يمكنه تلمس الكثير الكثير مما يكسر الصورة النمطية عن عراق اليوم، فهذا الجمهور في كل مرة يصوت لوطنيته وضد التقسيمة الطائفية التي وضعها الأمريكي وغيره لهذا البلد، كذلك يصوت هذا الشعب العظيم لعروبته وضد أي هيمنة دولية أو إقليمية، ويصوت ضد الطائفية وضد القتل على الهوية، وضد تقسيم العراق، وإن كانت النخب السياسية تعجز عن عكس مطالب هذا الجمهور فإن ذلك لا يعني إغماض أعيننا عن حجم التطورات الايجابية في هذا البلد.

هذه السطور غير كافية لقراءة حقيقية للمسار السياسي والمجتمعي العراقي، او التنبوء باتجاهاته، ولكن قد تكون كافية لنذهب جميعا بعيوننا وعقولنا نحو العراق، نتعلم سومريته من جديد، ونقف قرب حدائق بابل، ونسير على جسر الرصافة، نسأله شيء من حكمته، ومن تاريخه، ونقف مع من يحاول استعادة روحه ودوره، فنحن نحتاج العراق كما يحتاجنا أو أكثر بكثير.