Menu
حضارة

المعلن والمضمر في العلاقات التركية «الإسرائيلية»

1034174438-780x405

بقلم / د.خليل حسين

يعتبر النظام التركي الأكثر دهاءً وحنكة في صياغة المواقف وتأطير العلاقات التركية - «الإسرائيلية». التدقيق في الأمر يظهر تبايناً سياسياً وغراماً اقتصادياً، في معظم المواقف الحساسة المعلن منها والمضمر بخاصة في القضايا الفلسطينية. فهو مزايد من الطراز الأول ويتعدى حدود المألوف وحتى المعقول. آخرها على سبيل المثال لا الحصر، الطلب من القنصل العام «الإسرائيلي» العودة إلى تركيا، بعد الطلب منه سابقاً العودة لبلاده مؤقتاً إبان احتفال افتتاح السفارة الأمريكية في القدس ، وهو أسلوب اعتاد على ممارسته لامتصاص ضغوط الرأي العام الداخلي والخارجي عليه، وهنا لسنا بحاجة لتظهير مواقف النظام السابقة للتدليل على ذلك.

ففي السياسة جانب معلن، لكن الاقتصاد والتجارة أمر مختلف، ثمة علاقات اقتصادية تركية - «إسرائيلية» ذات دلالات خاصة، فلم تشهد تلك العلاقات بشقيها التجاري والعسكري أي تراجع أو تأثر في المواقف البينية ذات الصلة بالعرب وقضاياهم، بل شهدت في بعض فتراتها نقلات نوعية أسست لعلاقات ذات طابع خاص بعيدة تماماً عن السياق الإيديولوجي الذي يجاهر به.

فقد وصل التبادل التجاري بين البلدين في العام 2017 إلى 4.3 مليار دولار، وهو الرقم الأعلى في التبادل بين دول الشرق الأوسط، وهو نتاج الاتفاقية الإستراتيجية التي تم التوقيع عليها في العام 2016 الخاصة بتصدير المنتجات الكيميائية والنفطية التركية إلى أنقرة، إضافة إلى ظهور إيجابية الميزان التجاري لصالح «إسرائيل» بشكل لافت، وغير مبرر اقتصادياً، علماً أن الاتفاقية أتت بعد قطيعة دبلوماسية بين البلدين. وكانت هذه الاتفاقية والاسترخاء في التبادل التجاري أتت جائزة ترضية مجانية ل«إسرائيل» في هذه الفترة. واللافت في هذا الجانب تحديداً، أنه كلما ارتفعت حدة التوتير السياسي بين الجانبين، زادت حدة التبادل التجاري بين الطرفين، وهي في ارتفاع ملحوظ غير قابل للتفسير المنطقي. فمثلاً زاد التبادل التجاري إلى نسبة 11 بالمئة في العام 2017 مقارنة مع العام 2016، في وقت تزعمت أنقرة حفلات الهرج والمرج ضد «إسرائيل» أثناء اعتراف واشنطن ب القدس عاصمة ل«إسرائيل». وتأكيداً على ذلك وفي لغة الأرقام فقد زادت الصادرات «الإسرائيلية» إلى تركيا في العام 2017 لتصل إلى 1.4 مليار دولار، وتتمحور تلك الصادرات حول صناعات بتروكيميائية باعتبار أن تركيا مركز ترانزيت لتوريد الطاقة باتجاه أوروبا.

لقد ظهر نوع من التطابق في تظهير العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الطرفين في السنوات الأخيرة وفي جزء منه خارج عن الاتفاق الاقتصادي المشترك، من بينها الحرب في سوريا التي أظهرت طفرة السياحة «الإسرائيلية» باتجاه تركيا، التي بلغت على سبيل المثال في العام 2012 إقلاع 4740 رحلة حملت 868000 سائح، فيما وصلت في العام الماضي إلى 12400 رحلة نقلت ما يقارب مليوني سائح. علاوة على استفادة «إسرائيل» من كونها محطة ترانزيت للبضائع التركية تجاه الأردن وغزة والسلطة الفلسطينية.

ثمة برغماتية اقتصادية تجارية واضحة في توصيف وتكييف العلاقات البينية بين الطرفين، فتركيا بلسان رئيسها الذي يجيد فن الخطابة السياسية في القضايا ذات الصلة في المنطقة، تمكنت من نسج تفاهمات نوعية في العلاقات السياسية البينية مع «إسرائيل»، وهي مناسبة للطرفين للبناء عليها رغم حدة العلاقات السياسية والدبلوماسية التي تظهر بين الحين والآخر، فالمعلن من السياسة شيء والمضمر في الاقتصاد والتجارة شيء آخر، وعلى الرغم من شيوع تلك العلاقات البرغماتية بين الدول، إلا أن التدقيق بها بين تل أبيب وأنقرة يُظهر أبعاداً وخلفيات ذات دلالات خاصة.