على مدار الساعة
أخبار » آراء

ما لم نتعلمه من مانديلا

27 حزيران / مايو 2018

قبل إطلاق سراحه من سجنه الطويل طلبت مجلة ال«تايم» الأمريكية من أحد فنانيها أن يرسم صورة تخيلية تتصدر غلافها لرجل اختلفت ملامحه بأثر السنين، عاش في شبه عزلة لسبعة وعشرين عاماً متصلة، لم تنشر له صورة واحدة، وكان من الصعب على من لم يره طوال هذه السنوات أن يتوقع الصورة التي أصبح عليها.

لم يكن الآلاف الذين انتظروه على أبواب سجن «فيكتور فيرستير» بوسعهم أن يتعرفوا عليه بسهولة.. ما إن أطل عليهم وقيل لهم: «إنه نيلسون مانديلا» حتى تعالت الصرخات: «أحرار.. أحرار».

في خطوته الأولى إلى الحرية يوم 11 فبراير/شباط 1990 خطت الإنسانية خطوة هائلة لإنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

وبمفارقة المصائر اجتاز «مانديلا» ورفاقه اختبار التماسك حول أولوية القضية فيما أخفق القادة الفلسطينيون في نفس الاختبار بتوقيت مقارب.

في أعقاب الحرب الباردة تولدت بالبيئة الدولية ضغوط وتساؤلات حول قضيتي فلسطين وجنوب إفريقيا تدعو لوضع حد لهما.

رفاق «مانديلا» تراجعوا خطوتين أو ثلاثاً إلى الخلف وتركوه يتقدم وحده إلى مقدمة المسرح السياسي بدوافع قضية منحوها أعمارهم سجناً ونفياً لا تنازع على سلطة حان وقت الصعود إليها.

ما حدث فلسطينياً كان العكس تماماً، حيث جرت هرولة سرية إلى أوسلو صحبتها تنازلات فادحة يدفع ثمنها حتى الآن لقطع الطريق على أي احتمال لتغيير المواقع القيادية، فيما لو نجح الوفد التفاوضي في مدريد من تحقيق اختراق ما.

في خلفيات الرواية الجنوب إفريقية علاقة فريدة جمعت ثلاثة رجال: «نيلسون مانديلا» و«أوليفر تامبو» و«وولتر سيسولو» تعبيراً عن أولوية القضية.

«تامبو» تولى لفترة طويلة رئاسة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي.. وعندما عاد إلى بلاده لأول مرة بعد ثلاثين سنة في المنفى، ليحضر أول مؤتمر علني للحزب في ديسمبر/كانون الأول (1990) قال «مانديلا» من على منصة المؤتمر أمام العالم كله: «ها هو أوليفر يقودنا نحو مستقبل مشرق مفعم بالأمل، إنه الرجل الذي أنقذ الحزب طوال السنوات السبع والعشرين التي قضيتها في السجن، وهو الذي انتقل به إلى منظمة عالمية لها حضورها ونفوذها».. «إنه بحق الجندي والدبلوماسي ورجل الدولة».

في سنوات الشباب الأولى تشاركا بمكتب محاماة في جوهانسبرج حمل اسم «تامبو مانديلا».. ومن موقعه في رئاسة المؤتمر الوطني الإفريقي تبنى حملة دولية لشرح قضية مواطنيه الأفارقة ضد سياسة الفصل العنصري والتنديد بها والدعوة إلى الانعتاق منها، وأن يكون شعارها إطلاق سراح «نيلسون مانديلا».

لم يكن السجين الوحيد الذي تقادمت عليه السنون في السجن ولا وحده من صمد في مواجهة عنت وعسف السلطات البيضاء ضد كل ما هو إفريقي أسود.

«تامبو» دافع باستماتة عن فكرته ونجح في تذليل الاعتراضات عليها، فالعالم يتفهم القضايا الكبرى عندما تطرح عليه، لكنها قد تلهم خياله عندما تجسد أمامه في طلب الحرية لإنسان يرمز إلى أمة مقهورة.

عندما نجح رهانه، بأكثر مما توقع، لم يتردد أن يفسح المجال أمام «مانديلا» لقيادة مرحلة التحول، فقد أصبح رمزاً للقضية معتقداً بعمق أن قضيته فوق شخصه وانتصارها فوق طموحاته وأن لكل مرحلة رجلها، و«مانديلا» هو رجل اللحظة التاريخية.

في لقاء فريد بتوقيته وأجوائه وتفاصيله جمع الرجلين في العاصمة السويدية «استوكهولم» تجلت معادن الرجال الكبار. بادره «أوليفر» بعبارة قاطعة: «نيلسون.. عليك الآن أن تتسلم رئاسة الحزب فقد قمت بواجبي في رعاية المقعد حتى تصل أنت إليه».

رد عليه: «أنت الذي توليت قيادة الحزب من الخارج بأفضل مما كنت قادراً عليه وانتقال الرئاسة بهذا الأسلوب ليس عادلاً ولا ديمقراطياً».. «لقد انتخبك الحزب رئيساً وليس من حقك أن تسند الرئاسة إلى غيرك». لم يتراجع «أوليفر» عن موقفه وكان قراره حاسماً ونهائياً.. فهو رجل «ذكاؤه عميق وقدراته استثنائية في الحوار والنقاش وتفنيد أفكار خصومه بأسلوب منطقي ومقنع»، على ما يصفه «مانديلا» في مذكراته التي يسجل فيها أن أفضل ما تعلمه منه «نظرته الموضوعية التي خففت من اندفاعاتي العاطفية المتسرعة».

تبنى الرهان نفسه رجل قوي آخر هو «وولتر سيسولو»، الذي عانى عذابات السجون الطويلة بذات التهم، وكانت شخصيته ملهمة لكثيرين أولهم «مانديلا» نفسه الذي كتب في مذكراته: «لقد خضت مع وولتر النضال حلوه ومره.. وهو رجل عنده حكمة وعقله راجح، ولا يوجد في الدنيا كلها من يعرفني أكثر منه ولا أطمئن لرأي وأقدره أكثر مما أطمئن لرأي وولتر وأقدره».

كان «مانديلا» مهيأً أكثر من رفيقيه لقيادة التحول، فهو صاحب فكرة «الحوار مع العدو». لم يبدِ «وولتر» ارتياحاً للفكرة عندما حاوره خلف الأسوار. لم يكن ضد المفاوضات من حيث المبدأ لكنه كان يفضل أن تبادر الحكومة البيضاء بها لا أن تأتي «من صفوفنا».

لم يبدِ في الوقت نفسه «أوليفر» ارتياحاً للفكرة وأرسل إلى «مانديلا» عبر محامين يسأل: «ما موضوع المحادثات السرية بالضبط؟».

أقنع «مانديلا» رفيقيه بالمضي في المحادثات لاكتشاف فرص المستقبل وقد كان الرهان في محله.

لم تكن هناك مثل هذه الفرصة في مدريد غير أن التنازلات التي بذلت في أوسلو والعشوائية التي بدت عليها القيادة الفلسطينية، سحبت على المفتوح نزيفاً من رصيد أعدل القضايا الإنسانية حتى وصلنا إلى «صفقة القرن» والاستهتار الكامل بكل حق فلسطيني.

إذا لم نتعلم درس «مانديلا» ورفاقه من أن القضية فوق الرجال والفصائل في مواجهة ما هو مقبل من مخاطر وصدامات فإن الخسائر لن يمكن تحمّلها.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

عبد الله السّناوي

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر