على مدار الساعة
أخبار » آراء

آن للعالم أن يتحرك!

27 حزيران / مايو 2018

نشرت القناة العاشرة في تلفزيون الاحتلال «الإسرائيلي»، الأسبوع الماضي، صورة للسفير الأمريكي ديفيد فريدمان، ظهر فيها مبتسماً مسروراً، وهو يتسلَّم من جمعية يهودية استيطانية متطرفة، صورة لمدينة القدس، وقد زال منها المسجد الأقصى ووُضِع مكانه الهيكل المزعوم. أما قول المذكور بأنه «خُدع»، فعذر أقبح من الذنب. إذ هل خُدع، أيضاً، عندما رفض، (قبل نقل السفارة)، الإقامة ببيت السفير في «تل أبيب»، وانتقل إلى شقة صغيرة في القدس؟! وهل خُدع، أيضاً وأيضاً، عندما ساهم، ( قبل أن يكون سفيراً)، بمبلغ مالي لإقامة مستوطنة «بيت إيل» شمال مدينة البيرة؟! وهل خُدع، أيضاً وأيضاً وأيضاً، عندما صرّح، (كسفير)، أن «ما تبنيه «إسرائيل» في الضفة ليس استيطاناً، فهي تبني في أرضها»؛ وأنها (أي «إسرائيل»)، «هي الوصية على القدس وكل ما فيها»)؟! لذلك لا يحتاج المرء إلى ذكاء استثنائي لإدراك أن ابتسامة السفير، هنا، تعني موافقته على ما بداخل الصورة. بل وتؤكد قناعته بإمكانية إحلال الخرافات التلمودية محل حقائق التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا الراسخة. أما أن يأخذ الصورة المذكورة أعلاه، في شهر رمضان، وغداة نقل السفارة الأمريكية، وارتكاب «مجزرة يوم السفارة»، فإمعان في صب الزيت على النار، وإيغال في استفزاز وتحدي مشاعر مئات الملايين من العرب والمسلمين.

وإذا أخذنا بالحسبان أن فريدمان هذا يتحدث ويتصرف كسفير لواشنطن، يمثل سياستها الخارجية ويعبر عن مواقفها، لقلنا: إن «صفقة القرن»، سيان أُعلنت أو لم تُعلن، لا تعدو كونها خطة أخرى لتصفية القضية الفلسطينية من جميع جوانبها. وإذا أضفنا أن السفير فريدمان ينتمي لفريق من اليهود الأمريكيين المتطرفين الذين يعتمرون القبعات السوداء، وأن هذا الفريق يتحكّم بمفاصل سياسة إدارة ترامب الخارجية تجاه المنطقة، بعامة، وتجاه الصراع العربي - «الإسرائيلي»، وجوهره القضية الفلسطينية، بخاصة، لتبيَّن أن هذه «الصفقة» تحمل في طياتها، فعلاً، مخاطر تحويل الصراع إلى صراع ديني لا يبقي ولا يذر، لا في فلسطين ومحيطها العربي والإقليمي، فحسب، بل وفي العالم بأسره، أيضاً.

الاستنتاج أعلاه ليس متسرّعاً، ولا مبالغة فيه، خصوصاً أن إدارة ترامب تضم السفير فريدمان، ونائب الرئيس بنس، ومستشار الرئيس للأمن القومي بولتون، ووزير الخارجية بومبيو، وصهر الرئيس ومستشاره لشؤون المنطقة كوشنر، ومندوبة واشنطن في مجلس الأمن هايلي، ومبعوثه إلى المنطقة جرينبلات، وهم جميعاً من أكثر السياسيين الأمريكيين دعماً للاستيطان والمستوطنات، وتأييداً لبرنامج الائتلاف الحاكم في «إسرائيل»، بقيادة نتنياهو. وهو البرنامج القائم على: (سلطة واحدة بين البحر والنهر)، ما يعني أن الضفة، وقلبها القدس، «أرض مُحررة»، و«ليست محتلة»، ولا حتى «متنازعاً عليها». لقد آنَ للعالم بأسره أن يقلق، وأن يتحرّك، قبل فوات الأوان، لمنع انزلاق الصراع من حافة هاوية الصراع الديني إلى قعرها. ففريق إدارة ترامب المذكور أعلاه، هو، أيضاً، من أشد المتحمسين والمؤيدين، ل «التحالف غير المقدس»، ( حسب توصيف صحيفة هآرتس)، بين حكومة الاحتلال بقيادة نتنياهو وقادة المسيحيين الإنجيليين الأمريكيين، الذين يؤمنون أن «عودة المسيح المنتظر» مشروطة بقيام «مملكة» «إسرائيل»، وبإعادة «بناء الهيكل الثالث» المزعوم. هذا عدا أن قادة هذه الطائفة من أشد المؤيدين للرئيس ترامب، وأنهم لعبوا دوراً أساسياً، في تصويت اتباعهم له، وهم بعشرات الملايين، وبالتالي، في وصوله لمنصب الرئاسة.

قال السفير فريدمان إياه لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، في نهاية الأسبوع الماضي: «إن الحضور البارز لمؤيدي «إسرائيل» من المسيحيين الإنجيليين في مراسم افتتاح السفارة الأمريكية في القدس يوم 14 مايو/ أيار الحالي، يؤكد أن المسيحيين الإنجيليين يدعمون «إسرائيل» بحماس وإخلاص أكبر من الكثيرين في الجالية اليهودية الأمريكية». وأقر فريدمان بأنه وجّه دعوة شخصية إلى جون هيغي، الذي ألقى كلمة ختامية خلال احتفال «نقل السفارة»، وإلى القس روبرت جيفريس، الذي ألقى كلمة افتتاحية، ووصفهما بأنهما من أبرز قادة المسيحيين الإنجيليين. وأدلى سفير «إسرائيل» لدى واشنطن، رون دريمر، للصحيفة ذاتها، بتصريحات مماثلة لتصريحات فريدمان، حيث قال: «إن المسيحيين الإنجيليين المتدينين أصبحوا العمود الفقري في دعم الولايات المتحدة ل«إسرائيل»...وإن الحديث يدور عن ربعٍ ثابت من السكان، وقد يكون ذلك أكبر ب10 أو 20 أو 30 مرة من عدد اليهود الأمريكيين».

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

علي جرادات

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر