Menu
حضارة

فضاءات للمرأة

د. هيفاء حيدر

كم من الأماكن والمجالات يستطيع المرء منا أن لا يغادرها وهو في خضم حياته يقوم بكل ما تمليه متطلبات مسؤولياته عليه، هي اذاً تلك العلاقة الملتبسة بمجالنا الثابت والمتحرك من حولنا، كيف للعلاقة مع المكان أن تكون،  في حياتنا مهما طالت أو قصرت أيامها العديد من المحطات اللامتناهية  تعبر معنا تفاصيل الزمان الذي نعيش ونترك بصماتنا حيث نمر ، أو يترك الزمان علينا بعض من لمساته ، حروفه وكلماته ، جمل ربما سمعناها منذ حين ولم نعد نتذكر من كان القائل لنا معانيها،  في خلال كل ذلك يبقى التساؤل قائم عن الأمكنة التي عشنا بها أو مررنا بها ، عن كل ذاك المجال الحيوي الذي هيء لنا كي نرتاح بعض الوقت فيه، في أي برهة من الزمان سوف لن يكون بمقدارنا  أن نغادر بعض الأماكن ، وأن نلقي بأجسادنا هناك بلا أدنى حركة ، إنه عالم متخيل من فضاء يحسب كل انسان منا ان بإستطاعته  أن يدون بعض من تفاصيل حياته عليه، فكيف للمرأة أن تسرق ولو بعض من هذا الزمان كي تخلق لنفسها عالماً مليء بفضاءات لها وحدها توقف عقارب الساعة هناك وتأخذ فضاءها وترحل به وتعود بعد فترة الى حياتها تكمل ما تبقى من يومها .

هل سينبض المكان  بحركة لا متناهية ؟ أم سيشع نور الروح ويغمره بجماليات العلاقة مع ما نعيش من تفاصيل نرسمها كما يخط الرسام خطوط لوحته الأولى ؟ أم أن لعلاقة المرأة مع الفضاء الذي تملأ به أماكنها علاقة شبيهة بعلاقة الروح والجسد ستأتي لحظات سيتعب الواحد منهم من الآخر ويتركه يجول لوحده ، أتراها تعبت من حاملها وتريد أن تبتعد عنه ؟  هي إذاً بعض تجليات  وربما هواجس  تنبع من تفاصيل حياتنا في رحلة الخوف من كل تلك العلاقة الملتبسة في مجالنا العام والخاص لنا كنساء وكرجال ، في رحلتنا التي لم يكن لنا خيار في بدئها وسوف لن نعلم في أي متسع من هذا الكون ستحط رحالها . كم تحمل الأماكن في فضائاتها من السحر الخفي في حياتنا، لدرجة اٍنها لا تدع من مجال حتى للتفكير بأن نغادر ونترك جزءاً منا لا نريده أن يرافقنا في كل مرة نريد أن نبحر الى قاع حقيقتنا و نحن مجردين من بعض ما علق بنا هنا وهناك،  في العلاقة مع المكان هناك ما لا يحسب عقباه ما بين المرأة و ذكرياتها التي كانت، لذلك ربما تختار أن تترك جسدها وتمضي حتى لا تحزن المكان و يغضب الجسد وتصبح الأمور أبعد من ارتباط بالمكان و الخروج من دائرة الزمان الذي تعيش به ،هذا ما كان لو أن الأمور التي نقرر أن نتركها ورائنا ونمضي تبقى كذلك نبتعد نحن عنها علها تبتعد هي الاخرى، تغادرنا، ولا تبقى بداخلنا تصر على الحضور فينا و نحن نغض النظر عنها .
ماذا لو اٍكتشفنا أن الأشياء التي قررنا أن نتركها و نمضي الى سكينة متوخاة لم تغادرنا و لم تبتعد عنا ولو بضع خطوات فقط وربما للحظات تمر من أمامنا أطياف الأمكنة التي غادرناها مسرعات حتى لا نلتفت للوراء و نغير من أرائنا ونبدأ اٍستدعاء الذكريات حيث تترك منا بعضها ويعود أدراج الريح كل ذاك الهدوء الذي اٍبتغيناه ولم نجد سبيل لذلك.
قد ينادينا المكان الذي ألفناه و أعتدنا على مشاغباته معنا ،سيراهن أننا سوف لن نتحمل الأبتعاد كثيراً عنه  وسنبقى نبحر في رحاب  فضاءاتنا كثيراً.