Menu
حضارة

هرج ومرج حول الثوابت

علي محمد فخرو

لنلاحظ الهرج والمرج الذي يسود الحياة الثقافية والفكرية العربية في الوقت الحاضر. فنحن أمام هيجان عاطفي يائس وغير موضوعي، ويكاد يكون طفولياً طائشاً، يتمثل في رفض غاضب لكل ثابت تاريخي وضروري من ثوابت الأمة.

هناك هجوم حاقد مستهزئ ومشوّه لهوية العروبة الجامعة التي بناها التاريخ وعمل على بلورتها وتأكيدها سيل هائل من الإنتاج الثقافي العربي بكل تجلياته، وهناك تشكيك بكل محاولة للوحدة العربية حتى ولو كانت مطلوبة لمواجهة الأخطار الهائلة والتحديات الكثيرة التي واجهتها ومازالت تواجهها الأمة، وهناك استنفار هستيري لإبعاد الدين، حتى بألقه الروحي وقيمه الأخلاقية الإنسانية عن حياة المجتمعات العربية العامة، وهناك تراجع انتحاري عن العديد من الثوابت القومية السياسية المصيرية من مثل: ضرورة المجابهة العربية المشتركة للخطر الوجودي «الإسرائيلي» التوسعي العنصري في أرض فلسطين المحتلة أو من مثل: بناء إرادة عربية مشتركة لمقاومة التدخلات والابتزازات الإمبريالية في الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية العربية.

قائمة التراجعات تلك طويلة ومفجعة، لكنها تصبح كارثية عندما نرصد ما يقابلها. فهناك قبول أعمى ودعم حماسي لكل منطلقات العولمة النيوليبرالية في الاقتصاد الرأسمالي المتوحّش الخاضع لمصالح وإملاءات المؤسسات والشركات العابرة للقارات، وفي تخلي الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية، من خلال التوجه المتنامي نحو الخصخصة لكل نشاطات الحياة الاقتصادية والخدمية، وفي الإندماج بلا تحفّظ وتعظيم مع الثقافة العولمية الحسيّة الاستهلاكية على حساب الثقافة الإنسانية المتوازنة العميقة الداعية للنبل والسمو الإنساني. وبالطبع قبول كل ذلك هو تمهيد للانسلاخ من ثوابت الأمة السياسية والاقتصادية والثقافية والقيمية التي ذكرنا بعضها سابقاً.

والنتيجة هو التيه والضياع وعدم الالتزام بالمسؤوليات الوطنية والقومية والإنسانية الذي تعيشه غالبية شباب هذه الأمة بالنسبة لحياتهم الفردية وحياتهم العامة، وانجرافهم نحو الحياة الأنانية اللامبالية المنغلقة حول الذات الفردية التي تمجدها حضارة العصر كبديل عن حياة الاجتماع الإنساني المتعاضد المشترك، حتى أصبحت الفردية المفرطة إلهاً من آلهة العصر ومنهج حياة يعلو فوق كل منهج.

نحن بالطبع لا نرى عيباً في رفض كل ماهو خاطئ في حياة الأمم ومراجعة كل ماهو جامد ومتعثر ومحاولة التجديد والإبداع الدائم، خصوصاً من قبل المفكرين والمثقفين الملتزمين. فهذا من طبائع الأمور في حياة الأمم الحية ومن أهم مسؤوليات أصحاب الفكر والثقافة والإعلام وحاملي مسؤوليات الحياة العامة.

لكن مراجعة الثوابت وتحسين ظروفها لا تعتمد فقط على الإعلان الصاخب عن رغبة المراجعة والتغيير، ولا على هدم المعبد على من فيه، كما يفعل أصحاب الهرج والمرج حالياً، وإنما تعتمد في الأساس على كيفية القيام بتلك المراجعة: على مدى وعمق مراجعة الماضي وتحليله بطريقة علمية موضوعية، على صدق ورزانة نقده وإعادة تركيبه ليكون صالحاً للتطبيق في الواقع، على مدى توازي عملية الهدم والتجاوز مع عملية بناء الجديد، على مدى خدمة الأمة والأوطان وليس الإندماج في مشاريع أعدائها الذين يبتغون من عملية النقد والمراجعة، إدخال الشكوك واليأس في عقول أبناء الأمة، على تقديم تصورات جديدة لمسارات جديدة تنطلق من تراث وواقع الأمة لتنقلها إلى الآفاق الجديدة المنشودة.

إنها عملية تحتاج إلى جهود كبيرة، وعمل جماعي، وصبر حكيم، وعدم السقوط في الفوضى الفكرية والانتحار السياسي العبثي.

لنأخذ مثالاً للتوضيح. ما الذي يقترحه المستهزئون بديلاً عن هدف الوحدة العربية؟ بقاء وأبدية الدولة الوطنية العربية؟ لكن الأمة جربت ذلك منذ استقلال تلك الدول، فما حصدت كل الدول إلا فشلاً ذريعاً في الوصول إلى التنمية الإنسانية المستدامة والاستقلال الوطني والتجديد الحضاري والانتقال إلى نظام ديموقراطي معقول. وها نحن نرى أمامنا إمكانية اختفاء بعض الدول العربية من الوجود، إما احتلالاً كما الحال في فلسطين المغتصبة وإمّا تمزُقاً وتشرذماً كما الحال في العديد من دول المشرق والمغرب.

ومن المفجع أن مصير الاختفاء أو البقاء في حالة ضعف وتشرذم تفرزه قوى الخارج، بينما تقف الأمة العربية عاجزة عن التأثير في أي من تلك القرارات الخارجية.

فهل حقاً أن هدف الوحدة العربية بصورة تدرجية منظمة كان حلماً بليداً ساهم في إيصال الأمة إلى ما وصلت إليه من دمار وضعف، أم أن الإصرار على بقاء التجزئة الكاملة، التي رفضت التعاون والتنسيق في صورة التدرجية، كان هو السبب في ما نحن عليه؟.

إذا كان أصحاب الهرج والمرج يريدون مساعدة هذه الأمة، كما يدّعون، فلينيروا طريق الأمة بشموع البدائل المعقولة غير المجنونة بدلاً من لعن الظلام الذي يتسببون في زيادة حلكته وسواده.