Menu
حضارة

رزان النجار.. المُسعفة الشجاعة قاتلت دون سلاح وانتصرت

11

غزة _ خاص بوابة الهدف _ هدى بارود

على باب منزل عائلتها، اجتمعَ عشرات الفلسطينيين ينتظرونَ وصولَ جثمان أول شهيدةٍ من الطواقم الطبية العاملة في اسعاف المصابين بمسيرة العودة، الشابة رزان النجار ابنة الواحد وعشرين عامًا، والتي بدأت رحلتها كمسعفة متطوعة بجمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية على خطوط التماس بينَ الاحتلال والمتظاهرين السلميين شرقَ مدينة خانيونس منذ الجمعة الأولى للمسيرة، وحتى الجمعة العاشرة والأخيرة التي رحلت فيها شهيدةً برصاصةٍ متفجرةٍ في الصدر.

عائلتها المفجوعة برحيلها كانتَ تعرف أن جنود الاحتلال قذرونَ إلى ذلك الحد الذي يغتالونَ فيه طبيبة لا سلاحَ لها غير "الكوت الأبيض والأدوية" التي تعالج بها المصابين، وفقَ والدتها التي احتفظت بملابس ابنتها الغارقة بدمائها.

"كانت تخرج كل يومٍ من السابعة صباحًا وحتى العاشرة مساءً، تعود مُلطخةً بالدم، تغتسل وتقص عليَّ كيفَ أسعفت الجرحى، وكيفَ وصلت إلى أقرب نقطةٍ من جنود الاحتلال رافعةً يديها لتخبرهم أنها لا تحمل شيئًا، هدفها فقط نقل الاصابات إلى النقاط الطبية، وأحيانًا تقديم الاسعافات الأولية لها في المكان"، تابعت الوالدة لـ"بوابة الهدف" بصوتٍ مخنوق مرتجف، حديثًا لم تتابعه لأن جثمانَ الصغيرة جاءَ محملاً بسيارة اسعافٍ قطعَ صوتها القوي حَبلَّ الكلام.

والد المسعفة والذي حملَّ جثمان ابنته البارد من ثلاجة الموتى إلى سيارة الاسعاف في المستشفى الأوروبي بمدينة خانيونس كانَ مطلبه واحدًا هو الانتقام لابنته بمحاكمة الاحتلال الذي يمتص دمَّ فرائسه من المتظاهرين السلميين، لا لشيء فقط لأنه يَنتشي بالدم.

كانَ صوته على الهاتف يتقطع، فالصوت المحيط بهٍ للمشيعين ووسائل الإعلام المرئية غطا عليه، غير أن ما قاله واضحًا لـ"بوابة الهدف": "رزان ما هدَّدت حد، كانت بتحب فلسطين وعملت الي عليها وزيادة".

رزان التي أُصيبت أكثر من مرة بشظايا الرصاص وقنابل الغاز التي أصابت جسدها مباشرة أو استنشقت ريحها، قُتلت غدرًا بعد انقاذها لعشرات المصابينَ وتحرير الكثير منهم من احتجاز ومحاصرة رصاص جنود الاحتلال.

قالت احدى زميلاتها في الإغاثة الطبية الفلسينية: "في الدقائق الأخيرة، وقبيلَ اغتيالها كانتَ تركض رزان إلى الشرق باتجاه جنود الاحتلال حيث كانَ هناك جريحًا على الأرض تريد اسعافه، تحركنا معها وبدأ اطلاق النار علينا بشكلٍ مباشر، تحتَ أقدامنا سقطت الرصاصات فتراجعنا فيما استمرت رزان ترفع يدها، تتراجع قليلاً ثم تتقدم، حتى أنقذت المصاب وتم نقله، ثم قنصها أحد جنود الاحتلال برصاصةٍ أودت بحياتها".. هذه الشهادة وثقها تسجيل فيديو ظهرت فيه رزان وهي تتقدم شرقًا رافعةً كفتيها العاريتين بوجه الاحتلال لتؤكد أنها مُسعفة وتريد انقاذ الجرحى فقط قبلَ اغتيالها.

القناص الذي استهدفَ رزان، وفقًا لصديقتها كانَ معنيًا بقتلها، إذ يبدو أنها استفزته لإصرارها على العمل بإنقاذ الجرحى، فقتلوها برصاصةٍ متفجرةٍ استقرت في صدرها، ولم تمهلها الوقت لوداع رفاقها، حيث استشهدت في الميدان.

في جنازتها التي بُثت على صفحات الفيسبوك كانَ زملائها المسعفين يحملونَ علمًا كبيرًا ويسيرون متشابكين الأيدي لاحقينَ بجثمانها حيث تسير جنازتها إلى مقبرة قرية خزاعة يُرددون "بالروح بالدم نفديكِ يا رزان"، رفاقها الذينَ كانت تتصدرهم في كل محاولةٍ لإسعاف الجرحى ببسالةٍ اعتادوها منها وهي التي كانت تردد في كل مرةٍ تُطل فيها بفيديوهات مصورة "أنا عندي إرادة وجرأة وقوة وعزيمة واصرار إني اكمل مسيرتي رغم كل الي بشوفه، لأني بديت المشوار ورح أنهيه هنا".

برصاصةٍ واحدة قُتلت البريئة رزان، المسعفة المقدامة والشجاعة، رصاصة بيد غادرٍ ربما لو "أبصرت عينيها لاعتذرت"، رحلت رزان تاركة باب التساؤل مفتوح حولَ خطوةٍ حقيقية لمحاسبة الاحتلال على جرائمه بحق الإنسانية المستمرة في غزة، جرائمًا كعينِ الشمس واضحةً، ولكن لا عقاب.