Menu
حضارة

مخيم اليرموك: حسرة في قلوب الأهالي.. وخسائر تجاوزت 80 بالمئة

مخيم اليرموك

دمشق_ بوابة الهدف_ وليد عبد الرحيم

يوم الثلاثاء 29 مايو الماضي سمحت حواجز الجيش السوري للمدنيين بدخول مخيم اليرموك من كافة اتجاهاته، وذلك بعد تحريره من إرهابيي داعش وقبلهم النصرة بعد قصف عنيف جداً على المخيم والحجر الأسود اللذين كانا آخر معاقل داعش والنصرة في جنوب دمشق، النصرة خرجت كما هو معلوم باتجاه إدلب وبث التلفزيون السوري مباشرة عملية إخلائهم بعد أن كانوا يسيطرون على نحو 15% من جغرافيا المخيم، بينما اعتمد داعش بعدها سياسة الغموض في تصرفاته ونواياه من حيث القبول باتفاق أو عدمه وسرى لغط كبير حول ذلك، فالتنظيم الإرهابي الذي رفع الأعلام البيضاء مراراً ومنذ بداية هجوم الجيش والفصائل الفلسطينية الذي استمر نحو شهر ويومين، كان يرافق رفعه للأعلام البيضاء بالقتال ومحاولات الالتفاف وقصف الأحياء الدمشقية المحيطة مثل الزاهرة والميدان، وهكذا استمر القتال بلا توقف حتى انهيار وخروج آخر داعشي في يوم 21/5/2018 .

بعد الانتصار على الإرهاب وطرده وتحرير المخيم، مشط الجيش العربي السوري والفصائل الفلسطينية الأبنية والساحات من مخلفات القذائف والأجسام الخطرة، كما قامت مجموعات ترتدي الزي العسكري بنهب ما تبقى من مقتنيات المواطنين والدولة بحيث سرقت الأثاث والأدوات الكهربائية وتم سحب أشرطة الكهرباء الرئيسية وحرقها لاستخراج النحاس منها علماً بأنها كلفت الدولة مبالغ طائلة وستكلفها أيضاً عند إعادة ترميم البنية التحتية، كما أن أنفاق داعش والنصرة التي خربت شبكة الصرف الصحي من خلال حفر الأنفاق وأعوام من إحراق الأثاث الخشبي للتدفئة وصناعة الوقود من المواد البلاستيكية ، إلى جانب التدمير الذي حصل نتيجة تقاتلها المستمر فيما بينها على الحصص الجغرافية جعلت من المخيم منطقة بحاجة لإعادة بناء شاملة.

على الرغم من الدمار الكبير بل الهائل المستوعب حتى شعبياً بسبب طبيعة الحروب و الذي حل باليرموك ، إلا أن ما يعرف بالتعفيش" نهب الممتلكات" كان أكثر ما آلم وأغضب سكان المخيم من فلسطينيين وسوريين وهو ما عبروا عنه بصراحة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، باعتبار أن ذلك غير لائق بحق الدولة منطلقين في مواقفهم من اتجاهين الأول يهدف للنيل من سمعة الجيش والدولة والثاني حرصاً على سمعة الجيش والدولة، ورد البعض من مؤيدي تعفيش المنازل بردود قاسية عنصرية أحياناً تجاه الفلسطينيين وسكان المخيم وبرزت أصوات ليست ذات شأن ولا احترام تطالب من لم يعجبه الأمر بالرحيل من البلد أو يخرس، بينما تعتبر الدولة ذلك تجاوزات فردية تقع ضمن فوضى الحروب.

وقد شجبت عشرات الشخصيات السورية والفلسطينية هذه الظاهرة اللا أخلاقية معتبرة أن الأمر منوط بمجموعات على هامش الجيش والدولة وأن هؤلاء يسيئون لسمعة شرفاء الجيش كما عبر عن ذلك الدكتور طلال ناجي والسفير أنور عبد الهادي ومسؤول الجبهة الشعبية في سوريا عمر مراد الذي قال بأن المواطنين الذين انتظروا سنوات سبع لرؤية مخيمهم محرراً من الإرهاب يرون أغراضهم تسرق اليوم بعد امتزاج الدم في مقاتلة الإرهاب وهو ما يسيء للجميع، وكذلك كان الموقف الجمعي للسوريين والفلسطينيين في عموم سوريا باستثناء أصوات قليلة تبث الحقد والفرقة بين أبناء الشعب الواحد وبعضها دعا لتهجير الفلسطينيين وبث الفتنة، وبعض الأقلام هذه ومنهم فلسطينيون أنكروا الظاهرة من أساسها عبر التلفيق والتشكيك والقول بأن ذلك كله لم يحدث، وهو الأمر الذي رآه سكان دمشق والمخيم مراراً وتكراراً بأم أعينهم، ومن هؤلاء كان الكاتب عبد الرحمن غنيم الذي أنكر العملية برمتها وحاول مستميتاً التشكيك بها بدل إدانتها وبيان تأثيرها الخطير على هيبة وسمعة الدولة والجيش، كما استغلت قنوات عربية وأجنبية مغرضة تلك الظاهرة للإساءة لسوريا وبث الفتنة.

الدمار الذي حل بمخيم اليرموك كبير نتيجة القتال والتحرير وتمترس داعش حتى النهاية لاستكمال ذلك من خلال أوامر إقليمية وخارجية لا تريد إلا الدمار لليرموك ولكل مناطق سوريا، ومن يدخل اليرموك يكتشف ذلك منذ الوهلة الأولى فالدمار سيد المكان، وبعد انتهائك من جولة عامة تقدر بشكل تلقائي أن المخيم لم يعد صالحاً للسكن بشكل كلي، فما تبقى من أبنيته تهلهلت أساساته الإسمنتية وهو بالتالي يحتاج إلى إزالة حتى وإن كان مازال واقفاً شكلاً، ناهيك عن عشرات الأنفاق التي حفرها الإرهابيون ومست بنية الأسس لهذه الأبنية.

مدير الدائرة السياسية لمنظمة التحرير يقول بأن الدولة السورية ترتب لإعادة الاعمار وأن مؤسساتها هي المسؤولة والمشرفة الأولى على ذلك. الأونروا تعبر عن عجزها عن القيام بشيء يذكر بسبب شح الميزانية. محافظ دمشق يتحدث عن مخطط تنظيمي لجنوب دمشق  يضم مخيم اليرموك، والمواطنون يتخوفون من ضياع حقوقهم، علماً بأن أملاك المواطنين يمكن تحديدها بعدة صيغ قانونية وهي المخيم الأساسي أي الأراضي التي استأجرتها الأونروا لمدة 99 عاماً من الحكومة السورية ووزعت الحصص "النِّمَر" على اللاجئين الفلسطينيين، حيث تبلغ في الأصل مساحة النمرة المخصصة للعائلة 40 متراً، وهي المناطق التي يقع فيها بشكل عام شارع لوبية وصفد وحي المغاربة، ولا تشكل أكثر من ثلث اليرموك، وغالبية بيوتها ملك للاجئين فلسطينيين بينما غالبية محالها التجارية لسوريين معظمهم من تجار دمشق، بينما يملك الثلثين الآخرين من مساحة المخيم فلسطينيون وسوريون بموجب وكالة كاتب عدل يبيع ويشتري قانونياً. وهؤلاء جميعاً كانوا يدفعون الضرائب للدولة وكانت بلدية اليرموك قبل الحرب 2011 أغنى بلدية في سوريا كلها، حيث آلاف المحلات التجارية وأكبر سوق في سوريا أيضاً، وذلك طبعاً قبل النهب والتدمير من قبل الإرهابيين متعددي الأسماء خلال السنوات الماضية حيث لا تجد اليوم أبواب وإغلاق للمحلات ولا وجود للبضائع فيها.

القلق يسود بين المواطنين حول مستقبل ملكية العقارات والإعمار ويطالبون الدولة ومنظمة التحرير بتوضيح ما ستؤول إليه الأمور، وقد رأينا العشرات من المواطنين يتحدثون عن استعدادهم للسكن فوق أكوام الركام الذي حل بمنازلهم، خاصة وأنهم لم يعودوا قادرين على دفع الإيجارات الباهظة لسكنهم المؤقت في ضواحي دمشق، وبعضهم بات ينادي علناً بالهجرة إلى أوروبا تعبيراً عن الإحباط.

المشاهد التي تراها للداخلين والخارجين من المخيم في أوج المأساوية، رجل كهل لا يكاد يقدر على المشي وقد حمل بعض أغراض بيته الزهيدة التي انتشلها من بين الدمار على ظهره، امرأة تبكي فوق ركام بيتها البسيط، شاهدت كهلاً يبكي ويغني بطريقة مأساوية لا توصف، نساء يحملن صور أبنائهن الذين استشهدوا في عملية التحرير من الإرهاب، وقد تحطّم الزجاج المثبت في إطار تلك الصور.

الجميع هنا يطالب القيادة عملياً بالبدء في معالجة الكارثة بعد الخلاص والتحرير من براثن الإرهاب البغيض، وهو ما سيفوت الفرصة على المتربصين بسوريا وسمعتها وكذلك جدية وسمعة قيادة منظمة التحرير، وذلك عبر حسم سؤال مهم ومصيري يدور في خلد أبناء المخيم من سوريين وفلسطينيين، مفاده ما هو مصير بيوتنا؟.

الفصائل الفلسطينية عقدت اجتماعًا في مقر المجلس الوطني الفلسطيني بالعاصمة دمشق، أمس السبت، بحضور السفير الفلسطيني محمود الخالدي، وعدد من الأمناء العامّين للفصائل، ومدير الهيئة العامة للاجئين الفلسطينيين العرب علي مصطفى، لبحث أوضاع المخيّمات، في مقدّمتها اليرموك.

المجتمعون أشاروا إلى أنه جرى الاتفاق مع الجهات المعنية للبدء بإزالة الأنقاض والركام تمهيدًا لعودة الأهالي إلى اليرموك بأسرع وقت ممكن، كما جرى التأكيد خلال اتصالات ولقاءات مع القيادات السياسية والعسكرية والأمنية السورية، حيث تم التأكيد على عدم المس بوضع المخيم من الناحية التنظيمية، والحرص على أن يعود لأهله رمزًا لحق العودة والمقاومة.

لجنة المتابعة العليا للفصائل قدّرت حجم الخسائر والدمار في مخيم اليرموك بنسبة 80%.

كما تقرر خلال الاجتماع عودة الفصائل لمكاتبها في المخيم بأسرع وقت ممكن بالتنسيق مع الجهات المعنية لتوفير حالة من الاطمئنان والأمن تمهيدًا لعودة الأهالي. كما تم بحث إنشاء صندوق للمساعدة في إعادة إعمار المخيم بالتنسيق مع الجهات الحكومية المختصة، على أن يتم تشكيل هيئة الصندوق من مختصين ورجال أعمال فلسطينيين.

الفصائل أجمعت كذلك على تشكيل لجنة ميدانية من 28 شخصية بإشراف علي مصطفى تضم فعاليات المخيم لتقديم الخدمات ومتابعة شؤون العائلات التي تعود لمنازلها. ودعت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" ومنظمة التحرير لتحمل مسؤولياتها تجاه المخيمات في سورية.