Menu
حضارة

51 عاما على هزيمة الخامس من حزيران 1967 وبروز حركات الإسلام السياسي

غازي الصوراني

1967

لقد أسست هزيمة 5/حزيران/67 لمرحلة جديدة في الوطن العربي كله، عنوانها بداية تراجع النظم الوطنية التقدمية، والذي تجلى بعد رحيل القائد الوطني جمال عبد الناصر، ومن ثم بداية عصر الانفتاح وانهيار المشروع القومي، وتكريس التبعية والخضوع للغرب الرأسمالي بصورة غير مسبوقة، الأمر الذي وفر الظروف المواتية لتوجيه الضربات للثورة الفلسطينية، كما جرى في أيلول 1970 وصولاً إلى خروجها وتشتتها على أثر الحرب العدوانية الصهيونية 1982.

وفي مثل هذا المناخ، كان من الطبيعي أن يجدد التيار الديني عموماً وحركة الإخوان المسلمين خصوصاً، نشاطهما بعد هزيمة حزيران التي كانت مصدر ارتياح للعديد من قادة الإخوان المسلمين.      

وفي الواقع، فان عودة جماعات الإسلام السياسي، بزخم كبير ، إلى مسرح الأحداث السياسية في العالم العربي، بعد أن كانت قد انكفأت على نفسها زمن المد القومي والاشتراكي في الخمسينات والستينات، كان نتيجة تضافر مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، التي لا يمكن ان يحيط بها نموذج تحليلي واحد. ومن بين هذه العوامل، سيادة مظاهر الاستبداد وافتقاد الحريات، وتعثر مشاريع التنمية، وتنامي الاستقطاب الاجتماعي، وانتشار الفساد، وتوسع مساحات الفقر وتفاقم البطالة وتراجع فرص العمل، وتنامي الشعور بالإحباط خصوصاً في ظل أزمة الأيدلوجيات التغييرية القومية والاشتراكية، علاوة على فشلها في مجابهة العدو الصهيوني .

ومهما يكن، لا بد من القول أن الإسلام السياسي المعاصر، الذي برز في مطلع ثلاثينات القرن العشرين مع تشكل جماعة الإخوان المسلمين، لا يمثل أبداً، وخلافاً لما يراه المفكر الراحل محمد عابد الجابري امتداداً لتيار الإصلاح الديني الذي أطلقه الأفغاني في النصف الثاني من القرن الماضي وواصله من بعده الإمام محمد عبده، بل يعّبر –أي هذا الإسلام السياسي المعاصر- في منطلقاته وتوجهاته وأهدافه عن قطيعة مع تيار الإصلاح الديني. يؤكد على ذلك موقف العديد من الباحثين والمفكرين العرب، الذي ينطلق من أن هذه الجماعات لا تقدم حلولاً واقعية للازمة العامة التي تواجهها المجتمعات العربية.        

 فالأصولية الإسلامية كما يرى المفكر الفلسطيني الراحل هشام شرابي، في كتابه "النظام الأبوي وإشكالية التخلف العربي" "لن تقوى على توفير علاج ناجح للفوضى التي تتحكم بالمجتمعات العربية "الأبوية"، وذلك لأنها "مثالية" ، ستكون حلولها بالضرورة "سلطوية ومرتكزة إلى عقيدة وسبل جبرية مطلقة" وهي وان بدت على أنها قوة "مُحَرِّرة" ، إلا أنها "في صميمها قمعية حتماً" ، وستلجأ إلى "فرض نظام أبوي سلطوي يقوم على أيدلوجيا غيبية دينية"، جازماً بأنه متى تسلم الأصوليون زمام السلطة، فانه سوف "تستثنى أية إمكانية لقيام أي نوع من النقاش أو الحوار الديمقراطي"

اما الصديق المفكر المصري د. سمير أمين ، فيعتبر أن حركات الإسلام السياسي، تجسد اليوم اتجاه رفض سلبي "لا يقدم بديلا ايجابياً على مستوى التحديات العالمية"، حيث يقوم المشروع الذي تتبناه "على ثلاثة أعمدة، هي:

أولاً : إلغاء الديمقراطية، التي لم تتجاوز إلى الآن (في البلدان العربية) حدود الديمقراطية الليبرالية المزعومة المقصرة والمرتبطة بالكومبرادورية الفاسدة.      

ثانياً : إحلال خطاب أيدلوجي شمولي محلها، ينتهي إلى خضوع شكلي لطقوس "دينية" لا غير .

ثالثاً : قبول الانفتاح الكومبرادوري الشامل على الصعيد الاقتصادي.   

ويؤكد د. سمير أمين أن التعارض بين نظم الحكم "الكمبرادورية" وبين الحركات الإسلامية هو في الواقع "تعارض جزئي خفيف، لا يعدو أن يكون سباقاً على الحكم دون نية في تغيير جوهر السياسة المتبعة"، ويرى - بحق - أن تحالف اليسار العربي مع أنظمة الحكم، أو مع المعارضة الإسلامية، لن يكون له سوى نتيجة واحدة، وهي تأجيل إعادة تكوين هذا اليسار وعرقلة عملية بناء القوى الشعبية القادرة على الاضطلاع بمهمات التغيير الديمقراطي.

ويضيف بقوله " سيؤدي تحالف اليسار مع نظم الحكم القائمة إلى إضعاف مصداقيته في وقت تبدو فيه هذه النظم نفسها غير قادرة ولا راغبة في تصفية الإسلام السياسي، بل تنوي استيعابه من خلال المزايدة الخطابية على الأرضية نفسها، والتنازلات التي تفتح أبواب الحكم للرجعية باسم الدين".

أما بخصوص احتمال تحالف اليسار مع جماعات الإسلام السياسي، فان سمير أمين، إذ لا ينفي حقيقة أن الإسلام السياسي هو غير متجانس، بل ينقسم إلى جناح يميني سافر كومبرادوري الطابع مدعوم من نظم الخليج وجناح مقاوم يعبئ في صفوفه شباباً ثائراً، إلا أنه لا يرى تناقضاً موضوعياً حقيقياً بين هذين التيارين، بل "تقسيم للعمل بينهما، ولو دون وعي من قبل الشباب الثائر... فالايدولوجيا هي هي لدى الطرفين، أي إلغاء الديمقراطية وإقامة نظام شمولي باسم الدين والانفتاح الاقتصادي "الرخيص" باسم "ليبرالية الإسلام" التي يسعى النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة وغيرها، إلى بلورته كعنوان يسعى لتطبيقه في بلادنا في موازاة مفهوم "الليبرالية الجديدة".

ففي المرحلة الراهنة، أصبح التحالف بين النظام الامبريالي من جهة، وبين كل من السلطة الاستبدادية أو حركات الإسلام السياسي، شرطاً لبقاء الرأسمالية الرثه التابعة نفسها، لضمان وتعزيز أوضاع التخلف الاقتصادي والاجتماعي من جهة، واستمرار احتجاز تطور مجتمعاتنا العربية ونهوضها الديمقراطي من جهة ثانية، الأمر الذي يفتح الأبواب مشرعة –في ظل غياب البديل الديمقراطي- أمام قوى الثورة المضادة والقوى السلفية والصراعات الطائفية الدموية والمزيد من تفكك الدولة الوطنية، ومن ثم بروز أُجراء أو قوى طبقية جديدة في خدمة السياسات الامبريالية والصهيونية وفي خدمة "بروباجندات" حكام الانظمة لحساب المزيد من التخلف والتبعية والاستبداد، في مجتمعات تتميز بتركيبها وتطورها الطبقي المشوه، والمحكوم بخليط من رواسب الانماط الاجتماعية القديمة (العشائرية والقبليه وشبه الاقطاعية)، ومن هيمنة طبقية كومبرادوريه بائسة نقيضة لمفاهيم الوطنية والوطن والديمقراطية والتقدم، بحكم تخلفها وتبعيتها، خاصة في إطار مشايخ ما يسمى بأُمراء وملوك بلدان النفط، الذين يجسدون أبشع مظاهر التراث الماضي المتخلف تحت مظلة دينية شكلانية، في محاولة منهم لإعادة إنتاج الماضي الصحراوي الميت، وإحكام سيطرته على الحاضر الحي الذي يتطلع إلى النهوض والحداثة في المدن والعواصم العربية ، القاهرة ودمشق وبغداد وتونس .. إلخ.

والسؤال هنا .. أين يكمن الطريق إلى المستقبل ؟  

إذا لم تكن جماعات الإسلام السياسي مهيأة للعب دور "المنقذ" ، وإذا كانت برامج ومشاريع القوى الوطنية والقوميين والاشتراكيين التغييرية قد وصلت إلى طريق مسدود، فأين تكمن إذن الطريق إلى مستقبل عربي أفضل؟

في الإجابة عن هذا السؤال، أقول : لقد بات الرهان اليوم معقوداً على الرؤية الديمقراطية التقدمية العلمانية في بلادنا، المرتبطة باستنهاض أوضاع القوى والأحزاب والفصائل التقدمية العربية التي تعيش اليوم حالة من التفكك والتراجع والتأزم، ولا تؤهلها أوضاعها في اللحظة الراهنة للقيام بتحقيق وبلورة هذه الرؤية في المدى المنظور.

لكن إيماننا بآفاق المستقبل الواعد لشعوبنا العربية، في هذه المرحلة، يتطلب من هذه القوى تفعيل وإنضاج عوامل وأدوات التغيير الثورية والديمقراطية الحديثة، والاستجابة لمبرراتها وأسانيدها الموضوعية الملحة من قلب واقعنا الراهن.

وفي هذا السياق يرى المفكر التونسي هشاط جعيط أن "المهمة العاجلة" تتمثل في تخليص المجتمع من المحتوى المؤسساتي الإسلامي المرتبط بعصر مضى، وتجديد علمانية غير معادية للإسلام، تقوم على قاعدة الفصل الجذري بين التشريع الديني، من جهة، والمؤسسات الاجتماعية والقانون والأخلاقية والممارسة، من جهة ثانية.     

أما الصديق د. سمير أمين ، فيؤكد على أن الخطوه الأولى على طريق الخروج من الأزمة في المرحلة الراهنة التي تجتازها بلداننا العربية، تتمثل في العمل على إعادة تكوين اليسار وبناء القوى الشعبية، وذلك في إطار عمل طويل النفس يطاول مستويات عدة "من تحديد الأسس الفكرية، وسمات المشروع المجتمعي المطروح كهدف تاريخي، وتحديد المراحل الإستراتيجية للتقدم في الاتجاه المرغوب... والقوى الاجتماعية التي لها مصلحة في انجاز المشروع والقوى المعادية له، ثم أخيراً بناء قواعد العمل المناسبة"، خاصة وأننا أمام لوحة تحكمها تناقضات الصراع التاريخية والراهنة أو التي لا تزال في رحم المستقبل، وهي لوحة تعبر عن شمولية الصراع وتاريخيته. صراع يديره التحالف الامبريالي الصهيوني الرجعي، بكل ما يملك من قوة وبراعة مستفيداً من آخر ما وصلت إليه البشرية من منجزات العلم والتكنولوجيا والإدارة على مختلف المستويات".

غير أن لوحة الصراع تلك بقدر ما تحمل، في هذه المرحلة، من مظاهر التراجع والانكفاء، فإنها تحمل أيضاً مظاهر التأزم والتحفز والمقاومة فلسطينياً وعربياً.    

هذا الواقع يعني حكماً أن المجتمع، وفي سياق ديناميات النضال والصراع التحرري والاجتماعي الطبقي، سوف يقوم بخلق أدواته وقواه القادرة على تلبية شروط الصراع الموضوعية والذاتية، وليس الشروط الموهومة أو المتخيلة التي لا تتخطى عادة مقاسات الأفراد أو التنظيمات التي تختزل الشعب في ذاتها، وتختصر الصراع في إسقاطاتها ونظراتها القاصرة.

إن الحديث عن كسر وتجاوز نظام الإلحاق أو التبعية والتخلف الراهن هو حديث عن ضرورة حتمية في المستقبل المنظور لشعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية ، ولكن هذه الضرورة ستكون ضرباً من الوهم إذا لم نمتلك وضوح الرؤيا للمخاطر التي تفرضها علينا العولمة الأمريكية وحليفها الاسرائيلي والرجعي العربي في بلادنا.

فالوطن العربي، وكما يكتب سمير أمين، لن يخرج من أزمته "إلا إذا تكون قطب ثالث قوي، موجود فعلاً في الساحة، مستقل تماماً عن قطب الحكم وعن قطب المعارضة الممثلة بالإسلام السياسي"، معتبراً أن إعادة تكوين اليسار وإعادة بناء القوى الشعبية، والعمل على توليد مجتمع مدني صحيح على هذا الأساس، يمثل اليوم "أهم الأهداف المرحلية" و "ركناً أساسياً في عودة الوطن العربي إلى مسرح التاريخ واستعادته طابع الفاعل على هذا المسرح".

من هنا فإن الدعوة إلى مقاومة المشروع الامبريالي الصهيوني وعولمة الاستسلام ، تمثل أحد أبرز عناوين الصراع العربي الراهن ضد التحالف الأمريكي الصهيوني وأدواته في بلادنا، من أجل التحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية، مدركين أن أحد أهم شروط هذا التحدي العربي لهذه الظاهرة هو امتلاك عناصر ومقومات العامل الذاتي، الحزب الثوري الحامل للفكر الماركسي في صيرورته المتجددة، وبمنهجيه نقدية، للفكر والواقع معاً .

إن الدعوة للالتزام بهذه الرؤية وآلياتها تستهدف، في أحد أهم جوانبها ، تكريس وتعميق الهوية الفكرية الماركسية المتجددة في بنية القوى اليسارية، بصورة جدلية وخلاقة وواعية، لتسهم بدورها الطليعي المأمول في وقف حالة الإحباط واليأس التي تستشري الآن في الطبقات الاجتماعية الكادحة والفقيرة ، ومن ثم إعادة تفعيل المشروع النهضوي التنويري الديمقراطي في الإطار القومي التقدمي الوحدوي، كفكرة مركزية توحيدية في الواقع الشعبي العربي ، ونقله من حالة السكون أو الجمود الراهنة إلى حالة الحركة والحياة والتجدد ، بما يمكن من تغيير وتجاوز الواقع الراهن عبر نضال القوى اليسارية الديمقراطية العربية، من أجل إقامة مجتمع اشتراكي خالٍ من الاستغلال، قائم على مبادىء ومفاهيم الحداثة و الديمقراطية والعلمانية والانسانية، على طريق تحقيق مهمات واهداف الثورة الوطنية القومية التحررية الديمقراطية، وبناء مجتمع عربي اشتراكي موحد.