/**/
Menu
حضارة

بلا حفاوة.. نتنياهو «ضيف ثقيل» على أوروبا !

هاني حبيب

قبل أن ينطلق رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لبدء جولة أوروبية تشمل عواصم ثلاث دول، عاد ليرسل ما يسمى مستندات سرية تتعلق بملف  إيران  النووي لهذه الدول، تشير هذه الوثائق حسب صحيفة "ذي تايمز" البريطانية إلى أن  ايران تسعى لتصبح دولة ذات قدرات نووية. أحد المستندات التي نشرتها الصحيفة، صادر وموجه من جهات رسمية في الحكومة الإيرانية إلى وزارة الأمن بالبدء بتخصيب اليورانيوم لأهداف عسكرية، إلاّ أن الصحيفة لم تشر إلى أن هذه المستندات هي ذاتها التي قال نتنياهو إنه كشفها في مؤتمر صحافي قبل أن يتخذ الرئيس الأميركي  دونالد ترامب  قرار إدارته بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، حيث شكل ما جاء في هذا المؤتمر أحد المبررات التي استند إليها ترامب في اتخاذ هذا القرار، وأن ما نشر حول هذه المستندات، وهي مستندات ووثائق صحيحة، كانت تملكها وكالة الطاقة النووية قبل التوقيع على الاتفاق النووي الدولي عام 2015، وكانت أحد أهم الأسباب التي دعت إلى الوصول إلى هذا الاتفاق، وباختصار، فإن نتنياهو يبيع بضاعته الكاسدة مرتين لمشترين يعرفون حقيقة الأمر، في محاولة يائسة من قبله لإقناع العواصم الأوروبية الثلاث برلين وباريس ولندن، بالوقوف إلى جانبه وجانب ترامب ضد الاتفاق النووي، بينما وكالة الطاقة النووية، ومرة أخرى وأثناء جولة نتنياهو الأوروبية، تعلن مجدداً أن طهران لا تزال تلتزم بالقيود الأساسية للاتفاق النووي، في ظل إمكانية أن تعلن إيران، عن البدء في زيادة قدراتها على تخصيب اليورانيوم، بعدما عجزت الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي في الإيفاء بالالتزامات المترتبة عليها نظراً للعقوبات الأميركية التي طالت الشركات الأوروبية الكبرى.

في سلوك غير دبلوماسي، يدل على وقاحة سياسية واضحة، وضع نتنياهو بنفسه جدول أعمال حواراته مع رؤساء الدول الثلاث: إيران ثم إيران، من حيث ضرورة انسحاب هذه الدول من الاتفاق النووي من ناحية، وتأييد المطلب الإسرائيلي بالضغط على إيران للانسحاب من كافة المناطق السورية وليس فقط من المناطق الحدودية الجنوبية لسورية، وتأييد الضربات العسكرية الإسرائيلية للتجمعات الإيرانية المزعومة على طول وعرض الأراضي السورية. نتنياهو لا يريد فتح أية ملفات أخرى ينبغي على الدول الأوروبية وضعها موضع الحوار والنقاش، خاصة فيما يتعلق باستمرار الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية بما فيها  القدس  المحتلة، والاستخدام المفرط للقوة العسكرية ضد المتظاهرين السلميين في سياق مسيرة العودة الكبرى على الحدود بين قطاع  غزة  والغلاف الإسرائيلي المجاور.

الدول الثلاث، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، من أهم الدول الأوروبية المؤيدة لإسرائيل تقليدياً وتدعم ما تقوم به الدولة العبرية من "دفاع عن النفس" بشكل عام، إلاّ أن هذه الدول لها موقف موحد يلتزم بالبقاء في الاتفاق النووي، كما أنها مع "حل الدولتين" ورفض الاستيطان الإسرائيلي والاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين ال فلسطين يين السلميين، وبينما صوتت فرنسا لصالح مشروع القرار  الكويت ي في مجلس الأمن حول ضرورة توفير حماية للشعب الفلسطيني، امتنعت بريطانيا عن التصويت، ولم تصوت ضده، وهو موقف متطور نسبياً عن المواقف التقليدية لبريطانيا حول الملف الإسرائيلي ـ الفلسطيني، لهذا كله وضع نتنياهو جدول أعمال جولته، بعيداً عن الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ليتم التركيز على الملف الإيراني بكل تشعباته، دون أن يفتح الملفات التي تهتم بها عواصم هذه الدول!

وللتحايل على مناقشة هذه الملفات التي ترغب بها الدول الأوروبية الثلاث، تضمنت تصريحات نتنياهو في العواصم الثلاث، جوانب أخرى "لا تتعلق مباشرة بالملف النووي الإيراني، كتذكير الأوروبيين بأن هناك مخاطر جسيمة تهدد أوروبا من خلال تدفقات المهاجرين غير الشرعيين بسبب الحروب في المنطقة، خاصة في سورية، وأن الدولة العبرية تعمل بكل جهد مع أوروبا ضد ما أسماه تهديد "الإسلام المتطرف" مذكراً هذه الدول بأن إسرائيل منعت عدة هجمات ارهابية خطيرة في أوروبا عبر التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن والاستخبارات الأوروبية.

باستثناء فرنسا، لم تجد جولة نتنياهو الأوروبية مشاهد احتفاء بهذه الزيارة، وحسب وسائل الإعلام في هذه الدول، يمكن ملاحظة أن نتنياهو ليس أكثر من "ضيف ثقيل" جاء ليحث ويضغط على أوروبا من أجل "الإذعان" للقرار الأميركي حول الانسحاب من النووي الإيراني، وفي برلين اضطر رئيس الحكومة الإسرائيلية إلى تناول الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ولكن من زاوية "مريحة": "ألمانيا تسهم معنا في إنقاذ غزة لمنع انهيار الأوضاع الإنسانية هناك"، بينما وجدت وسائل الإعلام الألمانية في تصريحات السفير الأميركي الجديد في برلين حول الموجة المحافظة في أوروبا، وطلبه من الشركات الألمانية وقف نشاطاتها في إيران فوراً، تدخلاً سافراً في الشؤون الألمانية، وتكشف عن مدى التنسيق بين الإدارتين الأميركية والإسرائيلية حول إخضاع أوروبا، خاصة أن هذه التصريحات تزامنت مع المباحثات بين نتنياهو وميركل!

الصحافة البريطانية سخرت بدورها من الوثائق التي عرضها نتنياهو حول إيران، وقالت صحيفة "التايمز"، إن هذا الأمر لا يعدو كونه استعراضاً مسرحياً متجدداً، وبينما لم تهتم الصحافة الفرنسية بهذه الزيارة، إلاّ أن جدول أعمال نتنياهو في العاصمة الفرنسية يشهد "موسم فرنسا واسرائيل" كحدث ثقافي متميز، يستمر حتى كانون الثاني القادم، بمناسبة قيام الدولة العبرية قبل سبعة عقود، في ظل استياء إسرائيلي من تصويت فرنسا لصالح توفير حماية للشعب الفلسطيني في مجلس الأمن، وسيستغل نتنياهو هذا الاستياء كي يدفع ماكرون ثمناً له!