Menu
حضارة

فلسطين التي ستحررنا

قلم

بقلم / د. عبدالعزيز المقالح

ذلك كان الشعار العربي غير المعلن في خمسينات وستينات القرن المنصرم، وقد بقي وسيبقى أيضاً إلى أن يتحقق ويصير واقعاً معاشاً، فليس للعرب ولن يكون قضية جامعة ودافعة للتحرر والتحديث والإصلاح غير فلسطين، التي ستحررنا وتوحد مساراتنا الوطنية والقومية.

وكل المحاولات خارج هذا الشعار، وبعيداً عن هذه القضية تبقى تبديداً للوقت، ولا تقود إلى شيء آخر غير الفشل والفشل الذريع. والدليل الأوضح أن العرب كلما وصلت بهم خلافاتهم إلى أقصى مدى تمكنت القضية من أن تعود بهم إلى دائرة الحوار والإيمان بوحدة الصف. وقد كان القادة العظام من أبناء هذه الأمة يدركون أكثر من القادة، الذين خلفوهم أهمية الدور الذي تمثله القضية في وضع حد لتصاعد الخلافات، وهو ما تجلى واضحاً في المؤتمرات الأولى لما سُمي بالقمم التي عملت على رأب الصدع، وبناء الثقة بين الإخوة المتحاربين.

ويلاحظ أنه في كل المنعطفات الحادة التي تتعرض لها الأقطار العربية منفردة أو مجتمعه يرتفع - من تلقاء نفسه - شعار فلسطين ستحررنا، ويبدأ الطريق الذي كان غامضاً ومحتشداً بالمعوقات واضحاً وخالياً من كل عائق، وتلك هي الأهمية الكبرى للقضايا المحورية في حياة الشعوب. كل شيء يحتمل اللبس، ويحيط به القليل والكثير من الشك إلاَّ ما يتعلق بكل ما هو محوري وأساسي.

ودليل آخر يمكن إيراده وهو ما يتجلى في موقف أبطال الثورة من أبناء فلسطين الذين يعرفون عدوهم المشترك فلا تخطئ رصاصتهم ولا السكين، ولا يخطئ الحجر، وعلى العكس منهم نحن الذين نقاتل بعضنا ونهدر طاقاتنا دوماً في معارك يخجل الضمير والعقل عن احتسابها جزاء من التاريخ أو حتى من هوامشه البالغة السوء والأثر، والتي سينظر إليها أحفادنا بقدر من الاحتقار ولمن كانوا وراءها.

إننا نؤمن اليوم كما كانت الأجيال التي عاشت أحلام الخمسينات والستينات تؤمن بأن فلسطين لن تحررنا من بقايا كوابيس الاحتلالات والهيمنة الأجنبية فحسب؛ بل ستحررنا من أوهام الحرية المنقوصة والاستقلال المفرغ من المحتوى. وستحررنا من وهم البحث عن الديمقراطية التي تحولت إلى لعبة شكلية ومظاهر تختفي تحتها أسوأ أنظمة العبودية والحكم الفردي الجائر

ولعل أخطر ما يواجهه العربي خارج فلسطين يتجسد بالثورة الدائمة والحرائق التي لا تنطفئ هو الازدواجية المدانة القائمة على استخدام السلاح في غير مكانه من جهة أو تدجينه، فلا يوجد دور إيجابي يقوم به حتى صار غير صالح للزينة، مع الاعتراف بأن ما يكون من الآن صار عبئاً على الأرض التي تحمله والمخازن التي ضاقت به وبالفئران التي تقضم ما تيسر من محمولاته الخفيفة.