Menu
حضارة

مراجعة حول الأوضاع الميدانية في فلسطين المحتلة

عرفات الحاج

بمراجعة جملة من النشرات والإحصاءات التي تصف الأوضاع الميدانية في  فلسطين  المحتلة، وعلى عكس الكثيرين لا اراهن على انتفاضة قريبة للضفة الغربية، فالثورات لا تنبت على جذوع الاشجار صدفة، ولكن تبنيها تراكمات حقيقية، ويتم التنبوء بها بالدراسة الجدية لعوامل قيامها.

هناك حقيقة رقمية وهي أن أيار من العام الحالي هو الأكثر كثافة في الفعل الفلسطيني ضد الاحتلال من قطاع  غزة  قياسا بشهر أيار منذ عدة اعوام، وعلى مستوى الضفة الغربية المحتلة شهد شهر أيار انخفاض واضح عن معظم شهور العام الذي سبقه هذه حقيقة مؤسفة يؤكد عليها الاحتلال، ولا فائدة ترجى من تكرارها دون وضعها في سياقها الحقيقي.

أن يحدث أن جزء أساسي من الجمهور الفلسطيني يتجاهل دعوة " مقاومته" وفصائله للانتفاضة ويمتثل على الأقل سلوكيا لما نحاول منظومة القمع بشقيها تسويده في ساحة الضفة، هو أمر يحسب على هذه المقاومة وخطابها وقدرتها على الحشد والتعبئة وتشكيل قوة المثل، ولا يحسب على الجماهير/الشعب الا اذا اخترنا أن نتبنى مقولات تقديس القيادة وادانة الشعوب بل وتخوينها.

الواقع أن هذا الانخفاض المضطرد، في الفعل الفلسطيني ضد الاحتلال في الضفة، لا يمكن اخضاعه للفهم والتحليل اذا اعتبرناه تجاهل من سكان الضفة لمعاناة سكان واهالي غزة، وان ما يجري في غزة مأساة إنسانية وليدة لظروف طبيعية او مناخية و ليس اشتباك تحرري في وجه منظومة استعمار واستعباد، يهدف لغايات وطنية تتجاوز بكثير رغيف الخبز وفتح المعابر، فحرمان قطاع غزة من ظروف الحياة الإنسانية ارتبط بالأساس برفض اهله للاستسلام فمعركة غزة ليس كسر الحصار فحسب ولكنها معركة لتلمس مرتفعات الجليل، ومعركة كسر الحصار عن غزة ليست شأن غزي يتضامن فيه الاخرين بل هو اشتباك لكل فلسطيني دفاعا عن مستقبل اولاده كيلا يلاقوا مصير عائلة دوابشة، هذه معركة للدفاع عن ابواب البيوت التي يقتحمها جنود الاحتلال في حواري نابلس.

ليس الاشكال ما تفعله او لا تفعله الضفة لغزة، ولكن ما تفعله او لا تفعله أي بقعة في فلسطين لفائدة مشروع المواجهة مع الاحتلال، اي ما تفعله الضفة او خانيونس في معركة غزة الحالية لفلسطين ، وهنا نتحدث عن ذلك الجزء من شعبنا المعرض أكثر من غيره لاحتكاك يومي مباشر مع كل ما يجسد قبح المنظومة الصهيونية وتأثير سياسات الاستيطان والضم، لذا تكون وطأة السؤال مضاعفة.

هذا العجز والقصور الوطني قد يمكن عزوه لقدرة الاحتلال على اخفاء الحاجز والمستوطنة والجندي و10 الاف اسير فلسطيني بستارة تافهة من الامتيازات التي توزع هنا وهناك، أي قدرة المحتل على حشر جماهير شعبنا بين العقوبات والقمع من جهة والرشوة والامتيازات من جهة اخرى، لكن هذا التفسير يبقى هراء محض، اذا ما تجاهلنا العامل الفلسطيني من معادلة الاخضاع، والمقصود ليس فقط من اختار التنسيق الامني دورا له.

فليس من الحقيقي أن سياسات الاحتلال قد أثمرت الى هذا الحد، وقطاعات من جماهير شعبنا لا تندفع للتحرك لانها لا ترى هناك استراتيجية ملهمة ذات مصداقية، وترى رهانات فصائلية قاصرة، وضعف قيادي واضح، هذا ما تقوله استطلاعات رأي الجمهور الفلسطيني حول قضايا متصلة طيلة الاعوام الماضية.

ببساطة يمكن البحث عن تفسيرات جدية لما يحدث من انهيار للخطاب الوطني ككل، وتأثير ذلك على البنية الوطنية في الضفة الغربية وقدرتها على انتاج الفعل المقاوم والمتمرد على الاحتلال، هذا يجب ان يتم فعله بجدية هائلة وبعيدا عن ترداد الهراء القائل بتخوين حوالي ثلث شعبنا، او اعطاء تفسيرات بيولوجية حول تقدم عرق فلسطيني على آخر، وبالمقابل لا يجوز لأي كان من النخب الوطنية والفصائلية المقصرة بحق شعبها ككل، أن تحتمي بالتقسيمات المناطقية لترفض او تنبذ نقد محق موجه لعجزها جميعا الماثل أمامنا في ساحة الضفة أكثر من غيرها، خصوصا تلك النخب التي تعتبر ذاتها منتمية لمشروع المواجهة مع هذا الاحتلال، فبذات البساطة على البعض او الكثير من هذه النخب على أمتداد الحالة الفلسطينية أن يحني رأسه ويقول لقد اخفقنا او قصرنا .

أما عن شعبنا والتهويل علينا بالخوف على وحدته من قبل من قسموه بمنطق أوسلو ومسار التسوية فلو عشنا الف عام لن ننسى نبرة الثقة في صوت ذلك المقاوم حين اطلق التعميم عبر اللاسلكي في معركة الشجاعية وفي ذروة المجزرة والبطولة معلنا بوصلة واضحة " ليعلم ذلك العزي الأعور أن عزنا بدأ من ضفة العياش ومنها سوف يعود"