على مدار الساعة
أخبار » منشورات

جورج طرابيشي ورحلة البحث عن براديگما جديدة (ج2)

12 حزيران / يونيو 2018
 جورج طرابيشي
جورج طرابيشي

بقلم / سعيد هادف

نقلاً عن موقع الأوان

جذور خطاب الردة في تراث العقل التخريجي
أولا: أسطرة الرسول، أو التأسيس لإسلام تحت الطلب
هل العقل العربي استقال؟ أم دخل في سبات عميق؟ أم أن الانتلجنسيا العربية أضربت عن التفكير؟ [71] ولماذا؟ وكيف يمكنها أن تستأنف نشاطها الفكري وفق المعايير العلمية والمنطقية؟ وهذا السؤال المركب، الذي سمحنا لأنفسنا بصياغته في ضوء أعمال جورج، تقتضي الإجابة عنه عملية تحري وتحقيق في سجلات أسلاف هذه الانتلجنسيا؟
إن وقفته الطويلة عند خطاب الردة، محققا ومتحريا ومحللا، وتقليبه المتجدد لسجلات منتجي ذلك الخطاب، ما كان لها أن تشفي غليله إلا باستقصاء الجذور والبحث في سجلات الأسلاف. وقد أسفرت تلك الرحلة المقتفية لآثار الأسلاف عن اكتشافات وقراءات وخلاصات تشكل في مجملها قيمة مضافة في رصيد البحث العلمي.
في كتابه “المعجزة أو سبات العقل”، يستهل تقديمه بهذا السؤال: هل يصلح حصان طروادة لتفسير ظاهرة استقالة العقل في الإسلام؟ أي هل يمكن رد أفول العقلانية العربية الإسلامية إلى غزو خارجي من قبل جحافل اللامعقول من هرمسية وغنوصية وعرفان مشرقي وفلسفة باطنية وتصوف إشراقي وسائر تيارات الموروث القديم التي كانت تشكل بمجموعها (الآخر) بالنسبة إلى الإسلام والتي اكتسحت تدريجيا، وبصورة مستترة، ساحة العقل العربي الإسلامي حتى أخرجته عن مداره وأدخلته في ليل عصر الانحطاط الطويل؟ وقد سبق أن نفى ذلك في كل أعماله، ومنها كتابه “العقل المستقيل في الإسلام؟”. وفند الأطروحة التي أرجعت أسباب هذه الاستقالة إلى غزو خارجي.
في الفصل الأول: نبي بلا معجزة، يرصد طرابيشي الآيات التي تصدت إلى المشككين والمتشككين في نبوة محمد، طالبين منه معجزة تثبت نبوته. “فالمشركون والكتابيون يطالبون الرسول بإتيانهم بآية تثبت مصداقية رسالته، والرسول يحيل طلبهم إلى الله لأن الآيات هي من اختصاصه وحده، والله يرد هذا الطلب، وبحجج متماثلة تتكرر هي أيضا”[72] وردا على تحدي الأميين والكتابيين ذاك، صاغ القرآن تحديا مضادا اشتهر لاحقا تحت اسم “الإعجاز القرآني”. إن كلمة إعجاز لم ترد في القرآن، ولا كذلك كلمة معجزة. وبالمقابل إن تحدي الإعجاز صاغته خمس آيات، اثنتان منها مكررتان بصورة شبه حرفية[73].
وحول أطروحة (الإعجاز القرآني)، يتساءل الكاتب إن كان النص القرآني هو ذاته المعجزة كما ذهب إلى ذلك أكثر أهل التأويل؟ وهنا يؤكد أنه “لا جدال في أن هذا التحدي أتى مفعوله: فعلاوة على أن فرضية الإعجاز غدت عقيدة مركزية في جميع كتب التفسير وعلم الكلام، فقد بقي القرآن على امتداد أربعة عشر قرنا هجريا فريد نوعه، لا محاكي له، ولا مضارع معترفا به، وتم تكريسه بوصفه المعجزة الباقية على مدى الزمن لرسول ما أوتي معجزة غيره [74]. فالقرآن، إذن، هو المعجزة ذاتها لدى أهل التأويل.
في الفصل الثاني: نبي الثلاثة آلاف معجزة، و”استنادا إلى رواية أكد الرسول، فيها، أنه لم يبعث لإتيان المعجزات”، وإلى روايات السيرة التي رصدها ووثّقها، كل ذلك يؤكد، يقول طرابيشي: “ما كنا استخلصناه من منطوق العشرات من الآيات القرآنية: إن الرسول مبعوث ليبشر وينذر، وكل مهمته مقصورة على تبليغ رسالات ربه بدون سند من معجزة، خلافا لمن تقدمه من الرسل والأنبياء، غير سند إعجاز القرآن حصرا.” وهنا ينتقل جورج إلى كشف المفارقة في كتب السيرة، فالكتب نفسها التي ساقت الرواية النافية على لسان الرسول لأي توظيف للمعجزات، هي نفس الكتب التي أفردت بابا مفصلا لمعجزات النبي. بدأت بثلاث صفحات عند ابن سيد الناس (عيون الأثر) لتتضاعف إلى خمس وعشرين صفحة في السيرة الحلبية، ثم إلى مئتين وخمس وثلاثين صفحة في البداية والنهاية[75].

إقراً أيضاً :- جورج طرابيشي ورحلة البحث عن براديگما جديدة (ج1)

أَقدَمُ السير التي وصلتنا، وهي سيرة ابن هشام في مطلع القرن الثالث الهجري، يقول طرابيشي، لم تذكر سوى عشر معجزات. بعد قرنين، أي في النصف الأول من القرن الخامس تضاعف عدد المعجزات أربع مرات ليتجاوز الأربعين لدى أبي الحسن الماوردي في أعلام النبوة [76]، وكذلك البيهقي في دلائل النبوة[77]. وفي النصف الأول من القرن السادس، بعد ثلاثة قرون من ابن هشام، تضاعف العدد إلى مئة وعشرين لدى القاضي عياض في “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، وهو الذي رفع موطأ مالك إلى منزلة القرآن[78]. أما في القرن الثامن، وإن بقي عدد المعجزات ثابتا لدى ابن كثير نقلا عن القاضي عياض ومن سبقه، فقد تضاعفت الصفحات، حيث أحدث صاحب مصنف البداية والنهاية تغييرا منهجيا جذريا في كيفية عرض المعجزات راصدا كل ما ورد من روايات دون استثناء[79].
والغاية من هذا الانقلاب في المنهج، يقول طرابيشي، هو إيهام المتلقي أن الرواية وراءها إجماع، بالرغم من أن قصص المعجزات قد جاءت كلها عن طريق الأخبار الآحاد، كما يقر بذلك الماوردي في أعلام النبوة[80]. أما الحلبي مصنف السيرة الحلبية يقول: وفي كلام بعضٍ آخر أنه (ص) أُعطِيَ ثلاثة آلاف معجزة، [81] والحال أن السيرة الحلبية، المصنفة في القرن الحادي عشر الهجري، قد استفادت من كل التراكم في أدبيات السيرة لترقى بعملية الأسطرة إلى مستوى غير مسبوق، ولتحيط بهالتها، لا الرسول وحده قبل مبعثه وبعده، بل حتى قبيلته وجدّه وأمه ومرضعته” [82].
ولا يقتصر الباحث على مذهب دون غيره في رصده لحالة التضخم التي عرفتها ظاهرة المعجزة. “وإذا كان الغائب الكبير عن المعجزات النبوية في الأدبيات السنية هو علي بن أبي طالب، فلنا أن نتوقع أن يكون هو الحاضر الكبير في الأدبيات الشيعية عنها. والواقع أن المقارنة بين هذه الأدبيات وتلك تقدم الدليل الكافي، ليس فقط على أن حدود العقل الديني تقف عند حدود العقول الدينية الأخرى، كما في مثال الديانات التوحيدية الثلاث التي يكاد يكون شغلها الشاغل تكذيب بعضها بعضا، بل كذلك الدليل على أن حدود العقل الديني الواحد تقف أيضا عند حدود كل طائفة من طوائفه التي تعتمد بدورها استراتيجيا التكذيب المتبادل” و”أن العقل الديني هو أقل العقول الكونية عقلانية”[83].
ثانيا: من أسطرة الرسول إلى أسطرة الأقوال المنسوبة إليه
1- حيثيات، خلفيات ومقاصد
هذه المقاربة التي فكك من خلالها الباحث المتون التي كرست براديگما أقصت التمثل العقلاني للدين، بعد أن أسست نسقا معرفيا مفارقا للفعل البشري ومرتبطا بالفعل الأسطوري/الإعجازي المتعالي عن التاريخ ضدا على منطوق القرآن ذاته، وضدا على الرسول الذي مافتئ يؤكد أنه بشر؛ سيعززها، كما نرى لاحقا، في كتابه “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث”، بهدف تفكيك المتون، ولاسيما المصنفات الفقهية التي كرست نفس البراديغما عبر عمل ممنهج ونسقي، كانت مهمته إحلال الحديث محل القرآن، ومن ثمة إنتاج فائض من الأحاديث حتى تكون متوفرة لدى المُشرّع ليسد بها أي ثغرة دستورية أو أي خصاص قانوني.
واستمرارا في مقاربته الأگنوتولوجية للتراث، يخلص في كتابه: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، إلى: خلفيات ومقاصد الحملة الممنهجة التي قادها رجال الأيديولوجيا، من فقهاء وسياسيين، على المظاهر العقلانية في القرآن، كما على دعاة العقلانية من فلاسفة وكلاميين وفقهاء. والكيفية التي تمت بها حملة تطهير الإسلام (من الداخل وليس من الخارج) من كل ما هو عقلاني، إنما تمت عبر أسْطرة شخص الرسول وتجريده من مظهره البشري بهدف رفع سنته إلى مقام أعلى من القرآن. ولأن إمكانية الإضافة والحذف بالمعنى الحرفي، لم تكن متوفرة في القرآن بسبب جمعه المبكر في مصحف أصبح متداولا عند قطاع عريض من ذوي الاختصاص، وبالتالي استحالة إبداع آيات قرآنية تحت الطلب، فإن مجال رواية الحديث ظل مفتوحا على مصراعيه، وبالتالي كان من السهل إبداع الأحاديث على لسان الرسول كلما دعت الضرورة إلى ذلك، أو بالتعبير العربي المعاصر: كلما دعت المصلحة الوطنية إلى ذلك.
لقد أفضت هذه السيرورة في تعاطيها مع النص الديني بواسطة العقل إلى تسوير النص الديني ضد أي مقاربة عقلية مختلفة بدعوى أنه نص متعال على أي اجتهاد بشري ومستغلق ضد أي تأويل آخر. وهذه السيرورة الممنهجة والنسقية المتوسلة للعقل بهدف الالتفاف على مبادئه وقوانينه واستباق أي مقاربة عقلية نقدية قد تلوح في الأفق، هذه السيرورة أباح قادتها لأنفسهم “أن يكذبوا على الرسول” و”قد نصبوا أنفسهم في حقيقة الأمر مُشرّعين”[84]. و”الواقع أن أصحاب الحديث ما اكتفوا بتثبيت الحجية التشريعية للسنة إلى جانب القرآن، وحتى قبل القرآن، عن طريق أحاديث تؤكد هذه الحجية، بل غالوا في هذا القياس الدائر حتى أعطوا لأنفسهم الحق، عن طريق أحاديث نسبوها إلى الرسول، في أن يكونوا هم أنفسهم المُشرّعين”[85]، وقد “نَصّب أهل الحديث أنفسهم الفرقة الناجية الوحيدة دون سائر فرق الإسلام الهالكة كلها في النار. وقد استمر هذا الميز ساري المفعول ابتداء من القرن الخامس حتى العصر الحديث”[86]. ومع سيادة هذه الأيديولوجيا وتسييد حديث الفرقة الناجية غابت التعددية غيابا مطلقا بعد أن انهزمت هزيمة ثلاثية الأبعاد: معاداة الآخر غير المسلم، معاداة الفرق المصنفة خارج الفرقة الناجية والموصوفة بالكفر، ومعاداة حتى الفرق المنتسبة إلى الإسلام بسبب اختلافها المذهبي. وبالتالي تم تجفيف منابع الحوار الذي وَفّر له القرآن بعض الشروط[87]. لم يعد العمل بمقتضى القرآن إلا ارتباطا بالسُّنة، بناء على أن : “القرآن أحوجُ إلى السُّنَّة مِن السُّنة إلى القرآن”[88].
ومثلما رصد جورج مظاهر العقل التخريجي في احتكاره للرأي وتكريسه للرؤية الأحادية ومصادرته لكل عقل تميز برأي مختلف، فقد رصد أيضا مظاهر منفلتة من هذه البراديغما بعد أن عجز العقل التخريجي عن تنميط المدينة العربية الإسلامية التي رغم التضييق “مارست فن الغزل والتشبيب بالمرأة والحب والإيروسة بشتى مضامينها” ورغم تشدد الفقهاء “أنشدت للخمر بمتعية”، و”أولعت بالغناء” و”غنت لله وتغنت بالله”، و”أوسعت للعلم والفلسفة هامش الاستقلالية والحرية”[89].
فمتى طغت نزعة الانغلاق واضمحلت روح الانفتاح؟ وكيف ولماذا؟ كان ذلك بين “صدور البيان القادري” في القرن الخامس الهجري، وكتاب تهافت الفلاسفة الذي اتهم فيه الغزالي الفلاسفة بالكفر. من هنا “بدأت سيرورة الانغلاق” وتحولت جهود الفقهاء من نشر الإسلام في الأوساط الاجتماعية إلى إعادة النظر في الإسلام نفسه بهدف “تطهيره من كل ما ليس إسلاميا”[90]، أي تقليص (في النص الديني طبعا) كل ما من شأنه أن يفسح المجال لحرية الرأي والتفكير والتعبير، عبر تضخيم النصوص أو تضخيم تأويلها الرامي إلى تضييق أي هامش من هوامش الحرية التي أقرها صراحة النص القرآني. “إن هذه الغلقة للإسلام كانت هي مدخله إلى عصر الانحطاط، مثلما كانت الفتحة في زمن انطلاقته وعظمته الأولى مدخله إلى الحضارة”[91].
2- مالك وهامش حرية الرأي
العيب الابستتمولوجي الذي ينخر كل المنظومة الحديثية هو قلب معيار الصحة وإزاحته من المتن إلى السند. وبدل أن يكون العقل هو السند بالتحليل وإبداء الرأي، كانت العنعنة هي السند، ولسد هذه الثغرة فقد تم وصل كل الأحاديث المرسلة التي أوردها مالك في الموطأ. “بل إن عبد البر، الذي انطلق من قاعدة مؤداها أن كل (مراسيل الموطأ صحاح لا يسوغ لأحد الطعن فيها)؛ لم يكتف بأن يصل كل مرسل ومنقطع، بل أخذ على عاتقه أن يصل حتى “البلاغات”، أي الأحاديث التي نقلها مالك عن الرسول بلا إسناد، أو بإسناد فيه إبهام، مقدما لها بقوله إنه (بَلَغَهُ) أن الرسول قال أو فعل[92]. وقد أحصى ابن البر من البلاغات واحدا وستين بلاغا، وتفنن في إيجاد سلاسل إسناد تامة لها، وإن يكن أربعة منها قد استعصى عليه، باعترافه، أن يجد لها سندا[93].
الخلاصة هي أن “الثغرات لهي مما لا يطاق في حضارة دائرية متمركزة على نفسها. ولقد كان مطلوبا سدها بأي ثمن”. فهامش الحرية الذي استبقاه مالك لنفسه في مداورة أسانيد الحديث كان لا بد أن يلغى. وقد اضطلع بمهمة الإلغاء مُصَنّفوا الصحاح وجامعوا السنن في القرن الثالث الهجري: البخاري، مسلم، أبو داود، ابن ماجة، الترمذي والنسائي. وبهذا الإلغاء تحدد المسار النهائي للعقل الفقهي الإسلامي كعقل يحكمه ميل وسواسي قهري إلى إغلاق الدوائر وسد كل الثغرات التي قد تتأدّى إلى قدر من عدم الانضباط في الدوران داخل مدارات المركز[94].
فلئن تكن مَصحفة القرآن قد اكتملت يومئذ، فإن المنظومة الحديثية بالمقابل سيتأخر تكوينها إلى القرن الثالث مع كتب الصحاح والسنن والجوامع، بما في ذلك النص المالكي نفسه الذي ظل في نطاق الرواية والقول، ولم يتأسس في كتاب إلا في القرن الثالث على يد تلامذة تلامذته، وفي مقدمتهم يحيى الليثي مُدوّن الموطأ، وسحنون مُدوّن المُدوّنة[95].
3- الشافعي وطمس تجليات العقل في القرآن
النص لدى مالك ليس هو كما في القرن الثالث. فالنص، لديه، رباعي الأقطاب (القرآن والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وعمل أهل المدينة)، وهذا ما أتاح لمالك هامشا “في الحراك والتأويل والاستنباط”. هذا الهامش نفسه هو من دفع الشافعي مستنفرا كل عبقريته بهدف تقليصه ثم إلغائه وحصر النص المؤسس في قطبية ثنائية (القرآن والحديث)، والتي تحولت أو كادت إلى أحادية القطب مع انتصار أهل الحديث على أنصار القرآن[96]. وقد دشن الشافعي هذا الإغلاق بشكل نهائي وأوصده أهل السنة والجماعة في القرون المتأخرة. لقد عمل الشافعي على تصنيم السنة.
وليس يعسر علينا، يقول طرابيشي، أن نعقد رابطة سببية بين تضخيم الشافعي لدائرة السنة وتحجيمه لدائرة العقل. فكلما توسعت شبكة السنة لا يعود من دور للعقل[97]. فلماذا أبطل الشافعي الاستحسان؟ ومن أين جاءت تلك الصورة التي راجت عن وسطية الشافعي؟ وجعلت منه مُشرّعا للعقل في الإسلام، وأنه اضطلع بدور كبير في تشكيل إحداثيات هذا العقل؟ ومن أين احتل الموقع الوسطي، التوفيقي، بين قطبين متقابلين ومتصارعين: أهل الحديث وأهل الرأي؟ هنا يرصد جورج لائحة من الشهادات التي أخرجت الناصر على ذلك النحو الأيقوني (فهو ناصر الحديث، وناصر السنة)[98]. لكن الشافعي، يقول جورج، هو قائد الانقلاب الابستمولوجي واللاهوتي ومؤسس ثان للإسلام في نشأة مستأنفة حسب التعبير الخلدوني[99]. الحدّان المتعاكسان: الرأي إزاء الحديث والعقل إزاء النقل، وكأنهما جناحان لطائر واحد لا يحلق ولا يطير إلا بهما. والحال، يقول جورج، أن كل ما تقدم من دراستنا لا يدع مجالا للشك في أن طائر الشافعي مقصوص الجناح، وعلى نحو غير قابل لمعاودة النبت. لقد استأصل جناح العقل من جذوره، وأما جناح النقل فقد تم تضخيمه إلى حد يجعل منه قادرا على الطيران بمفرده (أي تحول إلى طائر) لقد انسحب فريق الرأي من المعترك بصورة نهائية موصوما بالخزي والعار[100].
4- الحنفيون من الرأي إلى التبرؤ من تهمة “الرأي”.
مع أن أبا حنيفة سبق كل مؤسسي المذاهب، إلا أن جورج، استهل قراءته في المدونة الحديثية بمالك والشافعي. ولعل ما يهم الباحث هنا ليس المذهب بحد ذاته فحسب، بل معالم المذهب. والسبب هو أن أبا حنيفة “لم يترك أثرا مكتوبا”. وانطلاقا من الكتابات التي تناولت المذهب الحنفي وصاحبه، يتساءل الباحث عن مدى مطابقة تلك الأقوال لما قاله مؤسس المذهب حقا؟[101]. ومن خلال فحص لائحة من المعطيات يخلص طرابيشي إلى أن أبا حنيفة اشتهر كصاحب رأي. وأنه هو “وأصحابه كان مشهورا عنهم أنهم أهل فقه وأهل رأي، لا أهل حديث، هذا إن لم يكونوا أهل مخالفة للحديث. وهذه الصفة الرأيية ستظل لاصقة بهم كالوصمة، وسيبقى المتمذهبون بمذهبهم يدفعونها عنهم إلى قرون عدة تالية. ولسنا ندري على وجه الدقة مدى الدور الذي اضطلعت به المنافسة بين المذاهب في ترويج تلك “التهمة” وإعادة إنتاجها إلى يومنا هذا”[102]. ويستقصي طرابيشي ويرصد السياق التاريخي، بخلفياته السياسية، الذي تحولت فيه كلمة (الرأي) ذات معنى قدحي بالمقارنة مع كلمة (حديث). بدءا من القرن الخامس، ومن بغداد (حين وضع الخطيب تاريخه البغدادي)، باتت كلمة (الرأي) ملعونة ووجب طردها من قاموس الفقه الإسلامي. ومن هناك أخذت درجة حرارة العقل منحنى تنازليا، وهبطت إلى الدرجة الصفر، أو الدرجة التي لا يكون فيها العقل إلا خادما للقوى المسيطرة على زمام الحكم[103].
5- من نصّبَ أحمد بن حنبل إماما على السنة؟ كيف؟ ولماذا؟
ليس غريبا أن يتربع ابن حنبل إماما على السنة، ويحظى بتلك المكانة المقدسة حتى راج بين الناس أنه أقرب إلى الملائكة من البشر[104]. وفي تفكيكه للشبكة النسقية المعرفية التي أنتجت الإسلام على هذا النحو، يلجأ طرابيشي إلى الأنساق والآليات التي أنتجت المسيحية، وعلى رأسها آلية التطويب (Canonisation). واستعرض لائحة من شهادات تطويب أحمد بن حنبل مستندا على عدد من المصادر لعل (الحلية) من أهمها[105]. ولئن نسبت إلى أحمد بن حنبل كرامات، بل حتى معجزات، فإن أعلى درجة بلغها بعد وفاته من التطويب… هي الإمامة. ولكن بما أن الإمامة لفظ مشترك متعدد الدلالات والاستعمالات، فقد انفرد ابن حنبل دون سواه باللقب التطويبي: إمام السنة.[106]. إن مسند ابن حنبل تكمن خطورته في احتوائه على عدد ضخم من الأحاديث، وهي موضوعة على لسان رسول الله، ومن ثم على لسان الله نفسه. وبناء على الروايات القائلة أن ابن حنبل جمع مسنده من سبعمئة وخمسين ألف حديث إلى عشرة ملايين حديث، وفي حالة تصديقنا للرواية الأكثر واقعية، ومن منظور طرابيشي، لن يكون أمامنا مناص من التسليم بأن المدونة الحديثية تحولت ابتداء من عصره إلى “متاهة عظيمة يصعب كل الصعوبة، بل يستحيل كل الاستحالة الاهتداء إلى مخارجها الصحيحة دون الكاذبة”. وهنا يتساءل: كيف لا يكون الحديث الموضوع قد تسلل إلى المسند، فضلا عن “الضعيف” و”العليل” و”الغريب” و”الشاذ”؟ ويخلص أن ابن حنبل هو ثاني مسئول بعد الشافعي عن التضخم المتسارع للمُدوّنة الحديثية [107]. ولئن كان مسند ابن حنبل، بمثابة البيان العملي لسيرورة التضخم المتسارع للحديث، فإن اجتهادات الحاكم النيسابوري (بداية القرن الخامس الهجري)، يمكن إنزالها منزلة البيان النظري للسيرورة عينها. ذلك أنه، فضلا عن تخصصه في إضفاء صفة الصحة على ما تبقى من الأحاديث غير الصحيحة، فقد “أرسى أيضا قواعد نظرية لهذا التصحيح، مما فتح الباب على مصراعيه أمام اشتغال آلية جديدة من آليات تضخم الحديث، أسماها هو نفسه بالاستدراك، أي استلحاق صحيحي البخاري ومسلم بآلاف الأحاديث المنزلة منزلتهما من الصحة الافتراضية”، ويكشف طرابيشي حيل الممتهنين للدعاية لأهل الحديث ومناوراتهم البلاغية في الإقناع، كالخطيب البغدادي والنيسابوري وغيرهم، ليخلص إلى أن (المهمة) التي اضطلع بها النيسابوري في كتابه: المدخل إلى الصحيح، بعد إقراره بوجود رواة كذابين حصر عددهم وذكر أسماءهم، هي إعلانه بكل وثوق “أن أكثر الرواة للأخبار ثقات … وإنما سقط أساميهم من الكتابين الصحيحين”. وهذا التوثيق للثقات غير الموثقين في الصحيحين، يقول طرابيشي، هو الذي آتى مفعوله العددي المباشر في [كتابه] المستدرك بأحاديثه الثمانية آلاف والثمانمئة التي مثّلت، بعد مسند أحمد، أكبر إضافة إلى المُدوّنة الحديثية”[108]. أما الخطيب البغدادي (منتصف القرن الخامس) الذي لم يكن “صاحب مسند أو مستدرك نظير الحاكم النيسابوري، ولم يكن مثله من أئمة التعديل، ولكن كان مثله وأكثر منه نصيرا للحديث ولأصحاب الحديث حتى ليمكننا اعتباره أيديولوجيهم الأول”[109]. فبفضل منهجه الجدلي المقلوب حد السفسطة، انعكست “سلسلة الإسناد…، فتقدم الراوي على المرويّ عنه، وتأخر المحدّث عن المحدّث عنه”[110].
ولأن العقل التخريجي، على عكس العقل الجدلي يجهل مبدأ التناقض [111]، بل يقفز عليه بالتلبيس والتدليس والتلفيق والتدجيل، ولأن القوى السياسية السائدة كانت قصيرة النظر، فقد تمادى العقل التخريجي في فتوحاته المضادة للعقل. وهذا ما رصده طرابيشي في سجلات ابن حزم. ويخلص طرابيشي إلى أنه “لم يحدث قط في تاريخ الفكر في الإسلام أن أشاد أحد بسؤدد العقل كما أشاد به ابن حزم. ولكن لم يحدث قط في تاريخ الفكر في الإسلام أن أقال أحد العقل كما أقاله ابن حزم”[112]. وهو الأمر نفسه الذي يرصده في أعمال ابن قتيبة والطحاوي وابن شاهين والحازمي والشعراني رغم امتداد الفاصل الزمني بينهم من القرن الثالث إلى القرن العاشر للهجرة. إنه الإصرار على إنكار حالة التناقض “في المُدوّنة الحديثية وتوظيف جميع طاقات العقل المعقلِن لرد ظاهر هذا التناقض إلى باطن مزعوم من التوافق باللجوء، إما إلى آليات ذهنية مثل التأويل والتخريج، وإما إلى آليات أقرب إلى أن تكون ميكانيكية مثل آلية النسخ والمنسوخ أو آلية الميزان التي انفرد باختراعها الشعراني. ولم يكن هذا الهاجس الإنكاري، شبه العُصابي طبقا للمعجم التحليلي النفسي، ضرورة قهرية أملتها الحاجة إلى التسييج الدوغمائي للمدونة الحديثية وإلى صيانة لحمتها الأيديولوجية فحسب، بل كان يترجم أيضا عن ضرورة لا تقل إلحاحا واستحواذا لردّ شبهة التدخل البشري على المدونة الحديثية باعتبار أن التناقض هو من العلامات الفارقة لقصور العقل البشري”[113].
وفي مقاربته للقدرتين (Pouvoirs): السياسية والدينية ولتبعية إحداهما للأخرى، وفي إطار مقارن، يقول جورج إن “استتباع السلطة الدينية للسلطة السياسية في عهد المأمون والمعتصم والواثق أطلق شرارة إصلاح ديني قاده المعتزلة الذين قالوا بوجوب توافق العقل والنقل واستبعاد كل ما يتعارض من النص مع العقل… أما تسليم سلطة الدين لأهل الحديث في ظل الانقلاب المتوكلي فقد وأد تلك المحاولة الإصلاحية وقطع الطريق أمام كل احتمال لتجددها، ولاسيما منذ أن استأنف الخليفة القادر بالله المشروع التسنيني الذي دشنه المتوكل”[114].
ولئن يكن علم الكلام لم تغفر له استعانته بالأدلة العقلية، حتى ولو بغرض الدفاع عن الدين وللرد على أهل البدع، فإن الفلسفة التي حصرت هي الأخرى حقل اشتغالها بالأدلة العقلية، وإن ليس بالضرورة بغرض المنافحة عن الدين، ما كان لها إلا أن تدان من قبل القيمين على الأيديولوجيا الحديثية إدانة أشد بما لا تقاس. فمن تكلم فقد تزندق، وأما من تفلسف فقد كفر، وحكمه أن يُستتاب وإلا قتل. وكذلك حكم من تمنطق[115]. “فالفلسفة رأس السفه والانحلال، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة…. وأما المنطق فهو مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر ….. والواجب على السلطان أعزه الله وأعز به الإسلام وأهله أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم ويخرجهم من المدارس ويبعدهم ويعاقب على الاشتغال بفنهم ويعرض من ظهر منه اعتقاد عقائد الفلاسفة على السيف أو الإسلام لتخمد نارهم وتنمحي آثارهم”. وقد تم حرق كتب الفلاسفة في الساحات العامة بتحريض من الفقهاء وأهل الحديث بما في ذلك كتب الغزالي الذي أجهر بعدائه للفلسفة واتهم الفلاسفة بالكفر[116].
6- فنّ المناورة البلاغية والثنائيات المغلوطة
وفي المحصلة، فقد حقق أصحاب الحديث نجاحا باهرا في استراتيجيا التضليل، ففي الوقت الذي طردوا العقل، علنا، من باب حقل التداول العام والمتخصص، أدخلوه، سرًّا، من النافذة إلى “برلمانهم المغلق”، واستخدموه، ضدا على مبادئه، في سن ما طاب لهم من قوانين وأعطوا لأنفسهم الحق في أن يكونوا هم أنفسهم المشرعين، فلم يثبتوا مرجعية الحديث بالحديث إلا ليثبتوا مرجعيتهم، ولم ينتصروا للحديث بالحديث إلا لينتصروا لأنفسهم[117]. ولم تكن حربهم ضد الرأي والعقل نفيا للعقل في مطلقيته، بل تثبيتا لرأيهم وانتصارا لعقلهم وقمعا لكل رأي مختلف، أو بتعبير طرابيشي أن العقل الذي لا يقل مكرا عن التاريخ، “عرف كيف يشق طريقه، ولو ملتويا، إلى ممارسة الفعالية الوحيدة المتبقية له بعد كفّ يده: فما دام ليس له حجة إزاء حجة السنة، فليمارس حجيّته من داخل السنة نفسها بانتحال الأحاديث وتلفيقها محتميا خلف درع آلية الإسناد السهلة المداورة. وهكذا يمكن القول أن العقل بقي يمارس وظيفته كمشرّع حتى بعدما أنكرت عليه كل فعالية تشريعية. فمن خلال تسييد السنة ورهن صحة الأحاديث بسلاسل إسنادها، انفسح له المجال ليطلق يده الخفية في تصنيع المدونة الحديثية وتضخيمها، وليمارس بالتالي فعالية لا محدودة، وإن متنكرة، في التشريع للمشرّع له الذي هو الرسول في الإسلام القرآني، كما للشارع الذي لا يعود إلى أحد سواه حق التشريع، والذي هو الله في ذلك الإسلام القرآني عينه”[118].
“إن تغييب القرآن وتغييب العقل وتغييب التعددية في الأيديولوجيا الحديثية المنتصرة هو المسئول الأول عن أفول العقلانية العربية الإسلامية”[119]. “ذلك أن الفرض الذي ننطلق ومنه وننتهي إليه هو أنه، في حضارة النص المقدس التي تقدم الحضارة العربية الإسلامية نموذجها الأكثر نموذجية، قد يكون العقل أول ما يتقدم كما أول ما يتأخر. وطبقا لتقدمه أو تأخره تتقدم أو تتأخر الحضارة الحاضنة له”. وطالما بقيت الأيديولوجيا الحديثية متحكمة في العقل، وطالما بقيت مسامات العقل مغلقة، فسيبقى الأمل، يقول طرابيشي، في كسب ما كنا أسميناه (رهان تجديد النهضة) معدوما، وستبقى الاحتمالات جميعها قائمة للارتداد نحو ما كنا أسميناه أيضا (قرون وسطى جديدة)[120].
وفي زمننا المعاصر باتت “إعادة الأسلمة” المطلب الأول للأصولية، بعد “تكفير الدولة والمجتمع بالجملة”، و”هذا المطلب لا يعني سوى العودة إلى ما انحط به الإسلام” وليس العودة إلى الشروط التي كانت وراء “عطائه الحضاري الكبير”، “فلا غنى اليوم عن الاستدارة نحو مراكز الحضارة الحديثة”، المتمثلة في العواصم الغربية؛ “مثلما كان الإسلام الأول اتجه بصورة تلقائية نحو مراكزها القديمة في دمشق وأنطاكية والإسكندرية وجنديسابور”[121] . غير أن “المفارقة في الثقافة العربية المعاصرة، بالتمايز عن الحديثة، هي ميل شريحة واسعة من النخبة المثقفة المنتجة لها إلى معاداة الآخر من حيث هو حامل حضارة في المقام الأول”. وانطلاقا من التمييز بين الثقافة العربية الحديثة (بنت الاستعمار)، وبين الثقافة العربية المعاصرة (بنت الاستقلال)، استنبط طرابيشي “قانونا اجتماعيا نفسيا مؤداه أن الحاجة إلى عداء الآخر في الثقافة العربية المعاصرة تتزايد وتأخذ شكلا أكثر حدة طردا مع سقوط الذريعة العقلانية لهذا العداء، والمتمثلة في أن الآخر كان مستعمرا”[122]. وهذه الحالة السيكو-سوسيولوجية الناجمة عن الحاجة إلى معاداة الآخر هي حالة “من طبيعة نكوصية، وبالتالي عُصابية” وفق تعبيره[123].

وبالعودة إلى تلك الحرب التي قادها أهل الحديث وأداروها ضد أهل الرأي، فمن المؤكد أنها كانت ضد أهل الرأي وليس ضد الرأي، وأن مرماهم لم يكن، أبدا، أن يلغي العقلُ العقلَ بالعقلِ، بل لأن سُراة الأمة (أهل الحديث) كانوا في حاجة إلى تلك “التقنية” التي سماها جورج العقل التخريجي، لمقاصد كانت تمليها الضرورة، فإن هذه المعادلة تؤكد لنا بما لا يدع مجالا للشك أن هؤلاء السُراة الذين رأوا أن القرآن محتاج إلى السنة، رأوا في ذات الوقت أن السنة محتاجة إلى اجتهادهم (وهذا ما لم يصرحوا به)، فالسنة بقدر ما كانت مجالا حيويا للإبداع لدى هؤلاء السراة. فالأمر بذات القدر يؤكد أن هؤلاء السراة وقفوا على حقيقة/مأزق لم يجدوا كيفية تجاوزها إلا بالالتفاف على النص الديني وعلى العقل في ذات الوقت. وتتمثل الحقيقة المكتشفة في أن القرآن وسنة الرسول لا يفيان بالغرض المطلوب في مجال التشريع ولاسيما في المجال الاجتماعي والسياسي، فكان لا بد مما ليس منه بد: إبداع أحاديث على لسان الرسول، وبناء نسق معرفي (علمي) لا يسمح بالتشكيك في صحتها. لقد وجد السراة أنفسهم في مأزق، وكان عليهم أن يبحثوا له عن مخرج. ولم تكن تلك الثنائيات (النقل والعقل)، (أهل الرأي وأهل الحديث) سوى تقنية للتسويغ والتبرير والإقناع. فهذه الثنائيات لا أساس لها من الصحة، فليس هناك “نقل” يخلو من “عقل”، وليس هناك فقيه يدعي الالتزام بالحديث دون إعمال عقله وتشغيل فكره وإبداء رأيه. فالعقل المطلوب مصادرته وإلغاؤه هو العقل المتطابق مع مبادئه، فالتقنية المستخدمة في هذا الشأن هي “إلغاء للعقل بالعقل” كما يذهب إلى ذلك نصر حامد أبو زيد في دراسته للشافعي[124]،. لقد شن الفقهاء حملة تطهير للإسلام نفسه، وهو ما سماه طرابيشي بإعادة النظر في الإسلام، وإعادة أسلمة الإسلام. وهي نفس التقنية التي لجأ إليها محمد بن عبد الوهاب كما سنرى لاحقا. والسؤال الذي يجب طرحه: متى يقر سُراتنا أن الاجتهاد البشري المجرد من أي غطاء لاهوتي هو ما يحتاجه الشأن العام دونما تعسف على الدين ودونما إقصاء لدوره الحيوي في حياة الناس. وإذا كان ابن الجوزي، أحد كبار المتعصبين لأهل الحديث، اغتم وحزن بسبب ما رآه من تعصب علماء الحديث للحديث، بطريقة لم يختلفوا فيها عن العامة في تقديسهم لأي حديث مروي[125]. فماذا نقول عن الأكاديميين اليوم، ورجال البحث العلمي وحالهم كحال جنود معاوية الذين لم يكونوا يفرقون بين الجمل والناقة؟.
النّهضة العربية: إشكالية الزّمن، التّأسيس والمفهوم
أولا: ما لم يقله جورج… ما لا يمكنه الاعتراض عليه
لقد قرأ جورج الإرث الفكري العربي قراءة نقدية تحرى فيها الموضوعية والعمق، وساءل الانتلجنسيا عن سوء جودة محاصيلها التي أضرت بالمستهلك العربي ولاسيما السياسات التي تغذت عليها أو اقتات منها، وخصص حيزا كبيرا في تحليل خطابها بوصفه خطابا عُصابيا يعكس تدهورها النفسي وقصورها الفكري، وهو أمرٌ، لا يدعو فقط إلى معالجة المدمنين على هذا الخطاب، بل يدعو إلى الإعلان عن حالة طوارئ طبية شاملة تستنفر كل الطاقات وتجندها حتى يكف هذا الوباء عن الانتشار في عالمنا العربي الذي يوشك أن يصبح منطقة منكوبة. ولأن الحكم على الشيء جزء من تصوره على حد تعبير أهل المنطق، فإن معالجة وضعنا الموبوء جزء من تشخيصه. ومهما أخطأت الانتلجنسيا فقد اجتهدت، وخطؤها لا يقلل من شأنها ولا من إيجابية دورها، ولكن بشرط أن تخضع للنقد والمساءلة العلمية كما فعل جورج الذي أبلى حسناً في تشخيص الظاهرة، بل أحرز تقدما نوعيا في بناء براديگما أكثر مرونة في تمثل الواقع العربي على حقيقته، ومع أنه لم يُعِدْ النظر في مفهوم النهضة، فقد عبر عن موقفه من التباس بعض المفاهيم المتحركة في حقل التداول العربي، كما دعا إلى قراءة مجددة لمفهوم النهضة. وقد كنت بدوري، كمتابع للمشهد الفكري العربي ولتمظهراته السياسية، انشغلت بسؤال الدولة إلى درجة الانعزال عن حياتي المعتادة والعكوف على بحث متشعب، قادني في نهاية المطاف إلى خلاصات حول عدد من القضايا والمواقف والمفاهيم، كان “عصر النهضة” من ضمنها، لذا، فإن جورج وإن لم يُعِدْ النظر في مفهوم النهضة، فإن في منهجه ما يدعم قراءتنا، لأن “الأسماء [لديه] لا تقل أھمیة عن المسمیات”، ولأن “تغییر الأسماء [لديه]، ھو المقدمة والشرط الضروري لتغییر المسمیات”[126].
ثانيا: النّهضة العربية: الأطروحة السّائدة
النهضة العربية، اليقظة العربية، أو حركة التنوير العربية؛ هي “المفاهيم” التي تم تكريسها للتعبير عن الحالة الفكرية والاجتماعية التي سادت أساسًا في مصر العلوية وسوريا العثمانية، وامتدت لتشمل عواصم عربية أو ناطقة باللسان العربي كبغداد، وفاس وتونس ومراكش، تمامًا كما في المهجر، خلال القرن التاسع عشر. يحدد بعض المؤرخين أمثال ألبرت حوراني تاريخ بدء النهضة عام 1798 بالحملة البونابارتية[127]، ويربط جورج أنطونيوس “اليقظة” العربية بزمن الحراك الجمعوي السوري (الأدبي والعلمي) من سنة 1847 إلى سنة 1867 [128]. ويؤرخ لها آخرون بعام 1832بدخول إبراهيم باشا إلى سوريا، لتنتهي مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، وهناك من يحدد تاريخها بخلع السلطان عبد الحميد الثاني [129]. يذهب بعض الباحثين أن حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر كانت تشمل عددا من الحواضر العربية، ويرون أن البحث المعاصر في تركيزه على القاهرة وبيروت قد أهمل دور الحواضر الأخرى كحلب ودمشق وتونس وفاس والجزائر، وتؤكد هذه الأبحاث على أن حلب في ستينيات القرن التاسع عشر كانت من أهم مراكز التنوير[130]. وقد رفع أغلب رجال النهضة شعارات الثورة الفرنسية، بالحرية والعدالة والمساواة، كما تأثروا بفلاسفة عصر الأنوار الأوروبي.
ولئن اختلف الدارسون والمؤرخون حول مفهوم النهضة، وجغرافيتها وزمنها، فقد اتفقوا أن النهضة أفضت إلى إعادة انتشال اللسان العربي مما طرأ عليه من تقهقر، وأنها قدّمت أدبًا عربيًا معاصرًا للمرة الأولى منذ قرون، وأنها، عبر الجمعيات السياسية، بعثت مشاعر الهوية القومية مجددًا، كما ناقشت قضايا الهوية بالبلدان العربية في علاقتها بالحراك العثماني. وعارضت الحكم المركزي للدولة العثمانية. وأن من سماتها أيضًا، اتساع الحراك الجمعوي (الأدبي، العلمي والسياسي)، وحركة التأليف والترجمة، وانتشار المدارس والجامعات، وتأسيس الصحف والمجلات.
ثالثا: النّهضة العربية: الأطروحة النّقيضة
في كتاب صدر سنة 2006، تحت عنوان “النهضة العربية الحديثة”، تطرق فيه المؤرخ المصري عبد العزيز نوار إلى الوضع العثماني في مصر وبلاد الشام والجزيرة العربية في النصف الأخير من القرن الثامن عشر. واستنادا على عدد من الوثائق، أسس مقاربته التاريخية لإضاءة العقود الخمسة التي سبقت الحملة البونابارتية و”الصدمة” التي خلفتها في الشعور القومي العربي. والفكرة-الإطار للكتاب كما يدل عنوانه بشكل صريح وكما توحي المقاربة، أن تاريخ “النهضة العربية” لم يبدأ إثر الحملة الفرنسية، بل قبل ذلك بنصف قرن. وقد حصر جغرافيتها في مصر ونجد. أما بخصوص آباء هذه النهضة فهم: علي بك الكبير في مصر، ومحمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود في نجد.
ويرى عبد العزيز نوار أنه في غمار تعاظم المد الأوروبي في العالم وتفوقه في البحار والمحيطات، وتراجع النفوذ العثماني على الولايات، كان حكام مصر من المماليك “يرون أن لا حقّ لأحد غيرهم في حكم مصر سواء أكان من الداخل: فلاحون أو عربان، أو كان من الخارج: الأتراك العثمانيون”[131]. “وخلال هذه الفترة من الستينيات من القرن الثامن عشر برزت شخصية علي بك ليس فقط كحاكم لمصر وإنما كمنفذ للسياسة الخارجية التقليدية لحكام مصر الأقوياء السابقين في أن يكون لهم اليد العليا في الشام وحوض البحر الأحمر”. وبعد صراعات خاضها المماليك ضد بعضهم نجحوا، في شخص علي بك الكبير، سنة 1768، في أن يستعيدوا حكم مصر. وهذا الحدث، من وجهة نظر عبد العزيز نوار “يعتبر ظاهرة عامة غطت الغالبية العظمى من الولايات العثمانية وهي ظاهرة استبداد العصبيات المحلية بحكم الولاية رغما عن الحكومة المركزية التركية”. ولأسباب اقتضتها طبيعة الصراعات الأممية والإقليمية، تحرك علي بك إلى الشام. ويعتقد نوار أن هذه السياسة التي انتهجها علي بك هي “نوع من السياسة التقليدية لأي حاكم قوي لمصر” ويعني بها “أن يكون لمصر الكلمة العليا في دمشق”. كما “تطلع [علي بك]إلى أن تصبح كلمته هي العليا في الحجاز والشام”. ويبرر نوار هذه التطلعات التوسعية من منطلق أنها لا ترمي إلى “حماية مصر من أخطار تأتي من الشرق، ولكن أيضا من أجل استعادة البلاد العربية دورها الجوهري على خطوط التجارة والمواصلات العالمية”[132].
في ذات السياق، أيضا، برزت شخصيتان في نجد: محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود. كانت لحركتهما التي انطلقت سنة 1744 أثر بالغ في التحولات التي عرفتها الجزيرة العربية ومحيطها الإقليمي، ليس في تلك الفترة فحسب، بل على امتداد مسافة زمنية قاربت ثلاثة قرون، حتى يومنا هذا. وقد أفرد لهذه الحركة فصلا وعززه بعدد من الوثائق العربية والأجنبية.
فعلى التخوم الصحراوية للإمبراطوريا العثمانية، وفي قلب الجزيرة العربية، “نشأت حركة إصلاحية، استلهمت تفكيرها من المذهب الحنبلي”، وشكلت تحديا للقوى القبلية كما للسلطة العثمانية وأسست سياستها على الشريعة بديلا عن العادات الجاهلية، وعلى “روح التضامن الإسلامي محل العصبية القبلية”، ومن ثم وجهت “قوى البدو الحربية نحو جهاد دائم. وفي أواخر القرن الثامن عشر، كان الوهابيون قد سيطروا على أواسط الجزيرة والخليج الفارسي، ثم ما لبثوا أن دمروا كربلاء في أطراف العراق، واحتلوا الحجاز، وأخذوا يهددون دمشق”[133].
وما يهمّنا في الكتاب، بدءا بعنوانه، أن المؤرخ نوار يختلف مع مؤرخي النهضة حول زمنها المؤسس وجغرافيتها وروادها كما أسلفنا.
رابعا: النّهضة العربية: الأطروحة البديلة
إن المعطيات التي تستند عليها الأطروحتان وجيهة، لكن القراءتين، في تقديرنا، كانتا تحت تأثير اعتبارات ذاتية وأيديولوجية، ونقاط اختلافنا حول الأطروحتين نوجزها فيما يلي:
ألف: أطروحة عبد العزيز نوار
في مقاربته للمثال النجدي، استند نوار على معطيات تاريخية مشاعة لدى الدارسين، ومن جهتنا نتفق معه في كون الحركة الوهابية مثلت “النهضة” كونها توفرت على مشروع أيديولوجي ومؤسسين: مُنَظّرٌ أيديولوجي وسياسي هو محمد بن عبد الوهاب، ومنفذ سياسي وعسكري هو محمد بن سعود. وهذا ما سنتناوله بشيء من التفصيل لاحقا. أما المثال المصري، فيبدو، في تقديرنا، أن المؤرخ تعسف في ربطه، ولو سياقيا، بالمثال النجدي، حتى بدا كما لو أنه مقحم. فالمثال المصري في صيغته المملوكية لم يتأسس على رؤية سياسية ولم يتوفر على مُنَظّرِ أيديولوجي، بل أن اللاعب الوحيد في المثال المصري هو علي بك الذي لم يكن يحسن سوى العمل العسكري. فضلا عن ذلك هناك من يرى، استنادا على المعطيات التاريخية، أن فكرة القومية (عربية كانت أو مصرية) لم يكن لها وجود لدى الجماهير المسلمة المصرية التي كانت تعتبر نفسها من “أمة محمد”، أما وعيها الهُويّاتي كان يأخذ طابعا محليا مرتبطا بمسقط الرأس (“مصري قاهري” و”إسكندراني” ..الخ). هذا النوع من الوعي لم يكن يحتقر فقط المصري الوطني النصراني، الأقباط (الغرباء) والروم الأرثوذكس، بل و”السوريين الغرباء” مسلمين ونصارى على حد سواء. وحتى الفئة المثقفة المصرية لم ترتفع بفكرها الاجتماعي السياسي وتصوراتها الوطنية عن مستوى المؤسسات الإدارية السياسية والعلاقات الاجتماعية الاقتصادية الناظمة لحياة البيئة التي نشأوا وترعرعوا فيها[134]. واعتقد عبد الله النديم أن الوحدة الوطنية تشمل الأقباط بوصفهم أجانب على أرض مصر، وخصوصا السوريين الذين هاجمهم بعنف بالغ على أنهم دخلاء ومرابون فاحشون وصنائع للفاتح الأجنبي[135]، وسار على هديه مصطفى كامل الذي وصف اللبنانيين بالدخلاء [136].
فالحراك القومي العربي في مصر نشأت بذوره الأولى في سياق كان يبحث فيه محمد علي عن غطاء أيديولوجي يفتك بفضله عرش الإمبراطوريا العثمانية، أو على الأقل يضمن الاستقلال والسيطرة على الأقاليم التي كانت في حوزته. ويؤكد هذا الرأي أن مصر بالرغم من لسانها لم تكن تعتبر نفسها عربية خالصة وهي ذات النظرة التي نظر بها الآخرون إلى مصر[137].
باء: الأطروحة السائدة
أولا: أقصت هذه الأطروحة وجهات نظر من اعتبرتهم رواد النهضة، كما تجاهلت امتدادهم في تاريخ التحولات التي سبقتهم وقد كانت تلك التحولات عاملا أساسيا في بلورة رؤاهم ومواقفهم من عصرهم. فبروز محمد علي مؤسس مصر الحديثة ليس سوى امتداد لحركة علي بك في مصر. ورفاعة الطهطاوي ومحمد عبده والأفغاني والكواكبي كانت مواقفهم من محمد بن عبد الوهاب يطبعها التقدير والثناء. وبالتالي، فإن الحركة الوهابية التي اشتهرت بالحركة الإصلاحية، ليست في النهاية، سوى نهضة تطابقت مع شرطها الزمني والجغرافي. وما دام مؤسسها ومكانها عربيين؛ فهي النهضة العربية.
ثانيا: لم يكن متاحا لمحمد بن عبد الوهاب وشريكه في المشروع، وبالتالي لم يكن مطلوبا منه أن يبتكر مشروعا حداثيا على النمط الغربي. فالرجل ولد ونشأ وترعرع في بيئة بدوية[138]، وهي البيئة التي استهدفها مشروعه. وهي بيئة لم تكن تتوفر على حاضرة واحدة في مقام حواضر الشام وشمال أفريقيا، علاوة على أن ابن العينية أعلن عن مشروعه عام 1744 في وقت كانت النهضة الأوروبية لا تزال تتمرن على المشي. أي قبل الثورتين الأمريكية والفرنسية بأكثر من ثلاثة عقود، بل أن الثورتين لم تكونا حتى في وارد التوقعات. ولم يكن الزمن الغربي قد أنتج مفاهيم الحداثة ونظرياتها التي لم تصبح قيد التداول العربي، وبشكل محدود وخجول، إلا في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، أي بعد قرن من ظهور المشروع الوهابي.
وإذا كان رواد النهضة خرجوا من رحم دولة مصر العلوية، أي من تحت الرداء “السياسي” لمحمد علي “العسكري”، فإن الدولة السعودية خرجت من رحم المشروع الوهابي. أي، إن محمد بن عبد الوهاب هو المؤسس، نظريا، للدولة السعودية، بينما الدولة المصرية كانت الراعي الرسمي للحراك الفكري والأدبي والديني الذي اشتهر تحت اسم “النهضة العربية”[139].
لقد كان محمد بن عبد الوهاب رجل دين أبا عن جد، وابن بيئة اجتماعية ثقافتها تبدأ من الدين وتنتهي إليه. وبصرف النظر عن الرواية التي تحدثت عن علاقته بهمفر الجاسوس الانكليزي، واستدعاءًا لمفهوم “الصدمة” كعامل أسس عليه الدارسون والمنظرون مفهوم “النهضة”، فإن رجل الإصلاح والتوحيد والتجديد لم يكن يشذ عن باقي المثقفين العرب، بل يمكن القول أنه أول من عاش تلك “الصدمة”، وأول من حاول تجاوزها بمشروع متماسك، خالٍ من اللعثمة والتأتأة التي اعتورت النهضويين الذين جاؤوا من بعده[140]. فهو لم يؤسس مشروعه على الدين من أجل الدين ذاته، بل من أجل هدف سياسي صرف، مستلهما رؤيته ومنهجه من أهل الحديث ولاسيما ابن حنبل وابن تيمية، بل هناك من سعى إلى إخراج حياة (محمد نجد) بالصورة التي ظهر بها (النبي محمد في الحجاز) [141]. وقد عمل على إعادة بناء الحياة القبلية في نسق سياسي تخضع فيه كل قبائل الجزيرة لقائد واحد وتحت لواء واحد مبدؤه “الولاء والبراء”.
كان الدين المدخل الوحيد والرافعة الأساسية لهذا المشروع السياسي كخلفية أيديولوجية مختلفة على مستوى البراديگما، وبالتالي على مستوى الخطاب. فحتى يكون هناك تواصل بينه وبين شيوخ القبائل والأمراء وبشوات الولايات، كان لا بد من خطاب جديد، لا يختلف عن السائد فحسب، بل خطاب صادم بدوره، يتسم بالمشروعية والمعقولية طعنا في شرعية البراديگما السائدة وكشفا لانحراف خطابها الرسمي والشعبي. ذلك أن “الخطاب شكل من أشكال السيطرة يدرج الكلام والتنظيمات والتصنيفات في أحد أجهزة الهيمنة أو (ميكروفيزياء السلطة). الخطاب هو أداة سيطرة تزداد إحكاما”[142].
وفي ضوء ما تقدم، فإن انتلجنسيا التنوير العربي أخطأت في تحديد موقفها النقدي، بل العدائي إزاء محمد بن عبد الوهاب ومشروعه داخل الجزيرة وليس إزاء المشروع الوهابي/المتوهبن خارج الجزيرة. وجراء هذا الموقف أخفقت في إدارة النقاش حول مشروعه في صيغته الخليجية، كما حول النهضة في صيغتها المصرية، الشامية والمغاربية.
ثالثا: بعد أن أقصت وجهات النظر المختلفة، وقمعتها، كرست الأطروحة السائدة براديگما لاتاريخية، ومثلما تعثّر المشروع النهضوي المصري، انتكس ذات المشروع في سوريا بعد أن ظل المشهد السياسي-الفكري في بلاد الشام يتغذى من الخيال الجامح بوعي مفارق للواقع الملموس. وتلك الأحلام الشاردة في سماء ذلك الخيال لم تتوفر لها شروط الالتحام بأرض الواقع، فتشظّت تلك الأحلام بسبب تناقضاتها المنطقية.
ظل المفهومان: “الأمة” و”القومية/الوطنية” من المفاهيم الغامضة، ففي سوريا نما شعور مخالف للقومية العربية، فكان هناك من يؤمن بالأمة السورية واللبنانية[143]. وهناك من كان يعمل من أجل استقلال لبنان ويعتقد أن لبنان أكثر ارتباطا بالغرب[144]، بينما هناك من كان يرى في استقلال لبنان سيطرة الموارنة والثقافة الفرنسية، فانتصر لفكرة سوريا كوسيلة للتخلص من وضع الأقلية[145]. وكان دعاة القومية السورية يعلنون أن السوريين ليسوا عربا، وليس هناك أمة عربية، وأن فكرة القومية العربية مزعومة خلقها الأمير فيصل والانكليز (جورج سمنة)[146]. وكان مفهوم القومية العربية والوحدة لا يشمل شمال أفريقيا(مصر والبلدان المغاربية لم تكن في نظرهم بلدانا عربية) ، كما كانت كلمة عرب تطلق فقط على الجزيرة والعراق وسوريا[147].
لم يستوعب رواد النهضة الشرط التاريخي الذي أسس لوجودهم، وقد غاب عنهم أن مؤسسي النهضة الأوروبية لم يكونوا مسيحيين بقدر ما كانوا علمانيين، أي بُناة النهضة هم أولئك المتحولون من البراديگما اللاهوتية إلى البراديغما الوضعية العقلانية. وقد نلتمس عذرا للأسلاف؛ فما الذي منع جيل النهضة الثاني من تغيير البراديگما؟
إن مفكري النهضة من بداية القرن التاسع عشر حتى اليوم لم يستوعبوا شرطهم التاريخي، ولم ينتبهوا إلى “المقولات” التي أسست للزمن العربي-الغربي: المسألتان الشرقية واليهودية وما ترتب عنهما من تحولات ميدانية على مدى القرون الثلاثة الماضية، ثم مشروع الشرق الأوسط الجديد ومخاضاته المؤلمة.
إن التحولات التي عاشها عالمنا العربي اصطبغت بالعنف، وترتبت عنها أوضاع كارثية كون الانتلجنسيا لم تكن شريكة واعية في العمل على الحد من عنف تلك التحولات، أي أنها لم تميز بين الغرب الديمقراطي وقواه المناهضة للديمقراطيا، ولم تقرأ هذه الانتلجنسيا عصرها بشكل واع في سياق الصراع الغربي-الغربي بين مدّه الديمقراطي ومدّه الإمبريالي. وبالتالي، ظلت عائدات خطابها المعادي للإمبرياليا تصب بسخاء في رصيد الغرب الإمبريالي وحلفائه وعلى حساب شعوبها، بل وعلى حساب الديمقراطيا في معاقلها الغربية. والوضع الكارثي الذي آلت إليه أغلب بلدان العالم العربي، لا يتحمل مسؤوليته المُتوهبنون وحدهم، بل يتحملها، أيضا، وبقسط كبير، كل تيارات الانتلجنسيا بخطاباتها المسكونة بالحنين إلى ذلك المجد الإمبريالي: الأموي والعباسي.
جيم: الأطروحة المقترحة
هذا الإخفاق في إدارة نقاش علمي حول الحراك الفكري الذي عرفته حواضر الشام وشمال أفريقيا، في تقديرنا، ناجم عن قصور نظري/مفاهيمي، ناجم بدوره عن خلط منهجي بين مشروع محمد بن عبد الوهاب والمتوهبنين من خارج الجزيرة، ولاسيما أبناء الحواضر الشامية والشمال-أفريقية، من مفكرين ورجال الدين في القاهرة ودمشق وبيروت وتونس وقسنطينة وفاس وغيرها من المدن التي تحولت إلى حواضن سلفية رغم نمطها الحضاري والاجتماعي المنفتح على الغرب. فالنخبة الدينية والفكرية والسياسية لتلك الحواضر، وبسبب ضيق أفقها وقصر نظرها، وبسبب تعاليها عن منطق التاريخ والجغرافيا، كما بسبب كسلها وتبعيتها وانتهازيتها، أو بعبارة مختصرة، بسبب جهلها المركب، قلّدت كاركاتورياً المشروع الوهابي، وكتحصيل حاصل، كانت بلدانها ضحية هذا الجهل المركب. فتلك الإخفاقات التي تضخمت إلى كوارث في بلدان الشام وشمال أفريقيا واليمن، ظلت بلدان الخليج في منجى منها. بصرف النظر إن كانت لهذه النجاة ضمانات في المستقبل أم لا؟
في انتظار ما سيتكشف عن المستقبل، فلا يسعنا إلا أن نقول أن المشروع الوهابي-السعودي صمد في الوقت الذي انهارت فيه كل المشاريع العربية بشكل تراجيدي؛ وبصرف النظر عن موقفنا منه، فإن هذا المشروع في صيغته الخليجية قد حقق تطورا مطردا، وبعد أن راكمت حواضنه/حواضره الخليجية تجاربها في كل المجالات، وبعد أن انحسرت البداوة بفعل التأثيث العمراني الحضري للجغرافيا، وبعد أن تشبع الجيل الخليجي المعاصر بهواء الغرب، وخرجت بلدانه من نمطها البدوي إلى عالم الحضارة. بعد ذلك كله، انفتح النقاش السياسي، الفكري والديني حول الحقوق والحريات، وحول علاقة الجماعات الدينية بالإرهاب، وحول هيكلة الحقل الديني، وإعادة الاعتبار للتاريخ العربي ما قبل الإسلام. وبدا واضحا أن الانتلجنسيا الخليجية شرعت في تأسيس زمنها الجديد بلغة العصر، وأن الدولة التي قامت على خلفية ثيوقراطية بدأت تستجيب، كرها وطوعا، إلى دعاة الحقوق والحريات، وبدأت تعد العدة للانتقال من نسقها الثيوقراطي إلى نسق علماني.
وعودة إلى الشام وشمال أفريقيا، فمن المعلوم أن رواد النهضة التي اشتهرت تحت اسم “النهضة العربية”، كانوا كلهم من حواضر تلك البلدان، وهي بلدان متعددة الألسن والديانات والإثنيات، فضلا عن تعدد تياراتها السياسية والأيديولوجية، هي بلدان ناطقة باللسان العربي وليست بلدانا عربية، وبالتالي كان من المفترض أن يكون اسم النهضة مطابقا لمُسمّاه، فإشكالية الاسم والمسمى هي التي شكلت هاجسا لدى طرابيشي حين قال: “والنهضة فضلا عن كونها سيرورة… فهي مفهوم النهضة”، وإذا اختزلنا عبارته لقلنا “النهضة هي مفهوم النهضة”. أي مسمى النهضة مشروط بمدى تطابقه مع اسم النهضة، أي تطابق الدال مع مدلوله بالتعبير السيمانطيقي، أي تطابق الشيء مع مفهومه. وعلى سبيل التوضيح، إذا كان “مفهوم” الذئب ليس هو “الذئب ذاته”، فما بالك بمن يتحدث عن الذئب وهو يقصد ابن آوى؟[148] وإذا كان مفهوم “النهضة العربية” ليس هو “النهضة العربية ذاتها”، فما بالك بمن يتحدث عن هذه النهضة العربية وهو يقصد نهضة الشام أو نهضة مصر[149] أو نهضة المغرب؟ لأن النهضة العربية هي تلك التي نشأت في نجد واتسعت في جغرافيا الجزيرة. أما الحراك الفكري والسياسي الذي عرفته حواضر الشام وشمال أفريقيا، فقد كان يترجم نهضة ناطقة باللسان العربي، قادها وأسس لها مسلمون ومسيحيون، شاميون ومصريون ومغاربيون، من مناخات ثقافية متنوعة بدورها (عربية، كردية، أرمنية، قبطية، أمازيغية، سريانية، درزية…)؛ وكتحصيل حاصل، فإن تدقيق النظر في هذه النهضة، يكشف لنا أنها كانت عربية اللسان فقط، أي نهضة عربوفونية (Arabophone). فلو اهتدت إلى اسمها الحقيقي، لاهتدت إلى هويتها، ولسهر الناطقون باسمها على تنميتها، عموديا وأفقيا، أي على مستوى كل قطر أو إقليم من جهة، وعلى مستوى العالم العربي من جهة ثانية. وفي تقديرنا هنا يكمن لغز الانقلاب الذي أرق جورج طرابيشي لدرجة أنه وصفه بالجائحة الأيديولوجية، وأنه أصبح وباء نفسيا، “يتهددنا جميعا بدون ضمانة من أي مناعة”. ويعترف جورج أنه قد تورط في معركة عن سبق قصد وتصميم، ذلك أن الأمر لم يعد مطاقا، وعلى هذا الوباء أن يتوقف، ولن يتوقف إلا بمخطط فكري مضاد، بخطاب مضاد يقوده “كل مثقف عربي حريص على أن تكتب له النجاة”[150].

****

[71] جورج طرابيشي، هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والممانعة العربية، ط1، بيروت، دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب، 2006 (ص66).

[72] جورج طرابيشي، المعجزة أو سبات العقل في الإسلام، ط1، بيروت، دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب، 2008

 (من ص 11 إلى 18).

[73] نفس المصدر (ص 28).

[74] نفس المصدر (ص 29).

[75] نفس المصدر (ص 32).

[76] نفس المصدر (من ص 33 إلى 38).

[77] نفس المصدر (من ص 39 إلى 47).

[78] نفس المصدر (من ص 48 إلى 56).

[79] نفس المصدر (ص56).

[80] نفس المصدر (ص 57).

[81] نفس المصدر (ص 76).

[82] نفس المصدر (ص77).

[83] نفس المصدر (ص 83 و84).

[84] جورج طرابيشي، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة، ط1، بيروت، دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب، 2010 (ص 479).

[85] نفس المصدر (ص 614).

[86] نفس المصدر (ص 619).

[87] نفس المصدر (ص 627).

[88] أخرجه الخطيب في”الكفاية” (ص: 14)، ومحمد بن نصر المروزي في “السُّنة” (104).

[89] جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، ط1، بيروت، دار الساقي، 2000 (ص 87 و88).

[90] نفس المصدر (ص 88).

[91] نفس المصدر (ص 89.).

[92] جورج طرابيشي، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة، ط1، بيروت، دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب، 2010 (ص 144 و146).

[93] نفس المصدر (ص146).

[94] نفس المصدر (من ص146 إلى ص 149).

[95] نفس المصدر (من ص 150 إلى ص160).

[96] نفس المصدر (ص 251).

[97] نفس المصدر (ص 251).

[98] نفس المصدر (من ص 256 إلى 260).

[99] نفس المصدر (ص 263).

[100] نفس المصدر (ص264).

[101] نفس المصدر (ص275).

[102] نفس المصدر (ص277).

[103] نفس المصدر (ص278).

[104] نفس المصدر (ص500).

[105] نفس المصدر (ص 498).

[106] نفس المصدر (ص 497).

[107] نفس المصدر (ص537).

[108] نفس المصدر (من ص538 إلى ص 542).

[109] نفس المصدر (ص 553).

[110] نفس المصدر (ص 563).

[111] نفس المصدر (ص 270).

[112] نفس المصدر (ص 295).

[113] نفس المصدر (ص 477).

[114] نفس المصدر (ص 493).

[115] نفس المصدر(ص 621 و622).

[116] نفس المصدر(ص622 و623).

[117] نفس المصدر(ص 612).

[118] نفس المصدر(ص 538).

[119] نفس المصدر(ص 630).

[120] نفس المصدر(ص 631).

[121] جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، ط1، بيروت، دار الساقي، 2000 (ص 90).

[122] نفس المصدر(ص 91).

[123] نفس المصدر(ص 92).

[124] جورج طرابيشي، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة، ط1، بيروت، دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب، 2010 (ص252).

[125] نفس المصدر(ص535).[وقد غمني في هذا الزمان أن العلماء لتقصيرهم في العلم صاروا كالعامة، وإذا مر بهم حديث موضوع قالوا: قد روي. ابن الجوزي، صيد الخاطر، تحقيق علي وناجي الطنطاوي، دار المنارة، ط5، جدة 1991، ص 292].

[126] جورج طرابيشي(في نقده لمحمد أركون)، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، ط1، بيروت، دار الساقي، 2000(ص138).

 [127] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ت كريم عزقزل، ط1، بيروت، دار النهار للنشر، 1968

[128] جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ت ناصر الدين الأسد وحسان عباس، ط8، بيروت، دار العلم للملايين، 1987 (ص15).

[129] هذه المعطيات تؤكدها مصادر عديدة (ألبرت حوراني في كتابه: الفكر العربي في عصر النهضة، وجمال باروت في كتابه: حركة التنوير العربية، ومنذر معاليقي في كتابه: معالم الفكر العربي في عصر النهضة و نازك سابا يارد في الرحالون العرب وحضارة الغرب ومسعود ضاهر في كتابه: النهضة العربية والنهضة اليابانية).

[130] جمال باروت، حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر: حلقة حلب، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1994 (ص5 و7)

 [131] عبد العزيز نوار، النهضة العربية الحديثة (حركة علي بك الكبير – التنافس الاستعماري- الحملة الفرنسية على مصر- صعود الدولة السعودية الأولى)، ط1، مصر، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية،  2002.(ص 16).

[132] نفس المصدر(صفحات 5 و6 و15).

[133] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ت كريم عزقزل، ط1، بيروت، دار النهار للنشر، 1968 (ص55 و56).

[134] يغيا نجاريان، النهضة القومية – الثقافية العربية، ت. بوغوص سراجيان، دمشق، دار نشر أكاديمية العلوم، 2005 (الكتاب على موقع  https://sources.marefa.org ).

[135] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ت كريم عزقزل، ط1، بيروت، دار النهار للنشر، 1968 (ص238).

[136] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ت كريم عزقزل، ط1، بيروت، دار النهار للنشر، 1968 (من ص246 إلى 251) .

[137] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ت كريم عزقزل، ط1، بيروت، دار النهار للنشر، 1968 (ص352).

في العشرينيات والثلاثينيات نأت مصر بنفسها إلى درجة كبيرة عن أي حركة للجامعة العربية وذلك بموافقة أشقائها العرب. ولم يكن قد اتفق أبداً على أن المصريين يمكن حتى أن يعتبروا عرباً. ومنذ مايو1941 فصاعداً كثفت بريطانيا مساعيها حول أي مشروع يجعل من مصر المقر الرئيسي لأي إتحاد عربي يرعاه الغرب. وعلى مضض اضطر نورى السعيد وغيره من القادة أن يقبلوا بهذه الحتمية، فلم يكن هناك بديل عن مصر. كان آخر عمل قام به الوفد قبل أن يُقصى عن الحكم في أكتوبر 1944 هو توقيع بروتوكول الإسكندرية مع الدول العربية الستة المستقلة والذى أدى إلى قيام الجامعة العربية في السنة التالية. بيتر مانسفيلد، تاريخ الشرق الأوسط،  ت عبد الجواد سيد عبد الجواد (الفصل العاشر: الحرب العالمية الثانية وما بعدها، ردود الفعل في الشرق الأوسط/الوطنية والقومية العربية والإسلام).

[138] علي الوردي، الحركة الوهابية، عن كتاب الوهابية – بتقارير القنصلية الفرنسية في بغداد 1806-1808(إعداد هاشم ناجي)، ط1، بيروت، الوراق للنشر، 2015 [والواقع أنه لم يكن أول من فكر بمثل هذه الفكرة، فقد سبقه إليها ابن تيمية قبل خمسة قرون، ولكن الفرق بينهما هو أن ابن تيمية نادى بالفكرة في بيئة حضرية، بينما نادى محمد بها في بيئة بدوية فنجح نجاحا عظيما- (ص 14)].

[139] ما إن بسط محمد علي حكمه على مصر حتى أرسل أول بعثة علمية إلى أوروبا سنة 1808(انظر كتاب مسعود ضاهر: النهضة العربية والنهضة اليابانية. ص80)، وكان ذا نظرة خاصة إلى أوروبا (انظر كتاب حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة. ص74 ).

[140] لقد وضع هؤلاء أنفسهم في موقع دفاع، حيث انحصر دورهم في البرهنة على عدم التناقض بين الإسلام والمدنية الوافدة من أوروبا: انظر كتاب ألبرت حوراني [(الأفغاني مثلا في حواره مع رينان(ص 139)، أو محمد عبده في محاولاته التوفيقية ( ص198)]. أو كتاب منذر المعاليقي (مصطفى كامل مثلا في مرافعاته عن الدين والوطنية)( ص160). ويكفي أن تقرأ سيرة أغلب دعاة النهضة المسلمين لتقف على هذا التذبذب في تمثلهم للنهضة: كمفهوم وكمشروع).

هذا الارتباك والتردد كان يهيمن على كل دعاة الإصلاح، ففي تقييمه لمقاربة ويلفريد بلانت لاجتهادات محمد عبده، رأى ألبيرت حوراني، أن نقطة الانطلاق في الكتاب هي بالضبط نقطة انطلاق محمد عبده في كتاباته، استنادا على أن الأمة الإسلامية في انحطاط ويجب إصلاحها من الداخل، وتبني المؤسسات الأوروبية بحد ذاته لن يحقق هذا الإصلاح: فالتنظيمات “لم تنجم عن الدين أو بواسطته، كما كان ينبغي أن يحدث، بل جاءت تحديا له… وجميع التغييرات التي يحاولون إجراءها على هذا النحو مكتوب لها الإخفاق بسبب عنصر اللاشرعية اللاحق جوهريا”. أما الحركة الوهابية، فكانت أقرب ما يكون إلى الإصلاح، لأنها عالجت القضية من جذورها، وذلك بانصبابها على إصلاح الأخلاق والعقيدة بالعودة إلى الأمور الأساسية في الإسلام. والأساسي في الإسلام إنما هو تلك المجموعة من العقائد المتفقة مع متطلبات العقل البشري. وما الشريعة إلا التطبيق العقلي لهذه المبادئ على أحوال العالم المتبدلة. فما نفتقر إليه اليوم إنما هو إعادة تفسير الشريعة لنتمكن من اقتباس ما كان صالحا من الأخلاق الأوروبية. لكن كيف يمكن لهذه العملية أن تتم بدون الخروج على الشرع؟ وحتى تخضع الشريعة للتغيير لا بد من سلطة مؤهلة للاضطلاع بذلك، أي لا بد من بعث الخلافة الصحيحة على أن تكون وحدها صاحبة السلطة الروحية. وأن يكون الخليفة، وفق رشيد رضا، هو المجتهد الأكبر. الفكر العربي في عصر النهضة (ص 191).

[141]في عام 1745 اختلف محمد بن عبد الوهاب مع أمير حرملة فخرج منها لاجئا إلى قرية أخرى هي قرية “الدرعية” التي كان يحكمها الأمير محمد بن سعود. ويشبه الوهابيون هجرته هذه بهجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة. علي الوردي (ص 15)

[142]آلان تورين، براديغما جديدة: لفهم عالم اليوم، ت جورج سليمان، ط1، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2011(ص 19).

[143] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ت كريم عزقزل، ط1، بيروت، دار النهار للنشر، 1968 (ص340)

[144] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ت كريم عزقزل، ط1، بيروت، دار النهار للنشر، 1968 (ص342).

[145] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ت كريم عزقزل، ط1، بيروت، دار النهار للنشر، 1968 (ص330).

[146] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ت كريم عزقزل، ط1، بيروت، دار النهار للنشر، 1968 (ص345).

[147] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ت كريم عزقزل، ط1، بيروت، دار النهار للنشر، 1968 (ص351 و332).

[148] ابن آوى هو (أوشن) في اللسان الأمازيغي و(Le Chacal) في الفرنسي. غير أن الجزائريين يُسمّون ابن آوى (بالعربي) خطأ الذئب، ولا يعرفون أنه لا وجود للذئب بالجزائر وسائر المغرب الكبير. بل يترجمون (Le Chacal) بالذئب بينما الذئب في اللسان الفرنسي هو (Le Loup). في لساننا الأمازيغي لا يوجد مقابل للذئب لأن أسلافنا الأمازيغ لم يعرفوا الذئب ولم يسموه لعدم وجوده بأرضنا.

[149] في تناوله للنهضة اليابانية يصف مسعود ضاهر النهضة المصرية بالنهضة العربية، وهو توصيف خاطئ على جميع المستويات. ذلك أن المقاربة العلمية لا تسمح باختزال كل البلدان العربية في بلد واحد (مصر)، كما لا تسمح باختزال التنوع الإثني والثقافي المصري في بعد واحد (العروبة).

[150] جورج طرابيشي، المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي، ط1، بيروت، رياض الرايس للكتب والنشر، 1991(ص 11و12).

*****

المراجع

1- جورج طرابيشي، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة، ط1، بيروت، دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب، 2010

2- جورج طرابيشي، المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي، ط1، بيروت، رياض الرايس للكتب والنشر، 1991

3- جورج طرابيشي، المعجزة أو سبات العقل في الإسلام، ط1، بيروت، دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب، 2008

4- جورج طرابيشي، مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة، ط3، بيروت، دار الساقي، 2012

5- جورج طرابيشي، هرطقات عن الديمقراطية والعلمانية والممانعة العربية، ط1، بيروت، دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب، 2006

6- جورج طرابيشي، هرطقات 2 عن العلمانية كإشكالية إسلامية-إسلامية، ط1، بيروت، دار الساقي ورابطة العقلانيين العرب، 2008

7- جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، ط1، بيروت، دار الساقي، 2000

8- منذر معاليقي، معالم الفكر العربي في عصر النهضة العربية، بيروت، دار إقرأ.

9- مسعود ضاهر، النهضة العربية والنهضة اليابانية: تشابه المقدمات واختلاف النتائج،ط1، عالم المعرفة، 1999

10-  آلان تورين، براديغما جديدة: لفهم عالم اليوم، ت جورج سليمان، ط1، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2011

11- ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة، ت كريم عزقزل، ط1، بيروت، دار النهار للنشر، 1968

12- جمال باروت، حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر،ط1، دمشق، منشورات وزارة الثقافة، 1994

13- عبد العزيز نوار، النهضة العربية الحديثة (حركة علي بك الكبير – التنافس الاستعماري- الحملة الفرنسية على مصر- صعود الدولة السعودية الأولى)، ط1، مصر، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية،  2002.

14- علي الوردي، الحركة الوهابية، عن كتاب الوهابية – بتقارير القنصلية الفرنسية في بغداد 1806-1808(إعداد هاشم ناجي)، ط1، بيروت، الوراق للنشر.

15- جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ت ناصر الدين الأسد وحسان عباس، ط8، بيروت، دار العلم للملايين، 1987

16- يغيا نجاريان، النهضة القومية – الثقافية العربية، ت. بوغوص سراجيان، دمشق، دار نشر أكاديمية العلوم، دمشق، 2005

17- بيتر مانسفيلد، تاريخ الشرق الأوسط،  ت عبد الجواد سيد عبد الجواد (موقع الحوار المتمدن)

متعلقات
انشر عبر