Menu
حضارة

الحقيقة والصدق وفلسطين: كيف أصبح مصطلح "إنهاء الاحتلال" غطاء لمنح الشرعية للكيان الصهيوني

الحقيقة والصدق وفلسطين: كيف أصبح مصطلح

بوابة الهدف/ جلعاد عتزمون/ ترجمة وتحرير أحمد.م.جابر

 [يناقش هذا النص قضايا إشكالية، ويوجه انتقادات حادة لحركات الهوية، ولمفهوم حركة المقاطعة المروج عن فلسطين وحقيقة الاحتلال، في هذا النص ينتقد جلعاد عتزمون (موسيقي يهودي بريطاني يعيش في لندن ومناصر قوي للقضية الفلسطينية)  في مقال منشور في موقع tlaxcala التركيز الغربي على حركات الهوية كبديل عن التفكير المجتمعي الشامل والكلي الجدير بالإيصال إلى الحقيقة، ويوجه انتقادات قوية ومحقة –برأي المحرر- لحركة المقاطعة وترويج "إنهاء الاحتلال" والتغاضي عن أن "إسرائيل" كيان غير شرعي وأن عودة الفلسطينيين هي الجوهر الذي يستحق القتال من أجله حيث لامكان لما يسمى إسرائيل" في العالم الحقيقي عالم الحقيقة والصدق.]

لا يحتاج المجتمع السليم إلى "حركة حقيقة"،  لكن نحن الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين والألمان بعيدون كل البعد عن أن نكون بصحة جيدة ولم تقودنا "حركات الحقيقة" لدينا إلى أي مصدر للضوء. السؤال هو: لماذا؟

إحدى الإجابات المحتملة هي أن "حركات الحقيقة "هي بيئات مثالية لشركات تسيطر عليها المعارضة - أولئك الذين يصرون على فحص أي نقاش حول الحقيقة من خلال الزعم أنها تحتكرها.

افترض كارل بوبر أنه بما أنه لا يوجد عدد من التجارب العلمية يمكن أن تثبت بشكل قاطع نظرية علمية يجب أن تستخدم منهجية قائمة على التزييف، و في حين أننا نمتلك الوسائل لدحض النظرية العلمية أو "الحقيقة العلمية"، فإننا نفتقر إلى القدرة على التحقق من نظرية علمية واحدة عن طريق التجارب، على سبيل المثال، إذا ذكرت أن "الشمس تشرق في الشرق" هذه حقيقة علمية صحيحة، ولكن ظهور الشمس في الغرب مرة واحدة فقط كفيل بدحض النظرية، علاوة على ذلك، فإن قوانين التاريخ مثل قوانين إنكار الهولوكوست في أوروبا أو قانون النكبة في "إسرائيل" موجودة لتحدي التغيير أو الدحض أو النقاش العلمي حول الماضي، وبدلاً من مساعدتنا على فهم ماضينا، فإن وجود مثل هذه القوانين يكشف لنا أن بعض الأحزاب يائسة في جهدها لمنع أي أحد من استكشاف ما حدث فعلاً.

التاريخ قد يدعي أنه يقول لنا ما حدث، ولكن أكثر من 'التاريخ" الوقت يعمل مؤسسيا في إخفاء عارنا، الأميركيون، على سبيل المثال، يخفون وحشية العبودية، والبريطانيون يخفون جرائم الإمبراطورية، ويقمع اليهود أي تحقيق في المساءلة اليهودية عن سلسلة كوارث التاريخ اليهودي، إلخ. والرسالة هنا هي أنه بدلاً من مجرد تعلم التاريخ من المؤرخين، قد نستفيد من إتباع نهج التحليل النفسي لمحاولة فهم ما يعمل المؤرخون لإخفائه. يجب أن نسأل لماذا تبني أمريكا متحفًا للهولوكوست في كل مدينة؟ لماذا جعل البريطانيون متحف الحروب الإمبراطوري في ضريح المحرقة؟ ونحن قد نريد حتى أن نفهم كيف أنه من الممكن أن في نفس اليوم أن تحتفل "إسرائيل" بأكبر مسيرة للمثليين في المنطقة، تم تنشر المئات من القناصة على حدود غزة مع أوامر لإطلاق النار على كل فلسطيني قد يحاول الخروج من معسكر اعتقال غزة. إن موقف الليبراليين المتحولين جنسياً هو في الأساس غسالة بصبغة وردية لغسل جرائم "إسرائيل" وهي محاولة لإخفاء سياسات "إسرائيل" العنصرية المسيئة تجاه السكان الأصليين الفلسطينيين. ولكن هناك سبب للتفاؤل، وعلى الرغم من الاعتداء الصريح على الصدق، فإن الحقيقة لديها قدرة فريدة على كشف النقاب عن نفسها.

في هذا المقال اليوم، سننظر إلى فلسطين و"إسرائيل" في ضوء الحقيقة والصدق وسنكتشف أننا الآن جميعنا فلسطينيون. و مثل الفلسطينيين نحن غير مسموح لنا أن ننطق ضد مضطهدينا.

ترامب والصدق

دعونا، على سبيل المثال، ندرس قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس . انتقد هذا القرار السياسي الكارثي من قبل كل شخصية معقولة في جميع أنحاء العالم ولكنه في الواقع وفر الفرصة للحقيقة لكشف النقاب عن نفسها.

بعد ساعات قليلة من إعلان ترامب المتلفز، أبلغ الرئيس الفلسطيني محمود عباس نائب الرئيس بنس الذي كان في زيارة رسمية في المنطقة أنه شخص غير مرغوب فيه في رام الله، رد فعل الرئيس عباس على تحرك ترامب في القدس كان إعلان أن أمريكا لم تعد قادرة على العمل كمفاوض، بل هي طرف في الصراع، لقد كانت تلك الخطوة التي أطلقها ترامب في القدس هي التي سمحت في نهاية المطاف بأن يسقط كل شيء، لم تتخذ أمريكا فقط جانباً في الصراع، بل قد تكون هي ليس أكثر من مستوطنة " إسرائيلية" أيضاً.

خلال العقدين الأخيرين، أصبحت حركة التضامن الفلسطيني نموذجا للتضامن اليهودي، و نتائج هذا كانت مدمرة، فالمحنة الفلسطينية الأساسية، وهي حق العودة تم إسقاطها خارجيا وحلت محلها المصطلحات الودية "لإسرائيل" مثل "نهاية الاحتلال" و إضفاء الشرعية على وجود الدولة اليهودية قبل عام 1967. وقد أثيرت لدغات صوتية جديدة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي مثل: الأبرتهايد والاستعمار الاستيطاني وحتى المقاطعة. صُممت هذه المصطلحات المضللة لنقل الصورة التي لم يكن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فريداً فيها ، وكان لها سوابق في التاريخ. بالطبع، هذا ببساطة خطأ وتضليل بوعي

حيث تقوم الصهيونية على فكرة مضحكة بأن اليهود لديهم الحق في العودة إلى "وطنهم" بعد 2000 عام، من غيرهم  يجب أن يتمتع بهذا الحق "العالمي"؟ هل يمكن لعازف الدرامز الإيطالي في فرقتي أن يدعي بيتي في لندن حق له لأنه من نسل روماني؟

لكن تحرّك ترامب في القدس ذكر الفلسطينيين بأن إنكار حق العودة هو في صميم سطوعهم. إنه حق العودة الذي يجب أن يناضلوا من أجله ، حق العودة ولا شيء غير ذلك الحق. منذ شهر مارس شهدنا احتجاجات ضخمة من قبل الفلسطينيين على حدود غزة. لقد كلفت هذه الاحتجاجات الكثير من الأرواح الفلسطينية، قتل المئات على يد القناصة وأصيب الآلاف، لكن الحقيقة سادت، لقد حققت المقاومة الحالية للفلسطينيين تأثيراً أكبر من 20 سنة من إضاعة التضامن المخفف "الكوشير" و"إسرائيل" الآن في موقف دفاعي: مقاطعة ثقافياً وروحياً، رئيس الوزراء نتنياهو زار كل عاصمة أوروبية مهمة في الأيام القليلة الماضية متوسلا لدعم حججه ضد إيران و وجد الأبواب مغلقة. ألغى فريق كرة القدم الأرجنتيني زيارته إلى "إسرائيل" و قرأت اليوم في الصحافة الإسرائيلية أن المزيد من البلديات الأسبانية تحظر الأحداث الثقافية الإسرائيلية. هذه التدابير هي رد فعل مباشر على الهمجية "الإسرائيلية" في غزة وخارجها.

 القتل من بعيد

خصص الفيلسوف النمساوي أوتو فايننجر نصه القيّم "الجنس والحرف" إلى تفكيك قاسي للطابع الأنثوي، ثم اختتم عمله باقتراح أن يكون الذكر اليهودي امرأة. قتل فايننجر نفسه بعد فترة وجيزة، وقال انه ربما لا يمكن أن يقف على حقيقة انه هو نفسه كان له طابع مخنث وكذلك يهودي.

الصهيونية، إما عن وعي أو لا شعوري رأت نفسها كمصنع للذكورية وخلقت الحياة "الإسرائيلية" الجديدة - صابرا المأخوذ من نبات الصبار – بحجة أن الشتات لم يتمكن من استيعابهم، كان الوعد الصهيوني هو بناء اليهودي الجديد، ليجعله محاربا من أجل قضيته بخلاف اليهود في الشتات الذين زعمت الصهيونية أنهم استسلموا مثل "الحملان إلى الذبح".

يشير التاريخ "الإسرائيلي" إلى أن هذا المشروع بدا ناجحًا لبعض الوقت، في الأيام الأولى "لإسرائيل" كان الشباب العبرانيين على استعداد للقتال والموت وقد ربحوا في الواقع عددا من الحروب (1948، '56 و'67). ما أدى لنشوء بيئة اسبرطية، وجعل كل منا يتطلع للتضحية بنفسه على المذبح القومي اليهودي. لكن هذا تغير بشكل واضح، الجيش "الإسرائيلي" لم يعد جيشًا رابحًا، ليس فقط لجهة افتقاره إلى انتصارات حاسمة بل يجد نفسه مهزوما في الكثير من الأحيان ينسحب جارا ذيله بين ساقيه.

ما رأيناه على الحدود مع قطاع غزة في الشهرين الأخيرين يكشف عن تلك الملاحظة التي أوردها أوتو فايننغر كان عالما بالغيب حقا مرة أخرى، كشفت الحقيقة عن نفسها بأنها تسطع رغم كل شيء، الجيش "الإسرائيلي" جيش يقتل من بعيد، وهو في الأساس جماعة إجرامية بربرية تهيمن عليها الطبيعة الجبانة لأعضائها.

إن مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين يسيرون إلى أراضيهم ومنازلهم ومدنهم وقراهم هو أمر لا يمكن معالجته بسهولة عسكريا. الجنرالات خائفون بطبيعة الحال من مثل هذه الحوادث لأنها تستتبع عدم القدرة على التنبؤ. من المستحيل التنبؤ بكيفية رد فعل سلاح واحد عندما يحاصره الآلاف من الفلسطينيين الغاضبين الذين يطبقون عليه - هل سيبقى للدفاع عن منصبه أم أنه سيهرب للأمان؟ وماذا عن القوة الجوية، هل يمكننا الاعتماد على طائرة من طراز إف -16 لإسقاط قنبلة نابالم على فلسطينيين غير مسلحين يسيرون نحو تل أبيب؟ على ما يبدو وجد الجنرالات الإسرائيليون ردا على المعضلة المذكورة أعلاه - يقتلون من بعيد.

نشرت "إسرائيل" آلاف القناصة في غزة، ولديهم أوامر بالقتل من بعيد، وهذه قد لا تكون بالضبط صورة الصهيونية المروجة المبكرة “للمقاتل الذي يقاتل وجها لوجه" لكن القناصة ليسوا وحدهم، كما يقوم الطيارون الإسرائيليون بإطلاق الصواريخ على غزة من مسافة بعيدة أثناء الإبحار فوق النقب أو البحر. ويدعم كل من القناصة والطيارين بعشرات الطائرات بدون طيار التي يسيطر عليها الفتيان والفتيات الذين يعملون في أمان وراحة في وحدات مكيفة الهواء.

الحقيقة، كما نعلم، تتعرض للهجوم في الغرب، و لا يتطلب الأمر عبقريًيسمى “اليسارصر التي ترى الحقيقة كتهديد وتسعى إلى قمع البحث عن الحقيقة، والوسائل السياسية التي تم تصميمها لقمع الحقيقة والصدق تعمل علانية ومن منبرا للعلماء والإنسانيين ماذا كيف حدث لليسار؟ هذا هو السهل شرح - في مرحلة معينة اختطفت اليسار البالغ من قبل ما يسمى “اليسار الجديد"- مجموعة تآكل من "الأيديولوجيات" التي تم تصميمها لقمع الحقيقة والصدق.

يتم تسهيل هجوم اليسار الجديد على الحقيقة من خلال وسيلتين. الأولى هي سياسة الهوية  (امرأة- يهودي- مثلي – أسود وما إلى ذلك). وما فعلته سياسة الهوية أنها أبعدتنا عن الأصالة والتفكير الأصيل، بدلا من التفكير في أنفسنا،  وتعليمنا أن نفكر "بشكل جماعي".

تكتيك اليسار الجديد الثاني يسمى "الإصلاح السياسي". ثقافة الكمبيوتر الشخصي هي في الأساس سياسة لا تسمح بمعارضة سياسية. ومن المثير للاهتمام أن هذا هو بالضبط ما يحدد الخطاب الاستبدادي،  حقيقة الأمر هي أن الظروف الاستبدادية خفيفة بالمقارنة مع ثقافة الكمبيوتر الشخصي لأن الكمبيوتر مدفوع بالقمع الذاتي، إنه يثبط قدرتنا على التعبير عن أنفسنا بشكل أصلي، وحتى أكثر خطورة فجهاز الكمبيوتر يمنعنا من التفكير بشكل مستقل.

كل هذا قادني إلى الاستنتاج بأنه في العالم الذي نعيش فيه، نحن جميعاً فلسطينيون، فلسطين ليست مجرد نزاع بعيد، بل هنا في كل مكان حولنا: مثل الفلسطينيين لا نستطيع أن نعلن بوضوح اسم مضطهدينا، و مثل الفلسطينيين، تم اختراق معارضتنا. في بريطانيا، ستعتقلك الشرطة بابك بمجرد أن تغرد أفكارك حول "إسرائيل" ولوبيها.  وكذلك أمريكا تم اختطاف حقيقتنا لكن لم يتم قتلها.

الحقيقة، كما رأينا، هي مفهوم دائم، الحقيقة هي التي تكشف نفسها رغما عن كل الصعاب. وسواء أحببنا ذلك أم لا، فإن الحقيقة سوف تشرق علينا كما أشرقت على غزة وفلسطين في الشهرين الماضيين. ومع ذلك، قد لا تكون الحقيقة في المكان الذي نتوقع العثور عليها فيه.

علمنا أوتو فايننغر أن "تحقيق الذات في الفن هو حقيقة العالم." يقول الفنان، بحسب فايننغر، إنه يصل إلى الحقيقة عن طريق التأمل الذاتي، و محاولة تعميم رؤية فايننغر قد توحي بأن الحقيقة ستحدث لكشف النقاب عن نفسها لأن الحقيقة فينا. الحقيقة ليست ما تكتشفه وأنت تدرس العالم، فهي ليست في الصحافة أو في وسائل الإعلام، على سي إن إن، أو بي بي سي أو غارديان، الحقيقة ليست ما تجده في الأوساط الأكاديمية أو حتى في كتيبات "حركة الحقيقة"،  تكشف الحقيقة نفسها لأن الحقيقة هي التي نجدها في أنفسنا،  يتم العثور على الحقيقة عندما نغلق أعيننا عن الغطاء ونهتم بالجوهر عندما نتعلم كيف نحضر لصوتنا الداخلي وأخلاقنا.

الحقيقة ليست تجربة شخصية مقصور على فئة معينة. على العكس تماماً، إنها نواة الإنسانية التي نشاركها جميعاً. هذا هو ما يجعلنا نتجاوز الانتماء السياسي أو الهوية أو الجنس أو العرق أو الإثنية أو البيولوجيا. كما هو الحال في فلسطين، عاجلاً وليس آجلاً، سوف ندرك أن الحقيقة، الحقيقة التي نتقاسمها، هي الشيء الوحيد الذي يستحق القتال!