على مدار الساعة
أخبار » آراء

"دولة المواطنين" بين التشريع والواقع

14 حزيران / يونيو 2018

في محاولة لإعادة إنتاج شعاره "دولة كل مواطنيها" بلور التجمع الوطني الديمقراطي، من خلال نوابه في القائمة المشتركة، مؤخرا، اقتراح قانون بهذا الخصوص لإدراجه على جدول أعمال الكنيست.

ويهدف القانون إلى "تقنين مبدأ المواطنة المتساوية مع الاعتراف بوجود مجموعتين قوميتين في حدود الدولة"، وأن "الدولة هي دولة لكل مواطنيها والنظام فيها ديمقراطي"، كما يشمل "مبدأ فصل الدين عن الدولة وضمان حرية العبادة لجميع الأديان".

وينص القانون المقترح، أيضا، على أن الحق في المواطنة يقتصر على "من ولد هو أو أحد والديه في البلاد"، وذلك بعكس ما هو القائم اليوم حيث يمنح قانون العودة العنصري هذا الحق لكل يهودي في العالم أينما تواجد، من جهة ثانية يمنح اقتراح القانون حق المواطنة "لمن دخل البلاد أو تواجد فيها بناء على حق يكفله القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة"، في إشارة إلى اللاجئين الفلسطينيين.

قرار رئاسة الكنيست التي بلورت، بموافقة مندوبة كتلة "المعسكر الصهيوني"، رفيطال سويد، بإلغاء مشروع القانون، ومنع إدراجه على جدول الأعمال استنادا إلى بند يخولها بعدم المصادقة على اقتراح قانون ينفي حق إسرائيل في الوجود كـ"دولة الشعب اليهودي"، جاء منسجما مع الحالة السائدة في إسرائيل اليوم، والتي يجري في نطاقها، وبشكل متسارع، إجراء تعديلات ضرورية على نظام الحكم بمنظور اليمين المتطرف الحاكم، مع ما يتطلبه ذلك من إضافة تشريعات وقوانين وتعديل أخرى قائمة، بهدف استيعاب التحولات السياسية المتوقعة وفي مقدمتها فرض القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية أو أجزاء منها، وإحكام السيطرة على مجمل فلسطين التاريخية بعد إسقاط حل الدولتين.

بهذا المفهوم، فإن مشروع "دولة كل مواطنيها" الذي كان محتملا وقابلا للأخذ والرد من قبل المجتمع الاسرائيلي في ظروف الانفراج السياسي التي أعقبت توقيع اتفاق أوسلو وما كان ينتظر بفعله من انفصال سياسي بين إسرائيل والفلسطينيين، بات غير محتمل في ظروف الضم الزاحف للضفة الغربية بما تحويه من ثلاثة ملايين فلسطيني قد يتم إضافتهم إلى المليون ونصف المليون فلسطيني الذين يعيشون في الداخل، سيصبح في إطارها مجرد التفكير بتحويل إسرائيل إلى "دولة لكل مواطنيها" ضربا من ضروب الانتحار السياسي لمفهوم "الدولة اليهودية".

وكلنا يعرف أن إسرائيل التي تدبرت وضعها مع الأقلية الفلسطينية، التي بقيت في وطنها بعد عام 1948، بحكم الأمر الواقع النابع من سطوة الأغلبية اليهودية التي خلقتها النكبة، ما كانت لتلجأ إلى قوانين وتشريعات تفرقة عنصرية لو لم تكن تلك القوانين تخدم حاجة سياسية بحجم تستحق تلك "التضحية"، تتمثل ببسط السيادة الإسرائيلية على "ارض إسرائيل الكاملة"، وتهيئة الأرضية القانونية والتشريعية للتعامل مع خمسة ملايين فلسطيني، سيقعون داخل حدودها الرسمية.

من الطبيعي والحال كذلك أن حقوق المليون ونصف المليون فلسطيني الموجودين اليوم داخل حدود إسرائيل ستتأثر أو تتقهقر، وهو ما ظهرت نذره في "قانون القومية" الذي سيشكل، كما يبدو، الأساس التشريعي لنظام الأبرتهايد القادم، بعد تأكيده أن تفضيل اليهود ينبع من كون الدولة هي تعبير عن حقهم في تقرير المصير كشعب، وهو تفضيل ينسحب على جميع يهود العالم أينما وجدوا، بحسب القوانين الإسرائيلية.

ويمكن تلخيص التحول الجاري في إسرائيل، بالانتقال من فرض تفضيل اليهود بسطوة الأغلبية العددية، الذي كان سائدا حتى الآن والذي ترافق مع الامتناع عن تحصين حقوق الأقلية دستوريا، الى تثبيت هذا التفضيل بالقوانين والتشريعات، وهو ما سيجعل هذا التفضيل حالة مطلقة غير خاضعة لتقلبات الميزان الديمغرافي.

واذا كان المؤرخون والمحللون قد شخصوا الفرق بين الحالة الكولونيالية في جنوب أفريقيا وبين الحالة الكولونيالية في فلسطين، بكون الأولى اعتمدت الأبرتهايد كوسيلة لفرض حكم الاٌقلية وتسييدها على الأغلبية، بينما اعتمدت الثانية "التطهير العرقي" الذي حول الأكثرية الى أقلية يسهل حكمها "ديمقراطيا"، فان إسرائيل تلجأ اليوم مرة أخرى لنظام الأبرتهايد بعد ان فشلت خلال حرب 67 وبعدها في تنفيذ سياسة التطهير العرقي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة مثلما فعلت في مناطق 48، وهي بذلك ربما تكون أول حالة في التاريخ تجمع ما بين "التطهير العرقي" و"الأبرتهايد".

ولموضوع القانون العيني، فان التشريعات العنصرية الإسرائيلية الأخيرة هي شكل من أشكال مواجهة الدولة "ثنائية القومية" أو "دولة كل مواطنيها" التي يفرضها الأمر الواقع، الذي تساهم إسرائيل ذاتها في خلقه، وهو أمر واقع سينتصر نهاية على كافة قوانين وأنظمة الفصل العنصري.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

سليمان أبو إرشيد

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر