Menu
حضارة

جرحى مسيرات العودة.. بين كوابيس البتر وموسمية الاهتمام

8271bafc-7521-4743-b885-eeb4d49f966c

غزة _ خاص بوابة الهدف _ بيسان الشرافي

لا يعرُف وجَع الإصابة سوى من تفجّرت قدمه أمام عينيْه، ونزَف حتى اجتاحت جسده القشعريرةُ. لا يُدرك حجمَ الألمِ سوى من تورّمَت أعضاؤه من كثرة العمليّات الجراحيّة ومُضاعفاتها، وحرمته شدّة الوجع من خطفِ سويعاتٍ للنوم.

جرحى مسيرات العودة، الراقدون على أسرّة العلاج في مُجمع الشفاء الطبّي، وبعد أن انقضى شهر رمضان ثقيلاً على قلوبهم قبل جراحهم، يأتي العيد أثقل وأقسى.

الفتى أحمد أبو سيدو (17 عامًا)، أصيب في ساقه اليسرى بالرصاص المتفجّر، صباح يوم 14 مايو، لم يُردّ سوى بدموعه، حينما سألته مُراسلة "بوابة الهدف" عن حالِه.

أبو سيدو، الذي لم يتمكّن من تقديم "التوجيهي" بسبب إصابته، وكان من المفترض أن يسافر لاستكمال علاجه في مستشفيات الأردن لولا إرجاعه لعدم امتلاكه جواز سفر. يقضي نهاره في تلقّي جرعات الأدوية، وليله في الصراخ من شدّة الألم. تقول والدته ميرفت (٣٧ عامًا) إنّ نجلها يستيقظ كل يوم على كابوسٍ يرى فيه قدمه مبتورةً.

"لا أريد رؤية أحد" وبضع كلماتٍ أخرى لم يقل أحمد غيرهن، وترك قسمات وجهه تُخبِر بالبقيّة.

والدُ أحمد، يقطن حيّ التفاح شمال شرق مدينة غزّة، ولديه من الأبناء أربعة، اضطّر لبيع هاتفه المحمول وبضع أغراضٍ من المنزل كي يُوفّر أجرةَ الطريق لزوجته. فيما يقطع هو المسافة مشيًا على قدميه. وكلاهما يمكثان إلى جانب الابن الجريح طوال النهار. قال الأب "أيُّ عيد هذا.. لا يُوجد عيدٌ هنا".

الأمّ ميرفت قضت أيام رمضان التي مضت بين المُستشفى حيث يُكابد طفلها أحمد جراحَه، والمنزل حيث ينتظرها بقية أطفالها، أصغرهم ٩ سنوات، قالت "يسألوني أولادي عن العيد وثياب العيد، ماذا أقول لهم، ليس بيدنا حيلة" وتابعت "آتي للمشفى من الساعة السابعة صباحًا وهُم نيام.. وأعود للبيت الساعة الحادية عشرة، لأجدهم أيضًا نيام. لم أجلس مع أولادي منذ 30 يومًا".

الشكوى ذاتها، كانت أقسى ما يُعانيه الجريح محمد ماضي (35 عامًا) من حيّ الزيتون، شرق مدينة غزّة، والذي أصيب بعيار ناري متفجر في قدمه أعلى الفخذ، بتاريخ 20 ابريل الماضي.

"أتمنى أن أعود للبيت لأرى أطفالي وأحتضنهم. أنا في المستشفى منذ نحو شهرين، ولا أعلم متى سأغادرها" قال المصاب ماضي، لمراسلة " بوابة الهدف"، وهو أبٌ لطفلين. وأضاف بنبرة خنقتها الحسرة "ابنتي بعمر الخامسة.. اشتقت لها".

واشتكى ماضي من عدم متابعة اللجنة الوطنية لمسيرة العودة لحاله وبقية المصابين في مجمع الشفا، أو تفقد احتياجاتهم وذويهم. "نحن نعاني الأمرين: مرارة الإصابة، ومرارة مكوثنا هنا وحيدين، فلا نرى أحدًا من قيادات اللجنة ولا الفصائل. يسأل عن حالنا، يتفقد أهلنا وأطفالنا".

قناصة الاحتلال أطلقت الرصاص على الشاب ماضي بينما كان يتوسط الجماهير الفلسطينية المشاركة في فعاليات مسيرة العدوة شرق مدينة غزة. قال "ذهبت كمئات المواطنين للمشاركة في مسيرة العودة، لم أفعل شيء، لكن الجنود أطلقوا علي النار".

وأكدت لجان حقوقية عدة، محلية ودولية، استهداف جيش الاحتلال لمتظاهري المسيرات السلمية شرق القطاع، بمختلف أنواع الرصاص -أخطرها المتفجر- بقصد القتل أو إحداث الإعاقات في صفوف الفلسطينيين.

وأصيب منذ بدء مسيرات العودة في غزة أكثر من 14 ألف جريح، إصابات غالبيتهم كانت في الأطراف السفلية. واضطرت الطواقم الطبية لبتر أطراف عدد من الجرحى جراء فداحة الإصابة وتسببها بنزيف لدى الجريح أو مضاعفات حادة.

عمار أبو سمرة وهو حكيم القسم الذي تواجد فيه المصابان الفتى أبو سيدو والشاب ماضي، قال لمراسلة "بوابة الهدف" إن الوضع الصحي لكليهما مستقر لكن لا يزالان بحاجة لعمليات جراحية أخرى. أما الوضع النفسي قال فهو أصعب، قال الحكيم "ما ننفك نشهد مشكلات هنا، فالجرحى (يتفششون) ويصبّون غضبهم علينا، فحالتهم النفسية صعبة جراء الإصابة وطول فترة مكوثهم لدينا".

الحكيم أضاف "في بدايات أحداث مسيرة العودة كانت تأتي الوفود الشبابية والنقابية لزيارة الجرحى، وهذا كان يُهوّن عليهم. لكن الآن لا أحد يأتي. ولهذا وقعه السلبي على المصابين، خاصة في مناسبات كرمضان والعيد."

يفاقم معاناة جرحى مسيرات العودة العجز الحاد الذي يعانيه القطاع الصحي في غزة، والذي طال أصناف دوائية ومستلزمات طبية ضرورية جدًا، خاصة لحالات الأوعية الدموية، وهي أصناف غالية الثمن لو اضطر المرضى لشرائها من خارج المشفى.