Menu
حضارة

العيد الأول لعائلات شهداء مسيرة العودة.. فصلٌ جديدٌ من الحكاية

الشهيد فادي أبو صلاح يتوسط أبناءه في مخيمات العودة قبل استشهاده - أرشيف

غزة _ خاص بوابة الهدف _ هدى بارود

" بدنا يا جَدّة نروح نزور بابا" عبارة رددها ياسر وزياد (8 سنوات) أبناء الشهيد فادي أبو صلاح على مسامع جدتهم انتصار أبو سلمي حتى بكت، فكيفَ يعتبر صغاراً كهؤلاء القبرَ منزلاً جديداً لأبوهم الشهيد ويصرون على زيارته مراراً وتكراراً، وهل يفهم الصغيرين حقاً أن الموتَ لا عودةَ منه!.. سألت الجدة نفسها وهي تطمأن الأطفال "إن شاء الله يا جِدّة رح تزوروه على العيد".

ابتهجَ ياسر وأمسكَ بيد شقيقه التوأم زياد وقالَ له "بدنا أبويا يشوفنا لابسين جديد، هديك الأواعي اللي جابلنا إياهم عمو قبل يومين"، في إشارة منه إلى الملابس التي تبرعَ بها أحد المحسنين لأبناء الشهيد قبلَ العيد للتخفيف عنهم حُزنَ فَقدِ والدهم وإسعادهم.

"قهوة سادة"

هذا المشهد الذي نقلته أم فادي لـ"بوابة الهدف" بلا تكلفٍ، جرَّى دموعها، فتابعت " فادي كان طيب وحنون قد الدنيا كلها، الله يرحمه كنت أقضي العيد في بيته، وأول ما يصحى على صلاة العيد يجي يبوس ايدي وراسي ويحكيلي كل عام وأنتِ بخير يا بركتنا".

ربت انتصار فادي وأشقائه بعدَ طلاقها، وحدها دونَ عونٍ من أحد، وحتى زوجت بكرها فادي بعدَ بتر قدميه بعامين كانت تمارس معهم طقوساً للعيد تقليدية، إذ تستيقظ العائلة باكراً لصلاة العيد، ثم يخرج شباب العائلة لزيارة أرحامهم وأقاربهم، وتبقى هي في المنزل لاستقبال الضيوف.. "غيرَ أن هذه العادات تغيرت"، قالت أم فادي بصوتٍ واهنٍ ضعيف، مضيفة " في هذا العيد لن نصنعَ الكعك، ستتزين طاولتنا الصغيرة بالقهوة السادة فقط دونَ الحلوى، وستكون زيارة أبنائي وأحفادي الأولى لفادي، سنزوره جميعاً ونقول له تقبلَ الله صيامك وكل عام وأنت بخير، ثُمَ نعود لاستقبال الأقارب والجيران والأحباب في منزله، وبينَ أبنائه".

هذا الطقس الجديد هو ذاته التي ستمارسه عائلة الشهيد محمد أيوب (13 عام)، فمحمد الذي استشهدَ برصاصةٍ في الرأس ستزوره عائلته في الساعات الأولى من أول أيام العيد، قبلَ أن يتحضرَ رجال العائلة بما فيهم أبوه وأعمامه وأشقائه لاستقبال المُعزينَ فيه.

يقول والده إبراهيم أيوب لـ"بوابة الهدف" : سيمضي العيد على الناس جميعاً وعند عائلتنا توقفَ الزمن إلى ذلك اليوم الذي غادرنا فيه محمد، الفرح لا بهجةَ له غيرَ أن الأيام تمضي، صحيح أنني لازلت  أنادي على محمد كأنه لم يغادرنا، وأراه أحيانا يدخل غرفته سريعاً أو يغادر المنزل، إلا أن أمرَّ رحيله واقعاً لا فرار منه".

حضرَ الشهيد محمد ملابسَ العيد منذ أيام رمضان الأولى، حيثُ صرحَ لوالدته بأنه سيترك الملابس التي اشتراها لحفل زفاف أحد أبناء عمومته للعيد، إذ أنه يدرك أن والده لن يتمكنَ من شراء ملابس جديدة له.

قال أبوه " تصدقت بملابس محمد الذي جهزها للعيد، وكذلك بنصيبه من العيدية، هذا ما سينفع حبيبي أكثرَ من بقاء الملابس في خزانته، رحمه الله كانَ له ذوقه الراقي في اخيار الملابس، كانَ ينتظر أن يأتي العيد ليزورَ أقاربه معي كالعادة، كانَ كل عيد يشتري ألعاباً بجزءٍ كبير من عيديته، هذا العيد سنفتقد عطره وألعابه، وضحكاته، تقلبه الله وهونَّ عليَّ ووالدته وأشقائه غيابه".

"كعك وٍصال"

 لم تحضر عائلتي الشهيدين فادي أبو صلاح ومحمد أيوب الكعكَ هذا العيد، غيرَ أن والده الشهيدة وصال الشيخ خليل (15 عامًا) فعلت، فالأم التي تُلحُ عليها ابنتها كل عامٍ لخبز كعك العيد نذرت أن لا تقطعَ العادة من منزلها كأن وصال التي كانت أول شهيدة في مسيرة العودة لم ترحل بعد.

قالت ريم أبو عرمانة والدة وصال  لـ"بوابة الهدف" : حبيبتي كانت كل عامٍ تطلب ملابس العيد قبلَ نهاية رمضان، وفي آخر أسبوعٍ من الشهر تطلبُ الكعك، كانت تُحب إعداده، تكُور العجوة أحياناً أو تلفُ الكعك وتنتظر أن تكبر قليلاً لأعلمها كيفَ تخبزه، كانَت طقوس العيد تبدأ عندها منذ الأسبوع الأخير في الشهر الكريم.

" جهزت كعك العيد كالعادة، فأنا لا أريد أن ينقطعَ من بيتنا ما أحبته وصال، ووزعته عن روحها، وأعطيت ابنة خالها ملابسها حتى أراهم عليها في العيد، وسأزورها كذلك، سأخبرها أنني اشتقت لها وأن مكانها محفوظ في المنزل وفي قلوبنا جميعاً".

محمد شقيق وصال الصغير والذي رآها مضرجة بمدها بعدَ قنصها بالرأس، تقول والدته أنها اشترت له ملابساً جديدة وستحاول أن تدفعه للذهاب للمراجيح حتى يخرجَ من حالة الحزن التي يعيشها منذ استشهاد شقيقته.

هذا الدفع باتجاه الحياة مارسه بهجت عبد النبي والد الشهيد عبد الفتاح (18 عامًا)، إذ أصرَّ أن يتجهز أبنائه لاستقبال العيد كأن عبد الفتاح الشهيدَ بينهم، " الحزن في القلب، وعبد الفتاح لن يعود لو رضخنا للحزن الألم، يجب أن يواصل أشقائه الحياة، وهذه حال الدنيا، لن أنسى ابني ما حييت وأنا متأكد بأنه لن ينساني كذلك".

زيارة قبور الشهداء، واستقبال المُعزين، طقوسٌ جديدة في العيد الأول بعدَ رحيل الشهداء، تمارسه عائلاتهم المكلومة بالفقد، غيرَ أن قطرَ الحياة لا يعود للخلف، يمضي بالأحياء ويترك الشهداء في الماضي غير أنه يحمل الذكريات أمتعةً تكتنزُ حنيناً، وهل يملك الأحياء عن الراحلينَ أكثرَ من الذكرى!!