Menu
حضارة

مقتطفات من كتاب: التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها

خـالد جمعـة

بقلم خالد جمعة

يعد كتاب "التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها"، من أعمق وأهم الكتب التي تناولت نصوص التوراة اليهودية، وهو كتاب على قدر أهميته، أثار جدلاً كبيراً ليس فقط داخل إسرائيل ومعتنقي الديانة اليهودية، بل في معظم أنحاء العالم، إذ أن المسيحيين يعتبرون الجزء الأول من الكتاب المقدس "التوراة"، لا ينفصل عن الإنجيل الذي يشكل القسم الثاني من الكتاب، بدليل أنهما يطبعان في كتاب واحد، ولكن الأهمية تأتي أيضاً من المؤلفين اللذين كتبا هذا الكتاب، فأن تأتي شهادات من هذا النوع من كاتبين أحدهما إسرائيلي والآخر أمريكي، فهي دلالة موضوعية من باب "شهد شاهد من أهلها"، غير ما يعنيه ذلك من معرفتهما الموضوعية بعلم الآثار وعلم التوراة بحكم تخصصاتهما.

والأهمية الثانية للكتاب، تتجلى في أنه يذهب إلى نقاش نصوص التوراة بناء على المكتشفات الأركيولوجية، وعلم الأركيولوجيا هو الذي يتعلق بالمكتشفات الأثرية الناتجة عن التنقيبات في باطن الأرض، وبالتالي فدلائله في غالبيتها تثبت أو تنفي حدثاً تاريخياً بشكل شبه قاطع، لأنها لا تعتمد على رأي في العادة، بل تعتمد على اكتشاف محدد، في العادة يكون مرفقاً برقاع أو مسلات تحتوي نصوصاً محددة.

العنوان الطويل الذي حمله الكتاب هو "التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها، رؤية جديدة لإسرائيل القديمة وأصول نصوصها المقدسة على ضوء اكتشافات علم الآثار"، وقد ألف الكتاب كل من "إسرائيل فنكلشتاين" المعروف كعالم آثار على مستوى العالم، وهو بروفيسور ورئيس قسم علم الآثار في جامعة تل أبيب، و"ليل أشير سيلبرمان" المؤرخ والباحث الأمريكي، وهما صاحبا خبرة طويلة في التنقيبات الأثارية وعلم الآثار.

يقع الكتاب في 440 صفحة، وقام بنقله إلى العربية وقدم له سعد رستم، وقد صدرت نسخته العربية عام 2005 عن دار الأوائل للنشر والتوزيع في سوريا.

إضاءة لفهم المقتطفات:

منذ بداية تشكل الوعي اليهودي، اعتمد اليهود، والمسيحيون بشكل أقل، على الكتاب المقدس كوثيقة تاريخية وأركيولوجية، صحيحة بشكل مطلق، وعندما كانت الحفريات تتم، لم تكن الاستنتاجات تخرج من المكتشفات، بل كان المستكشفون يحاولون بكل الطرق أن يجدوا في هذه المكتشفات ما يؤكد صحة ما جاء في التوراة.

ولكن، وبعد أن جاء مؤرخون جدد، يعتمدون على الدلائل والإشارات الحسية المباشرة، بدأت قصص التوراة تتداعى، وتم اكتشاف ثغرات هائلة بين الواقع الأثري المكتشف، وبين النصوص التوراتية.

يحاول المؤلفان في هذا الكتاب أن يقولا ما سكت عنه المؤرخون والآثاريون الإسرائيليون والأجانب طوال عقود طويلة، عبر الاعتماد على الاكتشافات المباشرة، فعلى سبيل المثال، يثبت الكتاب بأن مملكة داود وسليمان التي تغنى بها الكتاب المقدس، لم تكن سوى قرية صغيرة مهملة لم تترك وراءها حتى قطعة فخار واحدة يستدل منها على أي نوع من أنواع العظمة المذكورة بتوسع هائل في التوراة.

ببساطة، يذهب المؤلفان عبر إثباتات واقعية، إلى أن التوراة كتبت بعد موسى بستمائة سنة على الأقل "بداية من القرن الثامن ق.م، في حين أن الوجود المفترض لموسى هو القرن الرابع عشر ق.م، وأن من كتبها هم أهل يهوذا، المملكة الجنوبية المهملة التي كانت تجاور مملكة إسرائيل الشمالية التي احتلتها آشور وشردت سكانها، لأن التوراة بمجملها تمجد المملكة الجنوبية وتحاول النيل أخلاقياً ودينياً من المملكة الشمالية، فقد توزع شعب إسرائيل إلى مملكتين في الجنوب والشمال نتيجة لأسباب طبيعية وليس لأسباب خلافية كما تذكر التوراة، بل يثبت الكتاب بأن المملكتين لم تكونا متحدتين ذات يوم.

وبينما تعزو التوراة بقاء يهوذا ودمار إسرائيل إلى تمسك يهوذا بالتعاليم الدينية، وتخلي إسرائيل عنها، يثبت الكاتبان أن السبب كان وراء ذلك لم يكن دينياً على الإطلاق، بل إن السبب الحقيقي أن إسرائيل دمرها الآشوريون لأنها كانت تتمتع بالمال والثروة، ليستفيدوا منها، بينما كانت يهوذا مهملة وفقيرة، ولا تستحق الاحتلال، لذا فقد دمرت آشور القرى المحيطة بيهوذا، وفرضت الجزية على حاكمها، ولذا بقيت يهوذا قائمة لوقت أطول من إسرائيل.

في نهاية هذه الإضاءة، وجب التنويه إلى أن هذه المقتطفات، لا تغني عن قراءة الكتاب.

جاء في مقدمة المترجم:

وكانت النتائج التي توصل إليها المؤلفان العلمانيان في هذا الكتاب طعنة في صميم المعتقدات اليهودية التقليدية، وتحطيماً للرموز التقليدية لليهود، حيث استخدم الباحثان نتائج الأبحاث الآثارية الأخيرة لتقديم صورة جديدة بشكل مثير ومحطم لكل الأفكار المشهورة المعروفة حول إسرائيل القديمة وجيرانها.

وجاء في تمهيد المؤلفين:

خلال بضعة عقود استثنائية من التخمر الروحي والهيجان السياسي نحو نهاية القرن السابع قبل الميلاد، قام في مملكة يهوذا تحالف، غير مؤكد، من القضاة، والكتاب، والكهنة، والفلاحين، وجاء الأنبياء معهم، لينشئوا حركة جديدة، كان في لب تلك الحركة، ذلك الكتاب المقدس الذي تضمن عبقرية أدبية وروحية فذة، كانت روايته قصة ملحمية نسجت من مجموعة غنية، بشكل مدهش، من الكتابات التاريخية، والمذكرات، والأساطير، والقصص الشعبية، والحكايات، والدعايات الملكية، والنبوءات، والشعر القديم، خضعت تلك القطعة الأدبية النادرة ـ التي تكون جزء منها من نصوص ومصادر أصلية حقيقية، والجزء الآخر كان تأليفاً جديداً ـ خضعت من جديد لعمليات تنقيح وتحرير وتفصيل أخرى، لتصبح مرتكزاً روحياً ليس لأحفاد وذرية أهالي يهوذا فحسب، ولكن لمجتمعات وجاليات متناثرة في جميع أنحاء العالم.

كم هو غريب على اليهود التصور بأن أورشليم برزت إلى مركز الوعي الإسرائيلي فجأة في زمن متأخر فقط، والسبب في غرابة هذا التصور هو أنه يصدم ذلك التصور الشائع الذي استطاعت أسفار الكتاب المقدس بقوة تأثيرها القصصية الخاصة، أن تقنع به العالم من أن أورشليم مثلت ـ دائماً ـ مقاماً مركزياً لتجربة جميع الإسرائيليين، وأن ذرية ونسل داود كانوا مباركين دائماً بقداسة خاصة، بدلا من واقع الأمر، وهو أنهم كانوا مجرد واحدة من العشائر الأرستقراطية التي حاربت لأجل البقاء في الحكم، على الرغم من النزاعات الداخلية الأهلية، والتهديدات التي لم يسبق لها مثيل من الخارج.

يسعى هذا الكتاب لرواية قصة إسرائيل القديمة، وولادة كتبها المقدسة من منظور آثاري جديد، هدفنا هو محاولة فصل التاريخ الواقعي عن الأسطورة، من خلال الأدلة التي أثبتتها الاكتشافات الأخيرة، سنبني تاريخاً جديداً لإسرائيل القديمة، ستلعب فيه بعض أشهر الأحداث والشخصيات المذكورة في مسرحية الكتاب المقدس العبري أدواراً مختلفة، بنحو يفاجئ الكثيرين.

واستخدمت طرق تنقيب حديثة، وتشكيلة واسعة من الفحوص والاختبارات المخبرية، لتحليل تاريخ وحضارة الإسرائيليين القدماء، وحضارة جيرانهم الفلسطينيين، والفينيقيين، والأراميين، والعمونيين، والمؤابيين، والفدوميتيين، وتم في عدد من الحالات، اكتشاف أختام وتواقيع، ونقوش، يمكن أن ترتبط بأفراد ذكروا في النص التوراتي بنحو مباشر، ولكن هذا لا يعني أن علم الآثار أثبت صحة القصة التوراتية بكل تفاصيلها، بل على العكس، أصبح واضحاً الآن، أن العديد من أحداث التاريخ التوراتي لم تحدث لا في المكان، ولا بالطريقة والأوصاف التي رويت في الكتاب المقدس العبري، بل بعض أشهر الحوادث في الكتاب المقدس العبري لم تحدث مطلقاً أصلاً.

مقتطفات من متن الكتاب:

________________

** منذ عودة بعض المنفيين إلى أورشليم، وإعادة بنائهم الهيكل، لم تعد أبداً مملكة إسرائيل إلى الوجود، بل أصبح بنو إسرائيل مجرد جالية، أو جماعة دينية فحسب، توجهها شريعتها المقدسة، وتكرس نفسها للعمل الدقيق بالطقوس المبينة في نصوصها المقدسة.

** أبرزت الحجج القوية للعقل والمنطق عند تطبيقها على نصوص الكتب المقدسة، تساؤلات مثيرة ومزعجة حول الثقة التاريخية للكتاب المقدس العبري.

** مع نهاية القرن الثامن عشر، وبدرجة أكبر في القرن التاسع عشر، بدأ العديد من العلماء الناقدين المختصين بالكتاب المقدس يشكون في أن يكون لموسى أي يد على الإطلاق في كتابة أسفار التوراة، واتجه عديد منهم إلى الاعتقاد بأن التوراة كانت حصراً من عمل كتاب تالين.

** لقد أصبح الكل يجمع على أن الأسفار الخمسة ليست تأليفاً فردياً واحداً، بل تجميع وترقيع لمصادر مختلفة، كل منها كتب تحت ظروف تاريخية مختلفة، لإبداء وجهة نظر دينية، أو سياسية مختلفة.

** إذا كانت بعض المواقع الرئيسية للتاريخ التوراتي لم تُنس أبداً، وبقيت نفسها إلى يومنا هذا، مثل أورشليم، وحبرون، ويافا، وبيت شان، وغزة، فإن مئات الأماكن الأخرى التي ذكرت في الكتاب المقدس العبري بقيت مجهولة.

** إن تحليل الشواهد الأثرية يبين أنه لا يوجد أي دليل ـ مطلقاً ـ على وجود معرفة للقراءة والكتابة، أو أي خواص أخرى من خواص الدولة الكاملة في مملكة يهوذا، وبشكل خاص، في أورشليم، حتى نهاية القرن الثامن قبل الميلاد.

** إن ذكر الجِمال والسلع العربية والفلسطينيين ومدينة جرار، بالإضافة للأماكن والأمم الأخرى التي ورد ذكرها ضمن قصص الآباء في سفر التكوين، تعطي مغزى ودلالة هامين جداً، إنها تشير إلى أن زمن تأليف تلك القصص إنما يقع في زمن متأخر بعدة قرون عن الزمن الذي تحدد التوراة عيش الآباء فيه، هذه المؤشرات وغيرها من المفارقات التاريخية، تقترح أن الفترة الزمنية المركزية لتدوين قصص الآباء، إنما تقع في القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد.

** هل يمكننا أن نثبت آثارياً أن حادثة الخروج الجماعي ـ كما تصفها التوراة ـ حدثت من الأصل أساساً؟

** لا يوجد أي ذكر لاسم إسرائيل في أي من النقوش أو الوثائق المرتبطة بفترة الهكسوس، ولا ذكر لإسرائيل في النقوش المصرية التالية، ولا في الأرشيف المسماري الذي يعود للقرن الرابع عشر قبل الميلاد، والذي تم اكتشافه في تل العمارنة في مصر، والذي تصف حوالي 400 رسالة فيه ـ بالتفصيل ـ الظروف السكانية والسياسية والاجتماعية في كنعان في ذلك الوقت، بدأ ظهور الإسرائيليين بشكل تدريجي، كمجموعة متميزة في كنعان في نهاية القرن الثالث عشر قبل الميلاد فقط، وليس هناك أي دليل آثاري مقبول يثبت حضور الإسرائيليين في مصر مباشرة قبل ذلك الوقت.

** كانت الحدود بين كنعان ومصر مراقبة عن كثب، إذا عبرت جماعة عظيمة من الإسرائيليين الفارين من خلال تحصينات حدود النظام الفرعوني تلك، فلا بد أن يكون هناك توثيق وتسجيل لمثل هذا الحدث الخطير، ولكن، ليس هناك في أي من المصادر المصرية الوفيرة التي تصف زمن المملكة الجديدة عموماً أو القرن الثالث عشر قبل الميلاد بشكل خاص أي إشارة إلى الإسرائيليين، وليس حتى مجرد كلمة واحدة.

** ليس لدينا أي فكرة، ولا حتى كلمة واحدة، حول الإسرائيليين الأوائل في مصر، لا في النقوش التذكارية على حيطان المعابد، ولا في نقوش القبور، ولا في أوراق البردى، إسرائيل غائبة، سواء كخصم محتمل لمصر، أو كصديق، أو كأمة مستعبدة، وببساطة، لا توجد هناك أي اكتشافات في مصر يمكن ربطها بفكرة مجموعة عرقية أجنبية متميزة كما يفهم ضمنياً من القصة التوراتية التي تتكلم عن بني إسرائيل.

** إن الاستطلاعات الآثارية المتكررة في كل مناطق شبه الجزيرة، بما في ذلك المنطقة الجبلية حول الموقع التقليدي لجبل سيناء قرب دير القديسة كاثرين، لم تؤد إلا إلى نتيجة سلبية فحسب، فليس هناك حتى شقفة فخارية وحيدة، ولا بناء، ولا بيت واحد، ولا أثر لمعسكر قديم.

** إن الاستنتاج، بأن الخروج الجماعي لم يحدث، لا في الوقت، ولا حسب الطريقة التي تذكرها التوراة، يبدو غير قابل للدحض.

** كل التنقيبات والاستطلاعات الأثرية المتكررة، لحد الآن، في كافة أنحاء المنطقة، لم تفلح في تزويدنا حتى بدليل واحد لنشاط حياتي في العصر البرونزي المتأخر، فلم يتم اكتشاف حتى مجرد شقفة فخارية وحيدة تركتها وراءها جماعة صغيرة جداً من اللاجئين الخائفين الهاربين.

** إن علم الآثار يبين لنا أنه لم يكن هناك ملوك لأدوم يمكن للإسرائيليين أن يلتقوا بهم أو يجتمعوا معهم.

**يتضمن الغموض التاريخي لقصة الخروج الجماعي حقيقة أنه لا توجد أي إشارة بالاسم لأي ملك معين للمملكة المصرية الجديدة، بينما تذكر مواد توراتية لاحقة الفراعنة بأسمائهم.

** إن قصة الخروج الجماعي أخذت شكلها النهائي في عهد السلالة السادسة والعشرين، أي في النصف الثاني من القرن السابع والنصف الأول من القرن الثامن قبل الميلاد، تبين العديد من الإشارات المذكورة في تلك القصة التوراتية، والتي تتحدث عن أماكن وأحداث معينة لم توجد إلا في تلك الفترة الزمنية، تبين تماماً، وبشكل واضح، أن مؤلفيها أقحموا العديد من التفاصيل المعاصرة في تلك القصة.

** ليست قصة خروج بني إسرائيل بشكل جماعي من مصر حقيقة تاريخية، ولا هي خيال قصصي محض، إنها تعبير قوي عن الذاكرة، وعن الأمل، ولدا في عالم يعيش وسط تغيرات مهمة.

** كيف أمكن لجيش ممزق، يرحل مع نساء وأطفال وشيوخ، قد قدم بعد عقود من التيه في الصحراء، أن يرتقي لإمكانية القيام بغزو فعال؟ كيف أمكن لمثل هذا الرعاع الفوضوي غير المنظم أن يتغلب على القلاع العظيمة لكنعان وجيوشها المحترفة وفيالق عرباتها المدربة جيداً؟

** إن رسائل تل العمارنة كشفت أن كنعان كانت مقاطعة مصرية، واقعة مباشرة تحت سيطرة الإدارة المصرية، وكانت العاصمة الإقليمية تقع في غزة

** لم تكن المدن الكنعانية الرائعة، التي تصفها قصص الغزو الإسرائيلي لكنعان في الكتاب المقدس ـ محمية ـ بأية تحصينات دفاعية، وكان السبب على ما يبدو هو أنه طالما كانت مصر هي التي تأخذ على عاتقها بشكل صارم مهمة الحفاظ على أمن جميع المقاطعة، لذلك لم تكن هناك حاجة للأسوار الدفاعية الهائلة.

** تبدو عديد من الإشارات الأخرى، سواء الأدبية أو الأثرية، مشيرة إلى أنه في القرن الثالث عشر قبل الميلاد كانت قبضة مصر على كنعان أقوى بكثير من أي وقت مضى.

** كان الطريق العسكري في شمال سيناء محميا بواسطة سلسلة من الحصون المجهزة بمصادر الماء العذب، بعد عبوره الصحراء، كان الجيش المصري قادراً على أن يدحر بسهولة أي قوات ثائرة، ويفرض إرادته على السكان المحليين.

** كشف علم الآثار عن أدلة مثيرة تبين مدى الحضور المصري في كنعان نفسها، في العشرينات من القرن الماضي، تم اكتشاف معقل مصري أثناء التنقيب في موقع "بيت شان"، إلى جنوب بحر الجليل، احتوت أبنيته المختلفة وفناءاته على تماثيل وأنصاب كتب عليها بالهيروغلوفية، تعود لعهد الفراعنة "سيتي الأول 1294ـ 1279 ق.م"، "رعمسيس الثاني 1279ـ 1213 ق.م"، و"رعمسيس الثالث 1184ـ 1153 ق.م"، بل كشفت المدينة الكنعانية القديمة مجدو عن دليل على حضور مصري قوي حتى في فترة متأخرة كأيام رعمسيس السادس، الذي حكم نحو نهاية القرن الثاني عشر ق.م، أي بعد فترة طويلة من غزو الإسرائيليين المفترض لكنعان.

** في حالة أريحا، ما كان هناك أثر لأي مستوطنة من أي نوع في القرن 13 ق.م، وكانت المستوطنة الأقدم، والتي تعود للعصر البرونزي المتأخر، أي القرن الرابع عشر ق.م، مستوطنة صغيرة وفقيرة، وتافهة تقريباً، وغير محصنة، لم يكن هناك أيضاً أي علامة تدل على حدوث عملية تدمير، لذا، فإن المشهد المشهور للقوات الإسرائيلية التي زحفت حول البلدة وأحاطت بها، يتقدمها تابوت العهد، ثم إحداث انهيار لأسوار أريحا الهائلة بواسطة نفخ أبواق الحرب الإسرائيليين، لم يكن ببساطة سوى سراب رومانسي.

** بين عامي 1933 و1935، قام عالم الآثار الفلسطيني اليهودي الذي تدرب في فرنسا، جوديث ماركت كروز، بتنفيذ أعمال تنقيب واسعة النطاق، ووجد بقايا كثيرة جداً لمدينة كبيرة وضخمة من العصر البرونزي المبكر، أرخ تاريخها بنحو ألف سنة قبل انهيار كنعان في العصر البرونزي المتأخر.

** لم يتم اكتشاف حتى شقفة فخارية واحدة، أو أي إشارة أخرى تدل على وجود استيطان هناك في العصر البرونزي المتأخر، وأنتجت التنقيبات المجددة التي أعيد إجراؤها جرت في الموقع في الستينات، الصورة نفسها، مثل أريحا، لم يكن هناك استيطان في "عاي"، وقت غزوها المفترض من قبل بني إسرائيل.

** لم ينفرط الإجماع بشأن قصة الغزو، ولم يترك إلا مؤخراً، أما بالنسبة إلى دمار "بيت إيل"، و"لخيش"، و"حاصور"، ومدن كنعانية أخرى، فإن الشواهد التي تم الحصول عليها من مناطق أخرى من الشرق الأوسط، وشرقي البحر الأبيض المتوسط تفيد بأن الذين قاموا بعمليات التدمير ليسوا بالضرورة إسرائيليين.

** في السنوات الأخيرة من القرن 13 ق.م، وبداية القرن 12، مر كامل العالم القديم بتحولات قوية مثيرة، حيث عصفت أزمة مدمرة بممالك العصر البرونزي، وبدأ عالم جديد بالظهور، كانت هذه الفترة إحدى أكثر فترات التاريخ إثارة وفوضوية، سقطت خلالها إمبراطوريات قديمة، لتحل محلها قوى جديدة صاعدة.

** ملوك المدن الأربع، حاصور، أفيق، لخيش، ومجدو، ذكر بأنهم قد هزموا على أيدي الإسرائيليين تحت قيادة يشوّع، لكن الأدلة الآثارية تظهر بأن دمار تلك المدن حدث على مدى أكثر من قرن، الأسباب المحتملة لذلك الدمار هي: إما عمليات غزو، أو انحلال اجتماعي، أو حروب أهلية، أي أنه لم تقم بذلك الدمار قوة عسكرية وحيدة، وبالتأكيد، لم يتم ذلك الدمار خلال حملة عسكرية واحدة.

** يعد سفر يشوع تعبيراً أدبياً كلاسيكياً عن حنين وتخيلات شعب في زمن ومكان معينين، وقد استخدمت الشخصية الرفيعة ليشوع لاستدعاء صورة مجازية ليوشيا، المنقذ المنتظر لكل شعب إسرائيل.

** إذا كانت قصص الآباء والخروج، كما يقترح علم الآثار، أساطير تم تأليفها في أزمنة متأخرة، وإذا لم يكن هناك أي دليل مقنع على وجود غزو موحد لكنعان تحت قيادة يشوع، فماذا سنفعل بالادعاءات الإسرائيلية بشأن القومية القديمة التي تجمعهم؟ من كان أولئك الناس الذين أعادوا تقاليدهم إلى الوراء لأحداث تاريخية وعبادية مشتركة؟ مرة ثانية، يمكن لعلم الآثار أن يزودنا هنا ببعض الأجوبة المفاجئة، يمكن للتنقيبات الأثرية في القرى الإسرائيلية القديمة، وما تقدمه من فخاريات، ومنازل، وحبوب السيلوس، أن تساعدنا على إعادة بناء حياة الإسرائيليين القومية ومعرفة صلاتهم الثقافية، يكشف علم الآثار بنحو مدهش، أن الناس الذين كانوا يعيشون في تلك القرى إنما كانوا هم السكان الأصليين لكنعان، الذين طوروا بشكل تدريجي فقط، هوية عرقية أصبح بالإمكان إطلاق اصطلاح: "الإسرائيليين" عليها.

** تم افتراض أن الإسرائيليين كانوا مجموعات متناثرة من رعاة الماشية القادمين، عوضاً عن قدومهم كجيش واحد.

** إن اكتشاف بقايا شبكة كثيفة من قرى المرتفعات، والتي بنيت جميعها على ما يبدو خلال بضعة أجيال فقط، بيّن أن تحولاً اجتماعياً قوياً حدث في ريف التلال والهضاب المركزية لكنعان حوالي 1200 ق.م، لم تكن هناك أي إشارة لغزو عنيف، أو حتى لتسرب مجموعة عرقية محددة بشكل واضح، بدلاً من ذلك، بدا الأمر وكأنه ثورة في أسلوب الحياة، في المرتفعات التي كانت سابقاً غير مأهولة بالسكان إلا بشكل نادر ومتناثر وضعيف، بدءاً من مرتفعات يهوذا في الجنوب، وحتى مرتفعات السامرة في الشمال، بعيداً عن المدن الكنعانية التي كانت في عملية انهيار وتفكك، برزت فجأة حوالي مئتان وخمسون جماعة بشرية تعيش حياة مشتركة في قمم المرتفعات، أو التلال، كان هؤلاء، هم الإسرائيليين الأوائل.

** بالرغم ممن أنه ليس هناك طريق لمعرفة الهويات العرقية التي كانت قد تشكلت بالكامل في ذلك الوقت، إلا أننا حددنا هوية قرى المرتفعات المتميزة هذه بأنها قرى إسرائيلية، لأن العديد منها سُكنت بشكل متواصل حتى فترة الحكومات الملكية، وهو عصر لدينا مصادر وفيرة سواء من الكتاب المقدس أو من خارج الكتاب المقدس، تشهد بأن سكانها عرفوا أنفسهم بنحو واع على أنهم إسرائيليون.

** على العكس من رواية الكتاب المقدس التي تحكي عن الحرب المستمرة تقريباً بين الإسرائيليين، وجيرانهم لم تكن تلك القرى محصنة، إما أن سكان تلك القرى كانوا يشعرون بالأمان في أماكنهم النائية البعيدة، مما يغنيهم عن صرف الأموال في تحصينات دفاعية، أو أنهم كانوا لا يمتلكون الرسائل، أو التنظيم الصحيح للقيام ببناء مثل تلك التحصينات، لم تكتشف أي أسلحة، كالسيوف، أو الرماح، بالرغم من أن مثل هذه الاكتشافات كانت نمطية دائماً في مدن السهول، كما لم توجد هناك أي إشارات لحريق، أو دمار مفاجئ، قد يشيران إلى حدوث هجوم عنيف.

** ظهر الإسرائيليون الأوائل في حوالي 1200 ق.م، كمربي ماشية ومزارعين في التلال، كانت ثقافتهم ثقافة عيش بسيطة، هذا أكثر ما نعرفه عنهم.

** إن بروز إسرائيل المبكرة كان نتيجة لانهيار الثقافة الكنعانية، وليس سبباً له، وأغلب الإسرائيليين لم يأتوا من خارج كنعان، بل ظهروا من داخلها، ولم يكن هناك خروج جماعي من مصر، بل لم يكن هناك غزو وفتح عنيف لكنعان، وأغلب الذين شكلوا الإسرائيليين الأوائل كانوا أناساً محليين، نفس الناس الذين نراهم في المرتفعات طول فترة العصرين البرونزي والحديدي، كان الإسرائيليون الأوائل ـ من سخرية السخريات ـ أنفسهم، أصلا، كنعانيين.

** كثير من الافتراضات الآثارية التي كانت تعزز في القديم القاعدة التاريخية لقصص داود وسليمان، تعرضت مؤخراً للتشكيك، لقد تعرض المدى الحقيقي لاتساع الإمبراطورية الداودية لنقاش حاد جداً، فقد أخفقت الحفريات في أورشليم في الحصول على أي شاهد يدل على وجود مدينة كبيرة في عهد داود وسليمان، والنصب الأثرية التي نسبت يوماً إلى سليمان، أصبحت اليوم تربط بنحو معقول أكثر، بملوك آخرين، ولذلك، فإن إعادة النظر في تلك الأدلة سوف يكون لها نتائج مهمة جداً، ذلك أنه إذا لم يكن هناك آباء، ولا خروج، ولا غزو لكنعان، ولا حكم ملكي متحد ناجح تحت قيادة داود وسليمان، فهل يمكننا أن نثبت عندئذ أن إسرائيل التوراتية المبكرة كما جاء وصفها في أسفار موسى الخمسة، وأسفار يشوع والقضاء وصموئيل، كان لها وجود في الأصل؟

** لقد نقبت مدينة أورشليم مرة بعد مرة، مع التركيز في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي على البحث عن آثار المدينة العائدة للعصر البرونزي والعصر الحديدي تحت إشراف ييغال شيلوح، من الجامعة العبرية، في مدينة داود، اللب الحضري الأصلي لأورشليم، الأمر المفاجئ والمدهش، كما أشار إليه عالم آثار جامعة تل أبيب ديفيد أوسيشكين، أن العمل الميداني هناك وفي الأجزاء الأخرى من أورشليم الكتاب المقدس أخفقت في تزويد دليل عام على أن المدينة كانت آهلة بالسكان في القرن العاشر ق.م، هناك فقدان لأي بناء معماري تذكاري، وليس هذا فحسب، بل وكذلك لم توجد آثار حتى لأي قطع فخارية بسيطة.

** أكثر التقييمات تفاؤلا لهذا الفقدان لأي دليل عن آثار تعود للقرن العاشر ق.م، هو أن أورشليم لم تكن في تلك الفترة أكثر من مجرد قرية مرتفعات نمطية صغيرة.

** كانت دولة يهوذا، وطن داود وسليمان، دولة متخلفة بشكل واضح، وليس هناك دليل مهم على وجود ثروة لإمبراطورية عظيمة تتدفق عائدة إلى تلك الدولة، بل هناك مشكلة زمنية تاريخية مزعجة بدرجة أكبر، إن قصور بيت حيلاني التي تعود إلى سوريا العصر الحديدي، والتي يفترض أنها تمثل النمط التقليدي للقصور السليمانية في مجدو، إنما ظهرت في سوريا لأول مرة في القرن التاسع ق.م، أي بعد نصف قرن على الأقل من عصر سليمان.

** جوهرياً، لقد أخطأ علم الآثار في تأريخ كلا الآثار الداودية والسليمانية بمدة قرن كامل، فالاكتشافات التي أرخت بأنها تنتمي للزمن السابق مباشرة لعهد داود في أواخر القرن 11 ق.م، تبين أنها تعود في الواقع لمنتصف القرن العاشر ق.م، وتلك التي أرخت بعهد سليمان، تبين أنها تعود لأوائل القرن التاسع ق.م، تضع التواريخ الجديدة، ظهور الأبنية التذكارية، والتحصينات، والإشارات الأخرى الدالة على وجود دولة كاملة، تضعها في نفس زمن ظهورها، لأول مرة، في بقية مناطق المشرق بالضبط، إنها تصحح عدم التكافؤ في التواريخ بين أبنية قصر بيت حيلاني في مجدو ونظرائها في سوريا، وهي تسمح لنا ـ أخيراً ـ أن نفهم لماذا كانت أورشليم ويهوذا فقيرة جداً في المكتشفات العائدة للقرن العاشر ق.م، إن السبب هو أن يهوذا كانت ما تزال منطقة بعيدة ومتخلفة في ذلك الوقت.

** إذا لم يكن هناك أي سبب مهم للشك في تاريخية داود وسليمان، فإن هناك الكثير من الأسباب لوضع علامات استفهام كبيرة حول مدى وعظمة مملكتهما، إذا لم تكن عناك إمبراطورية كبيرة، ولم تكن هناك أبنية تذكارية ضخمة، ولم تكن هناك عاصمة رائعة، فماذا كانت طبيعة مملكة داود إذن؟.

** من زاوية علم الآثار لا يمكننا القول عن داود وسليمان أكثر من أنهما وجدا فعلا، وأن أسطورتهما ثبتت وبقيت حتى اليوم.

** لقد كان تطور مرتفعات كنعان إلى حكومتين متميزتين "إسرائيل ويهوذا" تطوراً طبيعياً، ليس هناك أي دليل آثاري مطلقاً بأن هذه الحالة بين الشمال والجنوب نتجت عن وحدة سياسية سابقة.

** ما زلنا لا نمتلك أي دليل آثاري، على الرغم من الأوصاف الفريدة في الكتاب المقدس عن عظمتها، على أن أورشليم كانت أكثر من مجرد قرية مرتفعات بسيطة أثناء عهد داود وسليمان ورحبعام.

** إن المملكة الشمالية لإسرائيل ظهرت كحالة متطورة بالكامل في وقت باكر، ليس بعد بدايات القرن التاسع ق.م، في وقت لم يتغير فيه مجتمع واقتصاد يهوذا إلا تغيراً قليلاً عن أصوله كقرى مرتفعات بسيطة، كل هذا أيضاً تدعمه السجلات التاريخية.

** لا شك أن ذكريات عهد آخاب وإيزابل بقيت حية لقرون عديدة، كما نراه واضحاً من إدراجها بمثل هذه الطريقة البارزة في التاريخ التثنوي، الذي دون على مدى مئتي سنة بعد وفاتهما، ومع ذلك، فإن هذه القصة في الكتاب المقدس العبري مليئة جداً بالتناقضات والمفارقات التاريخية، ومتأثرة بشكل واضح بالعقائد اللاهوتية لكتّاب القرن السابع ق.م، الأمر الذي يدعو لاعتبارها حكاية تاريخية، أكثر من اعتبارها سجلا تاريخيا دقيقا وحقيقيا، أحد التناقضات في تلك الرواية ما ترويه من قيام بنهدد الدمشقي بغزو السامرة في عهد آخاب، مع أن هذا الغزو لم يتم في الواقع في عهد آخاب، بل حدث في فترة لاحقة من تاريخ المملكة الشمالية، كما أن ذكر تحالف إسرائيل مع ملك غير معروف الاسم لأدوم هو أيضاً مفارقة تاريخية، لأنه ليس هناك أي دليل على وجود حكم ملكي في أدوم إلا بعد مئة سنة من زمن العمْريين.

** كان هناك شيء خاطئ جدا في هذا الارتباط الأولي بين التاريخ التوراتي والاكتشافات الأثرية، فالأسئلة الجديدة التي بدأت تطرح حول طبيعة ومدى أو حتى حول الوجود التاريخي، أساسا، لمملكة سليمان الواسعة، وإعادة تحديد تاريخ الطبقات الآثارية، أخذت تؤثر على فهم العلم الآثاري لفترة العمريين أيضاً، لأنه إذا لم يكن سليمان في الحقيقة هو الذي بنى البوابات والقصور السليمانية، فمن بناها إذن؟ إن العمريين كانوا المرشحين البديهيين، أبكر التشابهات المعمارية للقصور المتميزة التي تم التنقيب عنها في مجدو، والتي نسبت في البداية لسليمان، جاءت من سوريا الشمالية، المكان المفترض لأصل هذا النوع في القرن التاسع ق.م، أي بعد قرن كامل من عهد سليمان، وكان هذا بالضبط هو عهد حكم العمريين.

** بمساعدة الأدلة الآثارية، وشهادة المصادر الخارجية، يمكننا اليوم، أن نرى كيف أخفى التصوير الديني الواضح في الكتاب المقدس، الذي حكم على عمْري، وآخاب، وإيزابل بأن يكونوا مادة للسخرية والاحتقار على مدى القرون، كيف أخفى بشكل ماهر، الوصف الحقيقي للمملكة الحقيقية الأولى لإسرائيل.

** إن سوء حظ إسرائيل الأعظم، وسبب دمارها، ونفي عدد كبير من أبناء شعبها، كان يعود لأنها مملكة تعيش في ظل إمبراطورية عظيمة، ونجحت بالازدهار بنحو جيد أكثر من اللازم.

** وهكذا، أصبح عندنا تلميحات على أن غزو حزائيل لإسرائيل في منتصف القرن التاسع ق.م، أعقبه احتلال متطاول وتأسيس ثلاث قلاع على الأقل، في كل من دان وحاصور وبيت صيدا، تميزت بمواصفات مشتركة بعضها آرامي بشكل واضح، وهناك سبب آخر يدعو للاعتقاد بأن سكان هذا القسم من المملكة الإسرائيلية كانوا على الأقل جزئياً، إن لم يكن أغلبهم، آراميين، يشير إلى ذلك، حقيقة، أنه في كل موقع هام من المنطقة يعود للعصر الحديدي الثاني، أدت التنقيبات إلى اكتشاف بقايا كتبت باللغة الآرامية.

** يمكننا أن نبدأ بفهم التأثير الهائل للإمبريالية الآشورية على سير الأحداث في مملكة إسرائيل، وكيف أن قسماً كبيراً من التاريخ الموصوف في الكتاب المقدس العبري على أنه عامل لفسق ملوك إسرائيل وإثمهم وجشعهم، إنما يرتبط أكثر برياح سياسات القوى الدولية.

** هل من الممكن أن يكون المؤلف اليهوذوي اللاحق، الذي ألف تاريخه بعد مئة سنة تقريباً من وقوع تلك الأحداث، قد نسب بدافع عاطفي ووطني الآثار الباقية للأبنية العظيمة التي بناها بربعام، إلى عصر سليمان الذهبي؟

** عند موت تغلات بيلاسر عام 727 ق.م، كانت أغلب أرض المملكة الشمالية قد ضمت مباشرة وألحقت بالإمبراطورية الآشورية.

** عندما حصرت مملكة إسرائيل في الجوار المباشر للسامرة، لم تعد أكثر من لقمة صغيرة يمكن للدولة الآشورية الصاعدة أن تبتلعها في أول فرصة سانحة.

** في البداية، لربما حاول المبعدون إلى بلاد ما بين النهرين أن يحافظوا على هويتهم، بمواصلتهم مثلا لأشكال العبادة الإسرائيلية، أو تسمية أولادهم بأسماء إسرائيلية، لكنهم سرعان ما ذابوا في الدولة الآشورية، وتم استيعابهم في الإمبراطورية.

** كما فعلت السلطات الآشورية في توطين مواقع رئيسية في الشمال مثل مجدو برعاية تابعين لها من مناطق أخرى، جلبت مجموعات سكانية جديدة لتوطينها في قلب المرتفعات الإسرائيلية عوضاً عن الإسرائيليين الذين تم إبعادهم.

** تؤشر بعض الدلائل والمؤشرات التاريخية والآثارية إلى أن تلك المجموعات التي جيء بها من المناطق المتمردة في جنوب بلاد ما بين النهرين، تم توطينها ليس في السامرة فحسب، بل أيضاً في المنطقة الاستراتيجية جدا حول "بيت إيل"، مركز العبادة الإسرائيلي القديم، على الحدود الشمالية لمملكة يهوذا التي كانت ما تزال مستقلة.

** لا يمكننا أبدا أن نعرف مدى ثقة التقاليد أو النصوص أو الأرشيفات التي استخدمها مؤلفو الكتاب المقدس العبري لجمع تاريخهم حول مملكة إسرائيل، لم يكن هدفهم إنتاج تاريخ موضوعي للمملكة الشمالية، بل كان بالأحرى إعطاء تفسير لاهوتي لتاريخ كان معروفاً أصلاً، على الأقل في تفاصيله الواسعة، أيا كان ما ربما قالته الأساطير الشعبية حول كل فرد من ملوك إسرائيل، أدان الكتاب المقدس كل واحد منهم إدانة واضحة، لم تستحق فترة حكم كل واحد منهم أكثر من بضعة كلمات ملخصة، هذا أو ذاك الملك.

** لقد وجد المؤرخ التثنوي طريقة رائعة لتبرير حياة إسرائيل الشمالية لمدة قرنين تقريباً، وذلك باقتراحه أن الحكم عليها بالهلاك إنما أجله يهوه، لأنه وجد بعض الحسنات حتى لدى الملوك الخطاة للمملكة الشمالية.

** لقد دُمرت إسرائيل وبقيت يهوذا على قيد الحياة، لأنه في المخطط الكلي لطموحات الإمبراطورية الآشورية، كانت إسرائيل بثرواتها الغنية وبعدد سكانها المنتج، دولة مغرية بنحو لا يقارن مع يهوذا الفقيرة التي يصعب الوصول إليها.

** عندما واجهت يهوذا العالم غير الإسرائيلي وحدها فجأة، احتاجت إلى نص تعريفي وتحفيزي، ذلك النص، كان اللب التاريخي للكتاب المقدس، الذي أعد في أورشليم أثناء القرن السابع ق.م، ولأن يهوذا كانت مسقط رأس الكتاب المقدس المركزي لإسرائيل القديمة، لم يكن من المستغرب أن نجد نصوصاً تؤكد على منزلة يهوذا الخاصة مراراً وتكرارا من البدايات ذاتها لتاريخ إسرائيل.

** على الرغم من أهمية يهوذا في الكتاب المقدس العبري، ليس هناك إشارة آثارية حتى القرن الثامن ق.م، على أن منطقة المرتفعات المعزولة والصغيرة تلك، المحاطة بأرض سهلة قاحلة في الشرق والجنوب، كان لها أي أهمية تذكر.

** ابتداء من أواخر القرن الثامن ق.م، حدث شيء استثنائي، غيرت سلسلة من التغيرات التاريخية، التي بدأت بسقوط إسرائيل، فجأة المشهد السياسي والديني ليهوذا.

** على الرغم من الزعم لمدة طويلة بأن بلاط سليمان الغني كان مسرحا لرسائل جميلة مزدهرة، وأفكار دينية وتدوين للتاريخ، إلا أننا نفتقر إلى وجود شاهد واحد على انتشار واسع للقراءة والكتابة في يهوذا في عهد الحكم الملكي المنقسم، لم يكتشف إلى الآن، حتى أثر واحد للنشاط الأدبي في يهوذا في القرن العاشر.

** كانت أورشليم عاصمة "عبدي حبا" معقل مرتفعات صغيراً، يقع في الحافة الجنوبية الشرقية للقدس القديمة، والتي عرفت لاحقا بمدينة داود، لم توجد هناك أي بنايات أو تحصينات تذكارية من القرن 14 ق.م.

** إن مؤسسات أورشليم، الهيكل والقصر، لم تسيطر على حياة سكان أرياف يهوذا في أي شيء مقارب للمدى الذي تقترحه النصوص التوراتية، كانت الصفة الأبرز والأوضح ليهوذا في القرون الأولى من العصر الحديدي هي الاستمرارية، وليس التجديد الديني والسياسي المفاجئ.

** تدل الاكتشافات الأثرية للتماثيل الطينية ومذابح البخور وظروف إراقة الدم ونصب أو أماكن تقديم القرابين الموجودة في كل أنحاء يهوذا، أن ممارسة الدين كانت تختلف كثيرا من مكان لآخر، وكانت غير مركزية جغرافياً، وبالتأكيد لم تكن منحصرة بعبادة يهوه وحده في معبد أورشليم.

** إن وجود الأماكن المرتفعة والأشكال الأخرى لعبادة الأسلاف والآلهة الأسرية لم يكن، كما يفيد سفر الملوك، كفراً وارتداداً عن إيمان نقي سابق، إنما كان جزءاً من تقليد قديم لسكان ريف مرتفعات يهوذا، الذين عبدوا يهوه إلى جانب عدد مختلف من الآلهة الذكور والإناث التي عرفوها أو تبنوها من طقوس الشعوب المجاورة.

** مع كل كلام الكتاب المقدس العبري عن تقوى حزقيا، وتدخل يهوه الإنقاذي، كانت الإمبراطورية الآشورية المنتصر الوحيد، لقد حقق سنحاريب أهدافه بالكامل، لقد كسر مقاومة يهوذا، وأخضعها، ورث حزقيا دولة مزدهرة فقام سنحاريب بتدميرها.

** لقد كان آحاز ملكاً حذراً وبراغماتياً، أنقذ يهوذا من مصير إسرائيل الرهيب، وقادها نحو الازدهار، لقد أدرك أن الطريق الوحيد للبقاء والاستمرار كان التحالف مع الإمبراطورية الآشورية، وقد كسب، كتابع موال، بعض التنازلات والتخفيضات الاقتصادية من أسياده الكبار، وأدمج يهوذا في اقتصاد الإمبراطورية الآشورية الإقليمية، لقد حكم آحاز فترة من الازدهار لا سابقة لها في يهوذا، عندما وصلت يهوذا لأول مرة إلى مرحلة الدولة المتطورة بشكل كامل، ولكنه لسماحه بازدهار الممارسات الدينية التقليدية، نال سخط وغضب المؤرح التثنوي.

** انتهت 400 سنة من تاريخ يهوذا بالنار والدم، دمرت مملكة يهوذا الفخورة تدميرا كاملا، وخرب اقتصادها، ومزق مجتمعها إربا إربا، وعُذب الملك الأخير من السلالة التي حكمت عدة قرون، وسجن في بابل، وقتل جميع أبنائه، ودُمر هيكل أورشليم، المكان الشرعي الوحيد لعبادة يهوه.

** لاحظ العلماء لمدة طويلة بأن المصدر الكهنوتي في التوراة، هو في معظمه مدون بعد النفي.

** عندما بدأ الكتاب المقدس العبري يُشرح ويُدرّس بمعزل عن وظيفة تأثيره القوي في حياة الجماعة، بدأ علماء اللاهوت وعلماء الكتاب المقدس يطلبون منه ما ليس فيه، ومنذ القرن 18م، في المسعى التنويري للبحث عن التاريخ الدقيق والقابل للإثبات، أصبحت الحقيقة الواقعية التاريخية للكتاب المقدس، كما بقيت إلى اليوم، موضع نقاش مرير، وعندما أدرك العلماء أن الخلق في سبعة أيام والمعجزات التلقائية لا يمكن أن تفسر بنحوٍ مرضٍ تفسيراً علمياً وعقلياً، بدأوا في انتقاء ما وجدوه تاريخياً في الكتاب المقدس العبري، وما لم يجدوه كذلك، وظهرت نظريات وفرضيات حول المصادر المختلفة المتضمنة في نص الكتاب المقدس العبري، وجادل علماء الآثار حول الدليل الذي يثبت أو ينفي الثقة التاريخية لهذا المقطع أو ذاك من الكتاب المقدس.

** لقد أظهر لنا قرنان من الدراسات الحديثة للكتاب المقدس العبري، أن المادة التوراتية يجب أن تقيم فصلاً فصلاً، وأحياناً، آية آية، إن الكتاب المقدس يتضمن مواد تاريخية، وغير تاريخية، وشبه تاريخية، تظهر أحيانا قريبة جدا من أحدها الآخر في النص، إن أساس جوهر العلم بالكتاب المقدس العبري هو أن نفصل الأجزاء التاريخية عن بقية النص طبقاً لاعتبارات أدبية، ولغوية، ومعلومات تاريخية من خارج الكتاب المقدس، لذا، نعم، يمكن أن نشكك في الصفة التاريخية لآية، وأن نقبل بصحة آية آخرى.