Menu
حضارة

في وصف واقع الحال

طلال عوكل

إذا كان للمصطلحات دلالات عميقة، فإنه من غير الممكن أن نستمر كعرب إعلاميين وسياسيين وقادة، بوصف ما تقوم الولايات المتحدة بتسويقه أو فرضه، على أنه "صفقة القرن"، ولا هي بالطبع "صفعة القرن".

على أن استخدام هذه المصطلحات التي أصبحت دارجة، ينطوي على تضليل متعمّد من قبل البعض، وغير متعمّد من قبل الذين يتداولونها من الفلسطينيين والعرب.

الحديث عن صفقة يعني أن هناك بضاعة لدى طرفين أو أكثر يقوم الكومسيونجي بالتوفيق بين أطرافه لإتمام البيع والشراء، وتحصيل حقه.

الأمر هو أن هناك بضاعة لدى الطرفين الفلسطيني العربي والإسرائيلي، وهي بضائع غالية الثمن حين تتعلق بالحقوق والأطماع. لكن الولايات المتحدة ليست وسيطاً نزيهاً يمكن أن يساهم في إبرام صفقة تاريخية تحقق لطرفيه قدراً من الرضى.

وبالطبع فإن آخر ما يمكن التفكير به هو أن ما تقوم به الولايات المتحدة، عملية سلام مستقرة لصراع مزمن ومفتوح على التاريخ، فلقد تحولت عملية السلام إلى إعلان حرب على الشعب الفلسطيني وحقوقه وحتى على الأمم المتحدة التي تتخذ المزيد من القرارات انتصاراً لدورها وقراراتها.

إسرائيل أعلنت منذ فترة طويلة الحرب على الشعب الفلسطيني، حتى باتت تخجل من أن تتحدث عن السلام ولو من باب العلاقات العامة، وتضليل المجتمع الدولي.

الحروب لا تخاض دائماً وبالضرورة من خلال الأسلحة التقليدية، وإن كانت هذه موجودة، أيضاً، على جدول أعمال دولة الاحتلال. هي حرب تستهدف مصادرة الأرض والشجر، والحقوق، وإقصاء الشعب الفلسطيني عن أرضه بالقوة دائماً، وبالحيل أحياناً.

جديد الأمر أن الولايات المتحدة قد مارست عملية تضليل تاريخية حين نصبت نفسها بقوة الأمر الواقع كراعية حصرية ووحيدة لعملية السلام، تاركة للآخرين في "الرباعية الدولية" إما دوراً شكلياً أو دوراً تحدده لها الولايات المتحدة.

خلال هذه الرعاية حققت إسرائيل الكثير من الإنجازات لفرض مخططاتها وفي فرض أطماعها التوسعية على الأرض، والحقوق، وفي القدس وفي التحكم بالاقتصاد الفلسطيني وحياة الناس وقتل واعتقال، عشرات الآلاف.

انتهى هذا الدور منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حيث لم يعد ثمة ضرورة لمواصلة عملية التضليل والتغطية على المخططات الإسرائيلية وحماية إسرائيل من المحاسبة والملاحقة.

اليوم الولايات المتحدة وحدها تسعى لفرض مخططاتها التي تتطابق مع المخططات الإسرائيلية، إذ لم يعد ثمة إشارة إلى وجود رباعية دولية، أو دور لأي طرف.

إعلان الحرب بدأ فعلياً حين أعلن بكل صلافة الرئيس ترامب، الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل ثم أمعن في تحديه بنقل سفارة بلاده إليها.

نيكي هايلي هي الأخرى كان لها نصيب من إعلان الحرب حين وصفت الأمم المتحدة بأنها منحازة للشعب الفلسطيني ومناوئة لإسرائيل وتعهدت بالتصدي لما تقوم به المؤسسة الدولية.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تابعت الولايات المتحدة حربها على الحقوق الفلسطينية سواء فيما يتعلق بحق عودة اللاجئين أو ما يتعلق بالأرض، التي تقر الشرائع الدولية أنها محتلة.

إذاً "صفقة القرن" هي التعبير المضلل للحرب الأميركية على الحقوق الفلسطينية والعربية، بما أنها خطة من طرف واحد ولضمان مصالح واستراتيجيات طرف واحد، ولأنها غير مطروحة أو قابلة للتفاوض.

المبعوثان الأميركيان كوشنر وغرينبلات اللذان يتجولان في المنطقة لم يحضرا لكي يستمعا إلى اقتراحات أو تعديلات، وإنما لطرح اللاءات وتوزيع أدوار على من تعتبرهم فرقاء وليسوا شركاء. الشراكة الوحيدة للولايات المتحدة هي فقط مع إسرائيل، وواهم من يعتقد أنه يمكن أن يرقى إلى مستوى الشريك الثانوي.

علينا أن نصدق ما صدر عن الدكتور صائب عريقات لفضح القضايا التي يتم تداولها من خلال هذه الدولة، وبضمنها التآمر على النظام السياسي الفلسطيني، واستهداف الرئيس محمود عباس .

المبعوثان عملياً يقومان بجولة أخيرة، لإتمام وضع اللمسات الأخيرة قبل الإعلان الرسمي عن ما يسمى "صفقة القرن"، التي سيتضح حينها أنها فعلياً إعلان الحرب رسمياً وعلنياً على الشعب الفلسطيني وحقوقه.

ثمة مشكلة في الخطاب الفلسطيني، الذي يواصل الحديث عن أن الفلسطينيين قد أفشلوا هذه الصفقة، وأنها لن تمر، وأن القمة العربية قرأت الفاتحة عليها.

لو أن المسألة تتعلق بعملية سلام تتطلب توقيع الفلسطينيين على إنهاء الصراع، لكان هذا الادعاء صحيحاً ولكن الأمر ليس على هذا النحو، الولايات المتحدة لم تعد تنتظر من الفلسطينيين موافقة، ولا حتى من العرب، فهي مضت منذ وقت في تنفيذ هذه الخطة، وستستخدم كل طاقتها وقوتها لجعلها أمراً واقعاً.

قد تنجح الولايات المتحدة في فرض هذا المخطط الإسرائيلي الأصل الأميركي بالتبني، لكنها لن تنجح في إقفال الصراع، ولن تنجح في تحقيق الأمن والاستقرار لإسرائيل.

هذا يعني أن على الفلسطينيين أن يقاوموا، بكل قوة، ولكن نجاح أو فشل هذا المخطط لن يكون نهاية المطاف والمهم أن يكون عنوان المقاومة واضحا، وأن يكون العدو واضحا.