Menu
حضارة

فلسطينيو لبنان: بوابات إلكترونية.. ثم تهجير أو توطين!

البوابات الإلكرتونية على مدخل أحد مخيمات اللاجين الفلسطينيين في لبنان

بيروت_ خاص بوابة الهدف_ وليد عبد الرحيم

كما قلنا في تقرير سابق، لم يكن إحصاء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بريئاً، وتم الاحتفاء بناءً على نتائجه بانخفاض "تخفيض قسري ذكي" لعددهم ليصل إلى نحو 177.000 لاجئ، والنية -كما أوردنا منذ أشهر في تقارير سابقة لـ "بوابة الهدف"- التطفيش والتضييق بهدف تسهيل وترويج التوطين.

وبُعيد مسرحية البوابات الإلكترونية التي كانت في جوهرها عملية ضغط للتمهيد لفرض التوطين أو المغادرة ليس إلا، من قبل أقطاب لبنانية متنفذة، تصاعدت التسريبات عن موافقة الحكومة اللبنانية ومباركة كل الأطراف الطوائفية بخصوص المشروع الأميركي- الأوروبي ذي الخلفية "الإسرائيلية" للتوطين.

الأمن العام اللبناني فرض وضع بوابات إلكترونية، وهي التي -تذكر بممارسات الاحتلال الصهيوني تماماً- على مداخل بعض المخيمات، وقد صمَت الجميع لبنانياً وبهت الصوت الفلسطيني الرسمي مستنكراً بخجل، ثم قرر الجيش اللبناني رفع البوابات، وقيل بأن نبيه بري تلقى عشرات الاتصالات من قادة وفصائل فلسطينية في هذا الشأن، لنُفاجَأ بعد ذلك مباشرة بأنباء تفيد بنضج طبخة التوطين بموافقة الأطراف اللبنانية من رئاسة وحكومة وأحزاب وأمراء طوائف مختلفة العناوين والسياسات والتناقضات، بخاصةٍ تلك الأصوات اليمينية التي لطالما علت وحذّرت لسنوات طويلة من الوجود الفلسطيني بمنتهى العدائية، بل والوقاحة في الكثير من الأحيان.

هُنا يجدر ذكر مقولة للحكيم جورج حبش في العام 1984 "سوف تُفاجَؤون بأن الأصوات اليمينية التي تدّعي الحرص على عدم توطين اللاجئين الفلسطينيين هي ذاتها التي تُرتّب مع العدو الصهيوني والرجعية العربية وأميركا لمؤامرة توطينهم".

وكان رئيس حكومة الاحتلال الإرهابي بنيامين نتنياهو سعى فعلياً وبجهد كبير إلى إنهاء تفويض وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وقد طلب في العام 2017 أثناء لقاءات عدة مع الإدارة الأمريكية ثم اللوبي الصهيوني ممثلاً بـ" إيباك" العمل على ذلك بقوة، وهو ما حدث فعلاً عبر تخفيض المستحقات المالية الأميركية للوكالة إلى أقل من النصف والتهديد بقطعها نهائيًا، كما جاء على لسان نيكي هيلي آنذاك "بسبب موقف الفلسطينيين الرافض للسلام مع إسرائيل".

تلك لم تكن المقدمات الأولى، فقد تسرّب منذ العام 1982 أن الإرهابييْن شارون وبشير الجميل تواعدا على تطفيش الجزء الأكبر من الفلسطينيين وتوطين الجزء الآخر، وتمّت عقبها مجازر صبرا وشاتيلا ثم حرب المخيمات الشهيرة، علماً بأن لبنان كان قد خصّ المسيحيين الفلسطينيين بالجنسية اللبنانية خلال السنوات اللاحقة للجوئهم، ويصعب اليوم أن تجد فلسطينياً من أتباع الديانة المسيحية لا يحمل الجنسية اللبنانية، أو أن يكون تم "تطفيشه" إلى دول العالم البعيدة.

يقول أحد المواطنين الفلسطينيين "وُلِدتُّ في العام 1969 ووجدت نفسي في عائلتي حيفاوياً فلسطينياً في كل شيء، ولُبنانياً فقط بالهوية،...، وعندما سَألتُ أبي عن كيفية حدوث ذلك قال لي: إن الحكومة تُجنّس الفلسطينيين المسيحيين فقط، حتى أنّهم نقلوا تصنيف عائلتنا الديني من روم أرثوذوكس إلى موارنة".

البوابات الإلكترونية، ابتكرت فكرتَها في الأصل الصهيونيةُ، لتحقيق الدقة بخصوص تفتيش الفلسطينيين على الحواجز والمعابر، وللتنكيل بهم وحصرهم وإحباطهم وتسويد عيشتهم، وهي فكرة طوّرتها العقلية الصهيونية عن شقيقتها النازيّة، ومن المعروف أن العقلية الطائفية اليمينية في لبنان وإن اتخذت مقولات مختلفة فإنها تُمجّد وتُبدي إعجابها بمُنجَزات "إسرائيل" وديمقراطيتها وحضاريتها.

وُضعت البوابات الإلكترونية إذًا، ثم أزيلت، ثم طُرِحت بعدها علانيًة مسألة التوطين المباركة أمريكياً، وفي لقاء أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية والحريري رئيس الحكومة اللبنانية يوم 22 حزيران 2018 ، تم الحديث عن مسألة توطين الفلسطينيين في لبنان، لكن التركيز الإعلامي العلني المتعمد كان على أوضاع ومصير اللاجئين السوريين.

أحد الكوادر الحزبية اللبنانية أسرَّ لـ "بوابة الهدف" بأن ميركل طرحت تنفيذ ما تم الاتفاق عليه سابقاً -منذ سنوات- بخصوص الوجود الفلسطيني خلال لقاءات رسمية لم يُعلن عنها، وأن تبادر الحكومة اللبنانية إلى الإيفاء بما تم الاتفاق عليه، وذلك مقابل تحقيق تعاون وتبادل أوروبي اقتصادي مثمر مع لبنان للخروج من أزمته الاقتصادية وتطويره، وأن جوانب أخرى نوقشت تتعلق بسلاح (حزب الله) وأوضاع الحدود مع فلسطين المحتلة. وبالفعل جرى لقاء اقتصادي بين ميركل والحريري في مبنى السرايا الحكومي، برفقة اقتصاديين، رجال أعمال وبنوك كبار ألمان ولبنانيين في الساعة الثانية عشرة والنصف، يوم 22 حزيران الجاري.

أنباء وردت أيضاً عن أن السعودية نصحت اللبنانيين عبر حلفائها في الحكومة بإزالة البوابات الإلكترونية، ذلك لأن استفزاز الفلسطينيين بهذه الطريقة سوف يجعلهم متمسكين أكثر بفكرة حق العودة وتزداد بالتالي "نكايةً بالموقف العام اللبناني والدولي" نسبةُ ووتيرة وحالات رفض التوطين من قِبَلهم؛ مما قد يُفشل المساعي الدولية بتزيين وتسهيل فكرة التوطين لهم، من بابا أنّها ستكون بمثابة حلٍّ لمشكلات وجودهم بالدرجة الأولى، وهو الأمر ذاته الذي يُرتَّب لفلسطينيي سوريا أيضاً.

السفارة الأميركية في بيروت تحاول إقناع زائريها من اللبنانيين منذ سنوات بنجاعة التوطين والتهجير، ويعلم المسؤولون اللبنانيون جيداً كم هي عدد المرات التي قيل لهم فيها من قِبَل موظفي السفارة الكبار والملحَقين الأمنيين والعسكريين الأمريكيين عبارة "انظروا للأردن كنموذج، فقد ساهم الفلسطينيون ومازالوا بشكل كبير في بنائه، وأن الخطوة ستعود على لبنان برمّته بتطور في مختلف المجالات وستتم مساعدته اقتصادياً وينعم بالأمن".

يمكن الاستنتاج أن خطوة البوابات الإلكترونية لم تكن مجرد حدث أمني أو جس نبض للفلسطينيين، الذين رفضوها بشكل قطعي عموماً، بل كانت تمهيداً ربما لإعطاء نموذج ضاغط مفاده "إن اعترضتم على التوطين فهذا ما ستكون عليه النتيجة.. بوابات إلكترونية، اتهام بالعصيان والإرهاب"، ولربّما افتعالٌ لأحداث أمنية جديدة، وهو الأمر الذي يفسَّر أيضاً -فيما يفسِّر- تلك العلاقات الحميمة العميقة والاتصالات غير المنقطعة بين الإرهابيين الذين يعيثون فُرادى وجماعات في المخيمات وبين عدة أطراف لبنانية بشكل يكاد لا يصدَّق.

ويبقى عنوان التوطين في لبنان، الذي لم يعد (الفيتو) بخصوص طرحه عارماً كما كان، بل يكاد يعتبر مرضياً عند العديد من القوى على مر سنوات طويلة حتى ظهور تسريبات صفقة القرن ومسألة القدس والسفارة الأمريكية، يبقى العنوان سيّد الهمس السرّي في أروقة أمراء الطوائف في لبنان بمختلف عناوينهم وتسمياتهم.

لكن، تبقى أيضاً السمة الأبرز في هذه المرحلة مسألة وجود (الأونروا) وارتباطها بمختلف ما يجري سراً وعلانية، مع صمت مريب من الجمع الجميع.