Menu
حضارة

القضية الفلسطينية والأمم المتحدة

عوني صادق

مع الدخول في شهر يونيو/حزيران الجاري، تصاعد الحديث عن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «لإحلال السلام في الشرق الأوسط»، وملأت أخبار مبعوثيه الصحف العربية والأجنبية بما يوحي أن موعد الإعلان الرسمي ل«صفقة القرن» يقترب، مع أنه لا جديد سوى ما صار معروفاً وبعض التفاصيل التي تسربها الصحف «الإسرائيلية» بصورة خاصة. ولأن كل المباحثات التي تجري مع الأطراف العربية والطرف الفلسطيني خاصة تتم في جو من السرية التامة، فإن ما يقال يعتبر من قبيل التكهنات و«التسريبات». وعلى السطح، ما زال الموقف الفلسطيني يراوح مكانه على الجانبين الرسمي والشعبي: رفض ل«الصفقة» وتمسك بحدود دنيا سبقتها الأحداث وأصبحت تتطلب مواقف عملية واضحة يستدعيها الرفض المعلن.

وإذا كان الوضع العربي من الضعف والتهافت بما لا يسمح بشيء يبعد شبهة الاستسلام للضغوط الأمريكية، فإن الموقف الفلسطيني على الصعيد الرسمي لا يترك غير اللجوء إلى الأمم المتحدة ومؤسساتها، في وقت يبدو فيه «الحراك الشعبي» المتمثل في «مسيرات العودة» هو أقصى ما تسمح به ظروف هذا الحراك، بينما يجري «التشويش» بشكل واضح على خيار منظمات المقاومة.

وذكر الأمم المتحدة يجر إلى الحديث عن آخر مواقفها التي عبر عنها مبعوثها الخاص ل«السلام في الشرق الأوسط» نيكولاي ملادينوف في إحاطته الأخيرة حول الوضع في غزة قبل أيام، والذي اعتبرته حركة (حماس) منحازاً لدولة الاحتلال، حيث اتهم فيها حركتي (حماس) و(الجهاد الإسلامي) بالتحريض على العنف، وحملهما المسؤولية عن «عمليات عنيفة واستفزازية ناسياً أو متناسياً الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال «الإسرائيلي» بحق المتظاهرين، وناسياً ومتناسياً أن غزة تعاني الحصار والعدوان منذ 12 عاماً وأن القانون الدولي أعطى الحق لمن يقع تحت الاحتلال بمقاومته.

موقف ملادينوف في الحقيقة امتداد لمواقف الأمم المتحدة منذ ما قبل قرار (أو توصية) تقسيم 1947، وانتهاء بالتجاهل الذي تحظى به القضية الفلسطينية منذ سنوات، بالرغم من كل القرارات التي صدرت عن المنظمة الدولية والتي اعترفت ب«حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف» وأولها حقه في تقرير مصيره وعلى أرضه، والتي لم ترجع له حقاً ولم تحفظ له حقاً بل ضيعت الحقوق والقضية معاً.

ومنذ بداية التسعينات، وبصورة أوضح منذ انهيار الاتحاد السوفييتي واستفراد الولايات المتحدة بالمنظمة الدولية وبقرارها، تراجع اهتمام الأمم المتحدة بالقضية الفلسطينية، وإن ظلت شكلياً تحتفل ب«يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني» وتأخذ بعض القرارات لصالحه في الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان، إلا أنه على الصعيد العملي لم تعد القضية تحظى بأي اهتمام. وفي أيام بان كي مون «القلق» وصل الأمر بعد عدوان 2015 على غزة، إلى إصدار «قائمة سوداء» تضمنت أسماء الدول والمنظمات التي انتهكت حقوق الطفل ولكن خلت القائمة من اسم «إسرائيل»، مع أن ذلك العدوان شهد وفاة حوالي (800) طفل وفقاً لتقارير وضعتها منظمات إنسانية! كذلك، في بداية صيف 2017، وصل أمين عام الأمم المتحدة الجديد أنطونيو جوتيريس إلى «تل أبيب» في أول زيارة رسمية له، وفي تصريحاته تطرق إلى الصراع الدائر على أرض فلسطين مكتفياً بالإشارة إلى «حل الدولتين» الذي لم يكن قد سقط بعد وكان موضوعاً للإلهاء في حينه، لكنه اهتم كثيراً بالتأكيد على أن «عدم الاعتراف بحق «إسرائيل» في الوجود مثله مثل اللاسامية»، وأن «إسرائيل» تستحق معاملة عادلة في الأمم المتحدة مثل باقي الدول.

لقد أصبح من نافل القول التذكير بأن الأمم المتحدة ومجلس أمنها الدولي كانا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مجرد «مكاتب» للدول المنتصرة في الحرب، الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، ومع انهيار الاتحاد السوفييتي أصبحت مكاتب تابع للخارجية الأمريكية، وهي حاليا تتقاسمها أمريكا وروسيا بالتناوب وحسب مصالح كل منهما، ولم يعد يؤمل منها شيء يعود بالمنفعة على الشعوب الفقيرة الخاضعة بصورة أو بأخرى. ومثلما كان للأمم المتحدة دور في إقامة «دولة إسرائيل» وخلق القضية الفلسطينية، كان لها دور في إيصالها لما وصلت إليه، وهي اليوم تريد أن يكون لها دور في تصفيتها نهائياً. من هنا، يصبح واضحاً أن الاعتماد على الأمم المتحدة، أو مؤسساتها، لن يحمل معه إلا مثل هذه التصفية، ويصبح من الضروري أن يجد الشعب الفلسطيني طريقه الذي أصبح يعرفها لتحرير وطنه واسترداد حقوقه.